تداعيات طلابية .. إنتخابات الجامعة بين ود الحاجة وأبو محجن الثقفي

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

تداعيات طلابية .. إنتخابات الجامعة بين ود الحاجة وأبو محجن الثقفي

كان (ود الحاجة) زميلنا في الجامعة شاعراً وعازفاً مجيداً على آلة العود ومغنياً رخيم الصوت ومقلداً ممتازاً للجابري ورمضان حسن وعبدالدافع عثمان وكان قريباً من قلوب حسناوت الجامعة فهو فوق كل تلك المواهب كان وسيماً وأنيقاً ( وبياع كلام) وكان يلبي في حفاوة كل دعوات الطالبات في رحلات المدن المختلفة ومناسباتهن ومناسبات الطالبات الخاصة وما يعرف عند السودانيين قبل ليلة الفرح الكبيرة ( بالقيدومة) وكانت صويحبات يوسف إستملاحاً يطلقن عليه لقب (ود الحاجة) للدفء والإستملاح وكان نجماً مطلوباً أيام الإنتخابات إذ كانت القوائم السياسية بالجامعة تتبارى في التقرب منه فقد كانت له (كوته ثابته) من الحسان والغاوون الذين يتبعونه أين ما قام وأين ما رحل.
وكان الإتجاه الإسلامي قد دخل في معركة إنتخابية ساخنة ضد قائمة القوى التقدمية بالجامعة وكنت أسميهم بالجبهة العلمانية كان تحالفهم مكون من الشيوعيين والبعثيين والناصريين والجمهورين الذين كانوا لا تظهر أسماء كوادرهم في القائمة لكنهم كانوا يدعمون بحماسة هذه الجبهة المارقة ومثل ما كنت خائفا من قائمتهم وجسارتهم في إستدراج المستقلين بالشعارات الكذوبة إلا أنني كنت خائفا جداً من (كوتت) ود الحاجة التي كانت دائماً ما تصنع الترجيح ولأنه كان من جماعة الشعر في الجامعة وكان معجب بمجموعة من قصائد العامية التي كان يحفظها عن ظهر قلب فقد كانت مدخلاً لستدراجه.
إنتيحت به يوماً في إحدى مساءات الجامعة و قلت له بلغه فيها كثير من الود والترفق أنا أعلم يا ود الحاجة أن لك نزوات وتعلق بالدنيا وأفراحها وأن لك في الجامعة أصدقاء كأس وليل وشفاه لكنني لا أشك أبدا في إسلامك وبأنك من عبيد الله ومن أحباب المصطفي صلى الله عليه وسلم ، أنا لا أطلب منك أن تنتمي للإتجاه الإسلامي ولكنني أنصح بأن لا تخون عقيدتك بشئ من سلو الدنيا ومتاعها الزائل ولأن تكون من المسلمين العصاة أفضل ألف مرة من أن تكون من المسلمين الخونة الطاعنين لدينهم وعقيدتهم وإيمانهم ، وإني أستحلفك بالله يا ود الحاجة وأنت كثير الحضور للندوات والمحاضرات والليالي السياسية وأركان النقاش بالجامعة فهل سمعت يوماً أن شيوعياً أو بعثياً أو ناصرياً أو ديموقراطياً أو علمانياً دافع يوماً عن الإسلام أو عن الرسول صلي الله عليه وسلم أو عن تاريخ الإسلام إنهم يهاجمون الإسلاميون ليل نهار حتي لو افترضنا أن الإسلاميين على باطل فأين هو بديلهم من الإسلام المعافى الذي يبشرون به ظل ود الحاجة مطرقاً وأدركت أن كلماتي قد تسللت إلى قلبه الرقيق الفنان فقلت له أن حالتك يا ود الحاجة تشابه حالة أبو محجن الثقفي فبرقت أعينه في إلحاح وقال لي ما هي قصة ابو محجن وكنت أحفظها وأستدل بها في أركان النقاش قلت له قال الشاهد: إن أبو محجن هذا من الشجعان الأبطال في الجاهلية والإسلام ، من أولي البأس والنجدة ومن الفرسان البهم ، وكان شاعرا مطبوعا كريما ، إلا أنه كان منهمكا في الشراب ، لا يكاد يقلع عنه ، ولا يردعه حد ولا لوم لائم ، وكان أبو بكر الصديق يستعين به ، وجلده عمر بن الخطاب في الخمر مرارا ، ونفاه إلى جزيرة في البحر ، وبعث معه رجلا ، فهرب منه ولحق بسعد بن أبي وقاص بالقادسية ، وهو محارب للفرس ، وكان قد هم بقتل الرجل الذي بعثه معه عمر ، فأحس الرجل بذلك ، فخرج فارا فلحق بعمر فأخبره خبره ، فكتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص بحبس أبي محجن ، فحبسه . فلما كان؟ يوم قس الناطف بالقادسية ، والتحم القتال ، سأل أبو محجن امرأة سعد أن تحل قيده وتعطيه فرس سعد ، وعاهدها أنه إن سلم عاد إلى حاله من القيد والسجن ، وإن استشهد فلا تبعة عليه ، فخلت سبيله ، وأعطته الفرس ، فقاتل أيام القادسية . وأبلى فيها بلاء حسنا ، ثم عاد إلى محبسه.وكانت بالقادسية أيام مشهورة ، منها يوم قس الناطف ، ومنها يوم أرماث ، ويوم أغواث ، ويوم الكتائب ، وغيرها، وكانت قصة أبي محجن في يوم منها ، ويومئذ قال:

