إستراحة قلم مرهق قبل أن يجف الدم و المِداد

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

إستراحة قلم مرهق قبل أن يجف الدم و المِداد
1
إن زال الحزن عن الأعين وانكشف الغَم عن القلوب وعادت المروءة للسواعد وخرج الوُلاة من قلب الشعب بعد التحرير والإنتصار وإقصاء مجرمي الشتات فإن لهم وصية مفادها قول العارف:
رأس سياسة الوالي ثلاث خِصال : اللين للناس والإستماع إليهم والنظر في أمورهم.
ورأس مروءة الوالي ثلاث خِصال : حب العلم والعلماء ورحمة الضعفاء والإجتهاد في مصلحة العامة.

2
إن عادت للشمال الكبير هيبته وثروته وأمانه ومنظومته القيمية وتطهر من رجس الخوف والإعتداء والتهديد وصار ولاية في ثياب دولة حتى ينجلي الموقف فإننا نحلم بإن يكون واليه الكبير والمنتخب والمتفق عليه بعلمه وخلقه ودينه صاحب مهابة وحضور وثقافة وكبرياء متواضع، حاكم مثل هارون الرشيد يُملي ولا يُسأل ولا يُكنى في مجلسه حتى وإن كان السائل فقيهاً في قامة عامر الشعبي فقد جاء في الأثر أن عامر الشعبي الفقيه يجالس عبد الملك بن مروان فسمع منه حديثاً فقال له : أكتبنيه ( أمله علي) يا أمير المؤمنين فقال له : نحن معاشر الخلفاء لا نُكتب (لا نٌملي).
وذكر يوماً رجلاً فكناه (ذكر بكنيته) فقال له عبد الملك : نحن معاشر الخلفاء لا تكنى الناس في مجالسنا. ودخل عليه الأخطل مرة فدعا له بكرسي فقال له الشعبي : من هذا يا أمير المؤمنين ؟فقال له : نحن الخلفاء لا نُسأل.

3

إن عصابة دقلو بعد الذي أحدثته من بشاعة في الجزيرة وفي سنار وفي النيل الأبيض وأطراف الشمال والخرطوم وكردفان ودارفور الآن بكل هذا التوثيق الحقير نؤكد ويؤكدون للعالم بأنهم مجرد لصوص ومصاصي دماء لا يمتلكون مع الشعب السوداني لا كفاءة ولا قيادة ولا ثقافة ولا شعر و فنون ولا أدب بل لا يمتلكون وسط هذه الحضارة الوسطية المعتدلة لا فقيه ولا شاعر ولا مطرب ولا مسرحي ولا أكاديمي ولا رجلاً حتى بالمروءات يعتد به وقد بحثت عن وصية من لص أممي أهدي نصيحته للص كبير آل دقلو فلم أجد غير نصيحة عثمان الخياط إذ قال لأصحابة:
1_ لا تسرقوا الجيران (وقد سرقنا حمدتي)
2_ واتقوا الحرم والمحارم ( وقد إغتصبت عصابة دقلو العفيفات)
3_ ولا تكونوا أكثر من شريك مناصف( وبدلاً عن الشراكة التي منحناها له بالرضاء نقل و نهب كل شئ ودمر كل شئ وحرق كل شئ واصطاد حتى الدجاج إلى منافيه ومخازن الضعين الحرام)

وبعد كل هذا الخراب نالوا أعراضنا بالشتيمة والبذاءة من مفتي الديار العلمانية(وفي ظننا أنكم أولى وأحق بالذي في أيديهم لكذبهم وغشهم وتركهم إخراج الزكاة وجحودهم الودائع)
وبعد غفلتنا التاريخية لم نجد ما نتأسى به غير تعزية شيخ العرب الحاردلو حين حقّره بالبذاءات السشهيرة ووجع المُعاملة
(كان المهدي داك ولداً قدل فوق عزة
حت ود الخفير سوانا في…)

4
لكأني في أول إجتماع لسلطة تأسيس برئاسة العميل التعايشي قوله لكبار أهل دارفو المختطفين ( منذ أن وليت عليكم رفع الله عنكم الطاعون فقام أحد المشايخ هامساً لجاره في أقصى القاعة إن الله أكرم من أن يجمع علينا حمدتي والطاعون)

5
ومن المناهج التي يجب أن نراعيها في بيوتنا ومؤسساتنا ووزاراتنا الحرص على البساطة وأن نجعل أشكالنا وأقوالنا وأفعالنا زاهدة ، وأن نحرص بأن تكون مؤسساتنا مترفة بالإمكانات ،فقد شاهد القوم علياً وكان خليفة آنذاك يديرإمبراطورية شاسعة له بيت مال وثروة وعتاد وهو يلبس إزاراً بسيطاً وقديماً لكنه نظيف وقد عُوتب في ذلك فرد عليهم في حسم قائلاً: هذا مظهر يخشع له القلب وتذل به النفس ويقتدي به المؤمنون.

6
وكان أستاذنا الدكتور أحمد الطيب الشيخ الفاتح قريب الله يحرص أن يدون في كراساتنا في كل حصة أدب حكاية من حكايات العرب ويسألنا أن نجد لها عنواناً بل كان أحياناً يطالبنا أن نحفظها أو نرويها بما يماثل كلماتها. ومن الحكايات التي أسميتها ضد التعذيب حكاية موسى بن عبد الله فقد قيل في الأثر :
أن المنصور قبض على موسى بن عبد الله بن الحسن فأمر بضربه خمسمئة سوط ، فضرب وهو صابر غير مكترث وكان موسى رقيقاً منعماص فدهش المنصور وقال:
عذرت أهل الباطل فما بال هذا الغلام الذي لم تره الشمس ؟ يقصد بأهل الباطل الشطار من قطاع الطرق واللصوص فعقب موسى على قوله:
إذا صبرأهل الباطل على باطلهم فأهل الحق الحق أولى .
وعندما خرج لآمه الربيع بن يونس الحاجب على هذا الصمود ، الذي أغرى به المنصور وزاد من حقده عليه، فرد موسى :
إني من القوم الذين تزيدهم
جَلَدَاً وصبراً قسوة السلطان

7
إذا كان الفاتك القاتل أبو لؤلؤ الشتاتي لا يحفظ من القرآن آية ولا من الحديث حديث ولم يستمع يوماً لقصيدة من البوصيري أونهجها من شوقي ، أوأوبريت المولد للمجذوب والكابلي أو مربع لعكير الدامر
ود بيت المَحَل ما تجر معاه مودة
وما تنغشا بي رزقو الحجر ما انكَدّ
كل يوم العِرِق لي أصله ماخد مَدّ
مُو قضاي غروض ود أب إيدو قاطعة المَدَة

وإن كان قلب هذا الوغد خالياً من كل هذا الفيض والجمال ولا يزين عقله ولا قلبه وميضٌ من المعارف والمفاخر والمروءات فكيف لنا بأن نطالبه بأن يكف يده عن قتل الأبرياء من الشيوخ والنساء والاطفال. إن الإبادة والسحل والتعذيب عند هذه العصابة موهبة وأمثال هؤلاء ستظل المعركة ضدهم إما أن ننتصرعليهم أو ننتصر عليهم فنحن أرفع من أن نجلس لأمثال هؤلاء الأواغد أوأن نمد لهم أيادينا الطاهرة