أسمار الخميس من باب الرثاء والنساء

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

أسمار الخميس من باب الرثاء والنساء

 

ولأن هذه الأيام أيام النساء الشهيدات في الفاشر والطفلات الائي متن برصاص المجرم أبو الولو وعاصبة الدعم السريع التي يكفيها سوءاً أنها كانت تتلذذ بصدور الأطفال وهم يلتاعون من إفراط الرصاص وفرط الجوع ولو كان للشعب السوداني سبباً واحداً يدعوه لمقاتلة هؤلاء الأوغاد لكان السبب هو ما فعلوه ضد النساء والصبايا والطفلات تلك الجرائم التي وثقوها فلم تسيئ لهم وحدهم فهم من مخلوقات لا تخشى الشتيمة ولا المزلة ولا الهجاء ولا التقريع لأنها جماعة خُلقت من حثالة الكيد والتعذيب واستلذت بتمريغ كرامة الإنسان فلتصطف الصفوف ولتمتلئ الميادين بالنشامى من أبناء بلادنا ليزودوا عن أرضهم وعرضهم وإن هزيمة هؤلاء الأوباش نصرٌ لشعبنا وجيشنا بل هو نصر للبشرية كلها التي ما ظنت أن أمثال هؤلاء الوحوش يعيشون بيننا بل يتجرؤون لحكمنا وإدارة شؤوننا وإن كان في هذا بعض الممكن فإن باطن الأرض خير من ظاهرها وتصبح الصيحة الوحيدة الجديرة بالإعلان أليس في هذه الدنيا البائسة من موت يباع ويشترى!

1
إلى شعبنا الصامد الصابر المحتسب في الشرق والنيل الأزرق والنيل الأبيض والجزيرة والشمال وكردفان ودارفور الجريحة سموها أنى شئتم وكيف شئتم كتيبة خالد بن الوليد، طليعة تشي جيفارا، فيلق تورشين، أنصار صلاح الدين الأيوبي، عاصفة الأمير تاج الدين، نشامى السلطان علي دينار، راية عبد الرحمن النجومي، سرايا تهراقا، مجاهدي الفكي علي الميراوي، حلفاء عمارة دُنقس وعبد الله جماع، سيوف الامام المهدي، ورماح الأمير عثمان دقنة، وإخوة علي عبد الفتاح
نعم سموها أنى شئتم وكيف شئتم وليكن شعاركم اليقظة والحذر والاستعداد، وتسلحوا بمال الشعب وسواعده ولا تناموا على هذه الأرض المغدورة لا ليلاً ولا نهارا ولتكن الحقيقة الوحيدة والأخيرة العارية الناصعة هي لا غيرها (إن المليشيا لا تهزمها إلا المليشيا) ورغم تضحيات جيشنا الباسل إلا أن النظرية الكلاسيكية التي قامت عليها الجيوش العربية والاسلامية ما بعد الحرب العالمية الثانية لا تنتصر إلا في مجتمعات خيّرة ومسالمة ونحن دخلنا في زمان المجتمعات الغافلة والشريرة.

