
قمر توشح بالسحاب
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
قمر توشح بالسحاب
1
كان الراحل الشاعر والعالم دفع الله الحاج يوسف وقد عمل محامياً في مكتب السيد محمد أحمد المحجوب وعندما كنا نحضر لبيت دفع الله كان يحكي لنا الكثير عن هذا الرجل الكبير وقبل أن يوزع علينا القضايا والمرافعات كان يجلسنا على مكتبه الوثير وعلى أقداح القهوة ينشد علينا أشعاره الخاصة ومختاراته من الأدب وكنا نكتب ما يقول. وللرجل (ذاكرة مخيفة) ومما حفظته عنه حكاية الخارجي مع معن بن زائدة والمنصور وكان يعلق قائلاً بعد الإستماع: إذا كنتم ترجون القانون والعدالة فتصفحوا وأصقلوا ألسنتكم بالعربية وآدابها وحكاياتها. وقد قرأ علينا دفع الله عليه الرحمة من ذاكرته هذه الحكاية فكأنه كان يقرأها من قرطاس صقيل.
أهدر أمير المؤمنين المنصور دم رجل كان يسعى في فساد دولته من الخوارج من أهل الكوفة وجعل لمن دل عليه وجاء به مائة ألف درهم ثم ظهر في بغداد فبينما هو يمشي مختفياً في بعض نواحيها إذ بصر به رجل من أهل الكوفة فعرفه فأخذ بمجامع ثيابه وقال هذا بغية أمير المؤمنين. فبينما الرجل على تلك الحالة إذ سمع وقع حوافر الخيل فالتفت فإذا معن بن زائدة فقال يا أبا الوليد أجرني أجارك الله. فوقف وقال للرجل المتعلق به ما شأنك؟. قال بغية أمير المؤمنين الذي أهدر دمه وجعل لمن دل عليه وأتى به مائة ألف درهم. فقال دعه يا غلام أنزل عن دابتك وأحمل الرجل عليها فصاح الرجل بالناس وقال أيحال بيني وبين من طلبه أمير المؤمنين؟. فقال له معن أذهب إليه وأخبره أنه عندي فانطلق إلى باب المنصور فأخبره، فأمر المنصور بإحضار معن فلما أتى الرسول إلى معن دعا أهل بيته ومواليه وقال أعزم عليكم لا يصل إلى هذا الرجل مكروه وفيكم عين تطرف. ثم سار إلى المنصور فدخل عليه وسلم عليه فلم يرد عليه السلام وقال يا معن أتتجرأ عليَّ قال نعم يا أمير المؤمنين قال ونعم أيضاً وأشتد غضبه فقال يا أمير المؤمنين مضت أيام كثيرة قد عرفتم فيها حسن بلائي في خدمتكم فما رأيتموني أهلا أن يوهب إليَّ رجل واحد استجار بي بين الناس وتوسَّم أني عند أمير المؤمنين من بعض عبيده وكذلك أنا فمر بما شئت ها أنا بين يديك. فأطرق المنصور ساعة ثم رفع رأسه وقد سكن ما به من الغضب وقال قد أجرنا من أجرت يا معن. قال فإن رأى أمير المؤمنين أن يجمع بين الأجرين فيأمر له بصدقة فيكون قد أحياه وأغناه. قال قد أمرنا له بخمسين ألف درهم. قال يا أمير المؤمنين إن صلات الخلفاء على قدر جنايات الرعية وإن ذنب الرجل عظيم فأجزل له الصلة. قال قد أمرنا له بمائة ألف درهم. قال فعجلها يا أمير المؤمنين فإن خير البر تعجيله. فإنصرف معن بالمال للرجل وقال له خذ صلتك والحق بأهلك وإياك ومخالفة خلفاء الله في أمورهم بعد هذه.
2
كان يقرأها علينا أستاذنا محمد عبد القادر كرف ويضحك مستغرقاً لكنه يلحق ضحكته بالتعليق التالي: إعلموا أيها العفاريت أن المعلمين السودانيون مستثنون من ذلك ورغم اعتذاره اللطيف لكن هذا لم يمنعنا من حفظها والتندر بها مع أصدقاءنا الأعزاء الذين اختاروا مهنة الرسل ولا تثريب عليهم فهذه بعض مصائب الجاحظ.
