أجمل العقود التي في الصدور لا التي على النحور

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

أجمل العقود التي في الصدور لا التي على النحور

1
إذا عظم المطلوب قل المساعد

برقية للأخوة في المشتركة مناوي وجبريل والآخرين وهم يصادمون المستحيل ويقهرون المؤآمرة ، والكلمات في كثير من الأحيان صنو الرصاصة أو تفيض كلما عظم المطلوب صعب مسلكه وطال طريقه وكثرت عقباته. وللمتنبي عن نفسه :
وحيداً من الخلان في كل بلدةٍ
إذا عظم المطلوب قل المساعد

2
وللنصارى إمتيازات
وفي الثقافة الإسلامية والعربية سعه وتجاوز وتقاضي واحتمال ، والشاعر الأخطل رغم نصرانيته وحبه للخمر وعدم تنازله عن ديانته إلا أنه كان يجد ترحيباً وإكراماً من دولة قامت علي مبدأ الحرية المطلقة (فذكر إنما أنت مذكر) (لست عليهم بمصيطر) ومما يحكى عن هذه الأخلاق السمحة في المعاملة مع الآخر ما وجدناه في كتب الأدب والأخلاق والسير قيل أن الأخطل دخل على عبد الملك بن مروان فاستنشده فقال:
يبس حلقي فامرمن يسقيني فقال عبدالملك : إسقوه ماء فقال الأخطل: شراب الحمير فقال: إسقوه لبناً فقال: فُطمت فقال: إسقوه عسلاً فقال : شراب المريض قال : فتريد ماذا؟ قال: خمراً !

3
سراج البصيرة
من المهم جداً مهما كنت عاجزاً أن يكون لكن تبرير ومرافعة والقصة نهديها لم يعملون في الإعلام والصحافة والسفارات فإن الأسئلة حتى وإن كانت فادحة أو جارحة أو متطفلة فلها جواب يُسعد الذين يقفون معك في قضيتك وفي التراث العربي أن أحدهم يحكي قائلاً: نزلت في بعض القرى وخرجت في الليل إلى حاجة فإذا أنا بأعمى على عاتقه جرة ومعه سراج. فقلت له يا هذا أنت الليل والنهار عندك سواء فما معني السراج؟ فقال: يا فضولي ! حملته معي لاعمى البصيرة مثلك يستضيء به فلا يعثر بي فاقع أنا وتنكسر الجره.

4
الثراء في البلاغة يكفي
كان المنصورعلى علمه وأدبه مدققاً في المال العام والخاص وكان يعتقد بإن الإنسان إذا منحه الله موهبته فليكتفي بها وليسعد وليصنع منها رزقه ومن لطائفه أنه قد أصابته الغبطة من بلاغة زياد الحارثي في اللغة وزيادته في الرزق فقد جاء في كتب المفضليات العربية أن زياد الحارثي كتب إلى المنصور يسأله الزيادة في رزقه ( راتبه) وأبلغ في كتابه ( عبر عن ذلك ببلاغة) فوقع المنصور في الطلب : إن الغني والبلاغة إذا اجتمعتا في رجل أبطرتاه وأمير المؤمنين يشفق عليك من ذلك فاكتف بالبلاغة.
وكان المنصور مقتصداً في العطاء.

5
حسن التخلص في المطبات
حتى أطفال العرب كان فيهم ذكاء وملاحة في القول وإسعاد في الإجابة وكان يعالجون الأسماء الغريبة المستقبحة بإفاضة الكنية وقد سألوا غلاما ما اسمك؟ فقال: قراد قالوا: لقد ضيق أبوك عليك الإسم قال: إن ضيق الإسم لقد أوسع الكنية قيل: ما كنيتك قال: أبو الصحاري.

6
إن يحسدوني على موتي فوا عجباً
حتى على الموت لا أخلو من الحسد

ومن أغرب ما سمعته من الدعاء أن أحد الأعراب الجياع أمسك بأستار الكعبة وظل يدعو بصوت جهور حتى استوقف به الناس عن الطواف قائلاً بإلحاف وعليه نفثات ودموع اللهم إني أسألك ميتة مثل ميته أبي خارجة فسئل عن ذلك فقال:
1 أكل حملًا.
2 شرب وطباً من اللبن.
3 وتروى خمراً.
ونام في الشمس فمات فلقي الله شبعان ريان دافيء.
(وأهل السودان يقولون في مثل هذه الحال أن أبي خارجة شقاهو العرقي)
الوطب : سقاء يعمل من جلد الجذع( الخروف اليافع)

