
عثمان مصطفى .. والله مشتاقين …
في الذكرى الخامسة لرحيله
عثمان مصطفى .. والله مشتاقين …
بقلم: أمير أحمد حمد
والله مشتاقين
الخدود الشاربة من لون الشفق عند المغارب
ديل خدودك سيدي سيد الناس ياسيد الحبايب
بتلك الكلمات الرائعات المتسربلة بالنغم الشجي والمتزينة بالصوت العميق كعمق البحر. كتب الفنان المبدع عثمان مصطفى شهادة ميلاده الفني في دفاتر الابداع الغنائي السوداني، وكان ذلك في عام 1965م وعمره لم يبلغ عقدين من الزمان. كان ولعا بحضور تلك الجلسات الفنية التي كان مسرحها منزل الشاعر اسماعيل حسن والتي كان يزينها لفيف من أهل الفن والطرب على رأسهم الفنان وردي والموسيقار عبد الله عربي وعلي ميرغني وحمزة سعيد وغيرهم من مبدعي الخرطوم جنوب، تلك البقعة التي تنافس أمدرمان فنيا. وفي احدى تلك الجلسات كان ميلاد أغنية والله مشتاقين الشرعي من كلمات اسماعيل حسن وألحان محمد وردي. طلب اسماعيل حسن من وردي أن يمنح عثمان مصطفى هذه الأغنية رغم علم اسماعيل بحب وردي لهذه الأغنية، فوافق محمد وردي على المنح بشرط اجادة عثمان لأدائها، وقد كان.. أدى عثمان الأغنية للدرجة التي جعلت وردي يشيد بأدائه،ةوهذه الأغنية كانت فتحا أول لعثمان مصطفى في جدران الأغنية السودانية وعرفته بالناس، وقد اتسع هذا الفتح تماما عندما أشترك مع الفنان محمد الأمين في الملحمة، تلك الأنشودة النضالية التي تعبر عن نضال الشعب السوداني ضد نظام الفريق عبود الذي نتجت عنه ثورة اكتوبر، فكان صوته مميزا في هذه الملحمة وقد سحب البساط من تحت أقدام المشتركين معه وهم خليل اسماعيل والمطربة أم بلينا السنوسي وبهاء الدين أبو شلة.
بدأ عثمان مصطفى أيضا في ترديد بعض أغنيات الحقيبة التي وجدت هوى في نفسه، فغناها بصورة لفتت إليه الأنظار خاصة أغاني خليل فرح الوطنية مثل عازة في هواك ونحنا ونحنا الشرف الباذخ وفلق الصباح وغيرها من الأغنيات.
عثمان مصطفى اتجه لامتلاك أغنياته الخاصة التي تعبر عن شخصيته الفنية وقد تمكن من تسجيل ما يقارب الثلاثين أغنية للاذاعة إلى جانب الأغنيات الوطنية.
والملاحظ أن الفنان عثمان مصطفى لم يهتم بتلحين أعماله رغم أنه أستاذ للموسيقى، وهذا يؤكد أن التلحين موهبة قبل أن يكون علما، فكانت أعماله كلها من ألحان الآخرين، عدا المقطع الأخير (الكسرة) من أغنية ماضي الذكريات. فلحن له عمر الشاعر آسرني يا مياس، وموسى محمد ابراهيم (ماضي الذكريات)، وعبد اللطيف خضر (فات الميعاد وزماني راح وما بعاتبك مابلومك)، وعبدالله عربي (فيها أيه لو جيتنا زائر بالدرب وتقول سلام)(وأخوان زينب كلمات أبو قطاطي)، وحسن بابكر (ماني قيس أبكيك بدمع الشقا ووين عواطفك وبعد الرحيل وعدى فات وفرح الغلابة) ويوسف السماني (أنا مايو).
ومن الملحنين الذي تعامل معهم أيضا من زملائه الفنان الكابلي والعاقب محمد حسن حيث له أغنية (عندي كلمة)، كما لحن له ايضا بشير عباس أغنية كبرياء ومحمد آدم المنصوري وبرعي والفاتح الطاهر ومحمد سراج الدين. وهذا التنوع في الملحنين أدى إلى تنوع ألحانه.
تعامل عثمان مصطفى مع عدد وافر من الشعراء، منهم جيلي محمد صالح (ماضي الذكريات)، الحلنقي (فات الميعاد)، وابراهيم الرشيد (ما بعاتبك ما بلومك)، وعمر الدوش (ماني قيس والسلام)، والسر قدور وعبد الكريم الكابلي وغيرهم من ملوك الشعر الغنائي لا يتسع المجال لذكرهم.
عثمان مصطفى كان استاذا للموسيقى في المعهد العالي للموسيقي وظل مواصلا عمله حتى أقعده المرض، وعندما تم افتتاح المعهد كان عثمان أحد الذين شاركوا بالغناء في احتفال الافتتاح الى جانب الفنانة العربية صباح والفنان السوري فهد بلان.
وهاهو الناعي ينعي لنا في يوم الجمعة السادس من نوفمبر ٢٠٢٠م الأستاذ عثمان مصطفى سليمان بعد صراع مع المرض أقعده عن مواصلة مسيرته الفنية، ولكن يكفيه ما قدمه من شجي النغم وحلو الكلمات التي سوف تظل شهادة على نبوغه الفني وصوته المميز ومساهمته الكبيرة في تشكيل الوجدان السوداني، وكتابة اسمه بحبر الابداع الفني الذي لا يمحوه ماحي. نسأل الله العلي القدير أن يسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا. إنا لله وإنا إليه راجعون.