حكي عن الجاحظ أنه قال: ألفت كتابا في نوادر المعلمين، وما هم عليه من التغفل، ثم رجعت عن ذلك وعزمت على تقطيع ذلك، فدخلت يوما مدينة، فوجدت فيها معلما في هيئة حسنة، فسلمت عليه فرد علي أحسن رد ورحب بي فجلست عنده، وباحثته في القرآن، فإذا هو ماهر فيه، ثم فاتحته في الفقه والنحو وعلم المعقول وأشعار العرب، فإذا هو كامل الآداب، فقلت هذا والله مما يقوي عزمي على تقطيع الكتاب. قال: فكنت أختلف إليه وأزوره، فجئت يوما لزيارته، فإذا بالكتّاب مغلق ولم أجده، فسألت عنه، فقيل: مات له عزيز، فحزن عليه وجلس في بيته للعزاء، فذهبت إلى بيته وطرقت الباب، فخرجت إلي جارية، وقالت: ما تريد؟ قلت: سيدك، فدخلت، وخرجت، وقالت: باسم الله، فدخلت إليه، وإذا به جالس، فقلت: عظم الله أجرك، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، كل نفس ذائقة الموت، فعليك بالصبر، ثم قلت له: هذا الذي توفي ولدك؟ قال لا، قلت: فوالدك، قال: لا، قلت: فأخاك؟ قال: لا، قلت: فزوجتك؟ قال: لا، فقلت: وما هو منك؟ قال: حبيبتي.
فقلت في نفسي: هذه أول المناحس، فقلت: سبحان الله النساء كثير وستجد غيرها، فقال: أتظن أني رأيتها؟ قلت: وهذه منحسة ثانية. ثم قلت: وكيف عشقت من لم تر؟
فقال: اعلم إني كنت جالسا في هذا المكان وأنا أنظر من الطاق إذ رأيت رجلا عليه برد وهو يقول:
يا أم عمرو جزاك الله مكرمة
ردي على فؤادي مثلما كانا
لا تأخذين فؤادي تلعبين به
فكيف يلعب بالإنسان إنسانا
فقلت في نفسي: لولا أن أم عمرو هذه ما في الدنيا أحسن منها، ما قيل فيها هذا الشعر فعشقتها، فلما كان منذ يومين مر ذلك الرجل بعينه وهو يقول:
لقد ذهب الحمار بأمّ عمرو
فلا رجعت ولا رجع الحمار
فعلمت أنها ماتت، فحزنت عليها، وأغلقت المكتب وجلست في الدار، فقلت: يا هذا إني كنت ألفت كتابا في نوادركم معشر المعلمين، وكنت حين صاحبتك عزمت على تقطيعه والآن قد قوي عزمي على إبقائه وأول ما أبدأ أبدأ بك إن شاء الله تعالى.
3
إشتهر الشاعر العراقي الموهوب والمناضل أحمد مطر بقصائده اللافتات التي كان تنتقد في ذكاء قارس الوضع السياسي العربي الراهن ويحرض الجماهير على الوعي والإستنارة، وأن يغيروا ما بهم وقد اشتهرت قصائده وسط الشباب فحفظوها (صم) ورغم ميله للقصيدة الكاريكاتير القصيرة الموحية إذ أن قصيدته المطولة التي كتبها في تلك الفتاة المغاربية في باريس التي رفضت أن تخلع حجابها وآثرت أن تغادر مقاعد الدراسة دون أن تتنازل عن قيمها وعقيدتها، فكيف لا وهي ابنة المجاهدين الذين خضبوا بالدم الذاكي أرض المغرب الكبير (تونس المغرب والجزائر) فكانت الحادثة الشهيرة قد حرضت الشاعر على كتابة وتسويق هذه القصيدة العبقرية (قمر توشح بالسحاب).