7

إسقني بالصبوح با بهجة الروح
تُرحني إن كان في الكأس باقِ
كان الفرزدق يعاقر الخمر في شبابه قبيل توبته النصوحة وحينها كان يخفي خسيسته هذه (ومهما تكن لامرء من خليقة وإن خالها تخفي عن الناس تُعلم ) لكن أحد الأعراب كان يعلم ذلك وقد استستقاه الفرزدق يوماً وأراد أن لا يحرجه فأعطاه عليها من اللبن الصريح وعندما بدأ الفرزدق الشراب بدأت الخمر تنبع من تحت اللبن فشربه فقال معلقاً وشاكراً: بأبي أنت وأمي، إنك من الذين يخفون الصدقات ويؤتوها الفقراء.

8
رب ضاحك باكي وباكٍ ضاحك

كان عبدالله الشيخ البشير يقول لنا لا يخدعنكم الضحك ولا البكاء لتحكموا فربما كان الضاحك باكيا وكان الباكي ضاحكا وقد قيل شريح القاضي قال : جاءتني امرأة تخاصم رجلاً وهي تبكي فقال الشعبي وكان حاضراً : ما أظنها إلا مظلومة فقال شريح : يا شعبي إن إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون.

9
معاوية والمدرسة الظاهرية
قيل أن سيدنا معاوية بن أبي سفيان رغم أنف غلاة الشيعة فنحن من قوم يقولون سيدنا علي كما يقولون سيدنا معاوية فإن أصحاب رسول الله كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم فالنيات عندهم واحدة وإن اختلفت الأحداث والمواقف ومعاوية على فقهه كان شغوفاً بالظاهر والشكلانية وقد رده عن ذلك صعصة بن صوحان فقد قال معاوية : إن أرضنا مقدسة. فقال صعصة: بن صوحان : إن الأرض لا يقدسها شئ ولا ينجسها وإنما تقدسها الأعمال.

10
الدنيا بين شوقي وعكير

فوجئت بزيارة صديق كنا زملاء في الجامعة ومضيت في طريق الصحافة والإعلام المرهق ومضى في طريق المال والأعمال وأصبح صاحب صيت وثراء ودعة، طلب مني طلباً غريباً بأن أصحبه لشراء مجموعة من اللوحات والتحفيات لمنزله الجديد الذي يبقي من تزيينه وتحسينه إلا هذه الجماليات فنصحته بأن لا يشتري اللوحات المزيفة القادمة من الصين فإن الرقي يتطلب منه أن يشتري لوحات أصيلة من فنانين مشهورين كهولاً وشباباً وفعلاً اشتري عشر لوحات لمجموعة من التشكليين الشباب ومجموعة من التحفيات المصنعوة بالأيدي لا بالالة وقد ذهب معنا فني ديكور للمنزل ليضع التحفيات واللوحات في أمكنتها المناسبة وإني لأشهد بأني لم أرى منزلاً بهذا البهاء أو قُل قصراً بمثل هذه البذخ حديقة غناء ومسبح وقاعة للمشاهدة وغرف أدركت دلالة بعضها ولم أدرك دلالة الكثيرات ،وقرأنا سورة المُلك وخرجنا فجاءت هذه الأحداث القاتلة التي تصحرت بعهدها الخرطوم وأقفرت البيوت المصاغة للخير والإمتاع والجمال

أَخنى عَلَيها ما أَناخَ
عَلى الخَوَرنَقِ وَالسَديرِ
وَدَها الجَزيرَةَ بَعدَ
إسماعيل َوَالمَلِكِ الكَبيرِ
ذَهَبَ الجَميعُ فَلا القُصورُ
تُرى وَلا أَهلُ القُصورِ

ومن فواجع الأيام إتصل بي إبن الصديق قبل إسبوع مضى وليخطرني برحيل صديقنا عن الفانية ومفارقته الصادمة دون وداع وهو يجري جراحة دقيقة بإحدي المستشفيات الأوروبية فحزنت لمغادرته فقد كان على ثراءه منفقاً وسعيداً برزقه الذي كان في يده ولم يكن في قلبه وأطل بي يوم الذكرى في القصر المشيد الخالد فهاجتني أبيات فصيح الدامر وهو يذم الدنيا
خير ما بدوم يا البهرجة الغشاشة
يا مطر المنية الديمة سابقة رشاشة
كم قصراً منيف أنواره تضوي بشاشة
دمرتيه أصبح فاقد المقشاشة