كفى حزنا أن ترتدي الخيل بالقنا
وأترك مشدودا علي وثاقيا
إذا قمت عناني الحديد وغلقت
مصارع دوني قد تصم المناديا
وقد كنت ذا مال كثير وإخوة
فقد تركوني واحدا لا أخا ليا
وقد شف جسمي أنني كل شارق
أعالج كبلا مصمتا قد برانيا
فلله دري يوم أترك موثقا
ويذهل عني أسرتي ورجاليا
حبسنا عن الحرب العوان وقد بدت
وأعمال غيري يوم ذاك العواليا
فلله عهد لا أخيس بعهده
لئن فرجت ألا أزور الحوانيا

وقد سمعت زوجة سعد بن أبي وقاص شكواه وشعره وأنينه وهو يحدث نفسة بالجهاد ولا يجد اليه سبيلا بسبب القيد فحلت عنه قيوده ، وحمل على فرس كان في الدار ، وأعطي سلاحا ، ثم خرج يركض حتى لحق بالقوم ، فجعل لا يزال يحمل على رجل فيقتله ويدق صلبه ، فنظر إليه سعد فجعل منه يتعجب ويقول: من ذلك الفارس؟ فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى هزمهم الله ورد السلاح ، وجعل رجليه في القيود كما كان ، فجاء سعد ، فقالت له امرأته – أو أم ولده كيف كان قتالكم؟ فجعل يخبرها ، ويقول : لقينا ولقينا ، حتى بعث الله رجلا على فرس أبلق ، لولا أني تركت أبا محجن في القيود لظننت أنها بعض شمائل أبي محجن . فقالت : والله إنه لأبو محجن ، كان من أمره كذا وكذا، فقصت عليه قصته ، فدعا به ، وحل قيوده ، وقال : والله لا نجلدك على الخمر أبدا . قال أبو محجن : وأنا والله لا أشربها أبدا ، كنت آنف أن أدعها من أجل جلدكم . قال : فلم يشربها بعد ذلك.
وأخيراً والله إني لأشهد بأني قد رأيت أدمع ( ود الحاجة) رقراقة رغم الظلمة وذهب عني دون تعليق وعندما جاء يوم الإقتراع لإنتخابات الجامعة في أواخر السبعينات راه الجميع يرتب صفوف الطلاب والطالبات من المعجبين والمعجبات في الصف المبارك للإتجاه الإسلامي والذي حاز على كل مقاعد الإتحاد ، وقد سألني يومها أحد الإخوة في الجامعة وكان مسؤولاً عن التجنيد والإستقطاب عن الحركة الاسلامية في الجامعة أستحلفك بالله بأن تصدقني ماذا قلت لود الحاجة حتى تحول هذه التحويل التاريخي في ليلة وضحاها؟
فقلت: له مبتسماً في رضا لا تسألوني بل اسألوا أبي محجن الثقفي وطاف بخاطري حديث المصطفي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب (فو اللَّهِ لأنْ يهْدِيَ اللَّه بِكَ رجُلًا واحِدًا خَيْرٌ لكَ من حُمْرِ النَّعم )
متفقٌ عليه.
وتساءلت خِيفة وخُفية عندما صرت وحيداً ترى أين نحن ( أصحاب قريحيت راحت) من الإستقطاب الحقيقي؟ وامامنا إستقطاب الصديق أبوبكر رضي الله عنه الذي استطاع أن يجند للإسلام حين دخله قناعة وإيمانياً وصدقاً في أيامه الأولى عثمان بن عفان ، والزبير بن العوام ،عبد الرحمن بن عوف ،سعد بن أبي وقاص،طلحة بن عبيد الله ثم تلاهم جمع آخر من المسلمين الأوائل وهم:
أبو عبيدة بن الجراح أبو سلمة بن عبد الأسد ،الأرقم بن أبي الأرقم ،عثمان بن مظعون، وأخواه عبدالله بن مظعون وقدامة بن مظعون ،عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ، سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وامرأته فاطمة بنت الخطاب،أسماء بنت أبي بكر،أم الفضل، وهي لبابة الكبرى بنت الحارث ،خباب بن الأرت ،عتبة بن غزوان ،عمير بن أبي وقاص،وعبد الله بن مسعود،رضي الله عنهم أجمعين خيار من خيار من خيار.
وكان أستاذنا الزاهد المتصوف يحدثنا في حصة الدين عن الخلفاء الراشدين وكان مشهوراً أنه من البكريين وفي أول حصة كتب عنواناً سيدنا عمر بن الخطاب الفاروق رضي الله عنه فقلنا له محتجين :يا مولانا أين سيدنا ابوبكر الصديق فرد علينا بلطف المتصوفة قال: لالالا قالها ثلاثاً (أبو عشة ده كلامه تاني) فلم نعلم يومها هل لن يدرسه أبداً أم سيجعله أخيراً بحجة أن ختامه مسك.
(ودارات الأيام).