قمر توشحَ بالسَحابْ
غَبَش توغل حالما بفجاجِ غابْ
فجر تحمم بالندى
وأطل من خلف الهضابْ
الورد في أكمامه
ألق اللآلئ في الصدفْ
سُرُج تُرفرفُ في السَدَفْ
ضحكات أشرعة يؤرجحها العبابْ
ومرافئ بيضاء
تنبض بالنقاء العذبِ من خلل الضبابْ
من أي سِحرٍ جِئت أيتها الجميلهْ؟
من أي باِرقة نبيلهْ
هطلت رؤاك على الخميلةِ
فانتشى عطرُ الخميلهْ؟
من أي أفقٍ
ذلك البَرَدُ المتوجُ باللهيبِ
وهذه الشمسُ الظليلَهْ؟
من أي نَبْعٍ غافِل الشفتينِ
تندلعُ الورودُ؟
من الفضيلَهْ
هي ممكنات مستحيلهْ
قمر على وجه المياهِ
يلُمهُ العشب الضئيلُ
وليس تُدركه القبابْ
قمر على وجه المياه
سكونه في الإضطراب
وبعده في الإقترابْ
غَيب يمد حُضورَه وسْطَ الغيابْ
وطن يلم شتاته في الإغترابْ
روح مجنحة بأعماق الترابْ
وهي الحضارة كلها
تنسَل من رَحِم الخرابْ
وتقوم سافرة
لتختزل الدنا في كِلْمتين
(أنا الحِجابْ)
فمالها حُجُبُ النفورْ
نزلت على وجهِ السفورْ؟
واهًا …
أرائحة الزهور
تضيرُ عاصمة العطورْ؟
أتعف عن رشْفِ الندى شَفَةُ البكورْ؟
أيضيق دوح بالطيورْ؟
يا للغرابة
لا غرابهْ
أنا بسمة ضاقت بفرحتها الكآبهْ
أنا نغمة جرحت خدود الصمت
وازدريت الرتابهْ
أنا وقدة محت الجليد
وعبأت بالرعب أفئدة الذئابْ
أنا عِفة و طهارة
بينَ الكلابْ
الشمس حائرة
بغير مرسى
الليلُ جن بأفقها
والصبحُ أمسى
والوردة الفيحاء تصفعها الرياح
ويحتويها السيل دَوْسا
والحانة السكرى تصارع يقظتي
وتصب لي ألما ويأسا
سأغادرُ المبغى الكبيرَ ولست آسى
أنا لستُ غانية وكأسا
نَعلاكِ أوسعُ من فرنسا
نعلاكِ أطهرُ من فرنسا كلها
جَسَدًا ونفْسا
نعلاك أجْملُ من مبادئ ثورةٍ
ذُكِرَتْ لتُنسى
مُدي جُذورَكِ في جذورِكِ
واتركي أن تتركيها
قري بمملكةِ الوقارِ
وسَفهي الملِكَ السفيها
هي حرة ما دامَ صوتُكِ مِلءَ فيها
وجميلة ما دُمتِ فيها
هي مالَها من مالِها شيء
سِوى (سِيدا) بَنيها
هي كلها ميراثُكِ المسروقُ
أسفلت الدروبِ
حجارةُ الشرفاتِ
أوعيةُ المعاصِرْ
النفطُ
زيتُ العِطرِ
مسحوقُ الغسيلِ
صفائحُ العَرباتِ
أصباغُ الأظافرْ
خَشَبُ الأسِرةِ
زئبقُ المرآةِ
أقمشةُ الستائِرْ
غازُ المدافئِ
مَعدنُ الشَفَراتِ
أضواءُ المتاجرْ
وسِواهُ من خيرٍ يسيلُ بغيرِ آخِرْ
هي كلها أملاكُ جَدكِ
في مراكشَ
أو دمشقَ
أو الجزائِرْ
هي كلها ميراثك المغصوبُ
فاغتصبي كنوزَ الإغتصابْ
زاد الحسابُ على الحسابِ
وآنَ تسديدُ الحسابْ
فإذا ارتضتْ..أهلاً
و إنْ لم ترضَ
فلترحَلْ فرنسا عن فرنسا نفسِها
إن كانَ يُزعجُها الحجابْ
فلترحَلْ فرنسا عن فرنسا نفسِها
إن كانَ يُزعجُها الحجابْ