(والمعنى واضح)
2
لست أدري لماذا تذكرت هذه الحكاية عندما سمعت بلوعة ووجع وحزن عميق بترجل مدينة الفاشر العصية لا بسقوطها. فقد حكى لي في بداية التسعينات في برنامج أيام لها ايقاع الحواري الشاعر العراقي الكبير الراحل عبد الرزاق عبد الواحد عن آخر ليلة شعرية للشاعر العبقري الرامز بدر شاكر السياب قال: إن المرض قد انهك الرجل وصار محض عظام يكسوها الجلد والأنفاس، بيد أن صوته لآخر عمره كان عميقا وقوياً ونابضاً بالمشاعر والحياة. أصر أن يقرأ في تلك الليلة الشعرية رغم الوهن والضعف واقتراب الرحيل. حملناه ومعي صديق آخر إلى منبر الإلقاء في قاعة بغدادية شهيرة غصت بأحباب الشعر والأدب فعندما اقتربنا من المنصة سقط بدر فحملناه، وقلنا إلى المستشفى يا سياب
فرد قائلا بحدة عرف بها في مثل هذه المواقف: لا إلى المنبر
وقفنا خلفه وسندناه وعندما نهض قال بصوت فيه كل لعنات الشعر عبر التاريخ وومضاته ( الآن بدأت خيانة الجسد ) وبعد عبارته مباشرة ضجت القاعة بالهتاف والتصفيق الذي استمر لأكثر من ربع ساعة من الزمان فكانت العبارة أصدق وأجمل قصيدة سمعتها في حياتي.
عندما أكملت التقرير الأخباري الأخير عن سقوط الفاشر سقط بعض روحي وقلت مستجمعا نفس السياب القديم ( الآن بدأت خيانة الوطن )
وأخيرا أترك لك عزيزي القارئ المقارنة الممكنة والمستحيلة ما بين جدلية الجسد والوطن.

3
قال لي أحد الإخوة لقد لحظنا أنك قد توقفت زماناً من الإشادة بالقيادات كأنما الأرض عقِمت وكأنما المديح في هذا الزمان الحزين أصبح سُبه، لم أجد تبريراً لعتابه القارص إلا إجابة عمر بن أبي ربيعه عندما سأله سليمان بن عبد الملك قائلاً:
مايمنعك من مديحنا؟
قال: إني لا أمدح الرجال إنما أمدح النساء .
وبالأمس مدحنا ورثينا شهيدات الفاشر وإنهن بهذه الشهادة والدم الزاكي في سبيل الله والوطن لهن أفضل عند الله والناس من سليمان بن عبد الملك.

4

ومن الإجابات المسكته عند النساء التي تستوجب أن تكون المرأة لوحدها بلا بعل إختيارً ما جاء في الأثر أنه وقع لبعض الناس حادث فتجمهرت النساء حوله، وكان محمد بن علي الباقر حاضراً فأراد الوصول إلى الشخص فلم يستطع فصاح بالنساء:
إليكن عني يا صويحبات يوسف!
فردت عليه واحدة منهن :
كنا والله نعم الصواحب، عشقناه وسجنتموه!
وهنا سألها الباقر :
هل لك بعل؟
فردت : مثلي من لا تحتاج إلى بعل!
فقال الباقر : صدقت.

5

كان أستاذنا أحمد عبد القادر كرف يقول لنا في حصة الأدب العربي ممازحاً هذا زمان عجِز في الرجال عن الخَطابة والكِتابة وصاروا في الرزق بلا سيولة وفي الباءة بلا فحولة ولذلك فعليهم أن لا يستمتعوا بأبيات الشاعر الماجن الذي قال يوماٍ:

ما للنساء وللكتابة
والعمالة والخطابة
هذا لنا ولهن منا
أن يبتن على جنابة

6
أحد شعراء الأغنية في الزمان العربي حاول بمجونه أن يستدرج جملية صالحة قِيل أنها ليلة بنت عمرو لكنها ردته ناصحة بقول سارت به الركبان تقول القصة على لسان الرجل:
ما أخجلني إلا ليلى بنت عمرو لقيتها وهي تسير على بغلة وكنت اشبب ( أتغزل) بها فقلت لها جعلت فداك قفي واسمعي بعض ما قلت فيك فقالت أو فعلت ؟ فقلت نعم. فوقفت فأنشدتها:
ألا يا ليل إنة شفاء نفسي
نوالك لو علمت فناولينا
وقد أزف الرحيل وحان منا
وداع فانظري ما تأمرينا
فقالت : آمرك بتقوى الله وايثار طاعته وترك ما انت عليه.

7
وفي ذكاء النساء وهن يتهربن من الطلاق حتى وإن كان الزوج لا يستحق البقاء معه إلا بالصبر الجميل حكاية مزبد المدني مع زوجته عندما صعدت على السلم فقال لها:
أنت طالق إن صعدت وأنت طالق إن نزلت .
فرمت نفسها على الأرض .
فقال مزبد:
فداك أبي وأمي إن مات مالك احتاج الناس إليك في أحكامهم قاضيا ومفتيا.

8
في كثير من الأحيان أن الجهاد يحتاج فوق الإيمان والشجاعة لرحمة ورِقة وشفافية وعشق فإن إصطفاء السماء للشهداء يصبح واجباً إن تركوا من وراءهم الدنيا بمتاع ثراءها وجمال نساءها ومن هذا الباب ما رواه دعبل الخزاعي العاشق الشهيد علي ثغور المجاهدة ومقارعة العدو
كنت في الثغر وحدود المواجهة مع أعداء الدين فنودي بالنفير فخرجت مع الناس فإذا انا بفتى يجر رمحه بين يدي فالتفت فنظر إلى فقال لي أنت دعبل؟ والناس حينها يعرفون الشعر والشعراء فأجبته: نعم أنا دعبل فقال: إسمع مني بيتين فأنشدني:
أنا في امري رشاد
بين غزو وجهاد
بدني يغزو عدوي
والهوى يغزو فؤادي
ثم قال : كيف ترى؟ والله ما خرجت إلا هارباً من الحب .فلما التقينا كان أول قتيل.

9
ترددت في أن أبعث هذه الحكاية للأوغاد من قادة المليشا التي تقتل الناس لمتعة القتل والتشفي وهم لا يعلمون أن غداً ستزهر دماء المساليت والزغاوة والفور صبايا كالرماح وصبيان كالسيوف طليعة ستعيد أمجاد القرآن والسلطان والحكمة والكافية والعدل وسوف ترمي بهم ولو بعد حين إلى حدود الصحاري ومزابل التاريخ . هذه الحكاية في حقهم وهذه الحكاية في شأن أولئك القتلة والمغتصبين واللصوص مع ثقتي بأن قلوبهم غُلف وألسنتهم شائهه واللسان الأجنبي الذي اشتراهم يلحدون إليه أعجميُ (وهذا لسان عربي مبين )
قيل أن الحجاج أمر بقتل أسرى فقتل منهم جماعة، فقال رجل منهم وقد عرض للقتل: يا حجاج. إن كنا أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو، والله تعالى يقول: ” فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء “. فهذا قول الله تعالى في الكفار فكيف بالمسلمين، وقد قال الشاعر:
وما نقتل الأسرى ولكن نفكهم
إذا أثقل الأعناق حمل المغارم

فقال الحجاج: أف لهؤلاء الجيف والله لو قال هؤلاء مثل ما قال هذا الرجل ما قتلت منهم أحداً ولكن أطلقوا بقيتهم.

10
عندما كان شوقي في المنفى مثل كل الثُقاة الحزانى من شعراء بلادنا ما بعد النكبة أرسل برقية شهيرة لصديق عمره شاعر النيل حافظ إبراهيم وقد إمتلأ قلبه البعيد عن فراق مصر ونيلها وأهلها وماءها والذي لم يستطع أن يذكره تأدباً وقال أهل الأدب أنها من أصدق البريقات التي أرسلت شعراً وكان ردها من أبلغ الردود .

كان برقية شوقي أمير الشعراء :

يا ساكني مصر إنا لا نزال على
عهد الوفاء وإن غبنا مقيمينا
هلا بعثتم لنا من ماء نهركم
شيئا نبل به أحشاء صادينا
كل المناهل بعد النيل آسنة
ما أبعد النيل إلا عن أمانينا

وكان رد حافظ شاعر النيل :

عجبتُ للنيل يدري أن بُلبله
صادٍ ويَسقي رُبا مصرٍ ويَسقينا
واللهِ ما طابَ للأصحاب مَوْرِدُه
ولا ارتضَوْا بعدكم من عيشهم لِينا
لم تَنْأ عنه وإن فارقتَ شاطئه
وقد نأينا ، وإن كنّا مقيمينا