سباعية السبت الأخضر

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

سباعية السبت الأخضر

1

قيل أن أحد السياسيين جاء لدكتور الترابي معاتباً بأنه قرر إستبعاده من قبوله وزيراً للصناعة في إحدي التشكيلات الوزارية بالإنقاذ. فسأله الشيخ عليه الرحمة عن علاقته بالصناعة وأحوالها وأسرارها، وقد إعترف المرشح الشاب بأن الترابي يعرف عن الصناعة داخلياً وعالمياً ما يفوق معرفته بالدستور. وكان آخر حديثه للمرشح قائلاً: ألم تسمع يا بني بعبارة سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه (قيمة كل إمرئ ما يحسنه) فأذهب لتجود ما تحسنه وعليك أن تعلم بعدها أن أبواب الرزق والإستوزار مفتوحة.

2

كنت أقول في مجالس التدريب للصحفيين والإعلاميين الجدد الذين يحلمون بالعمل أو بدأوا فيه بصحيفة ألوان أو إذاعة المساء أو قناة أم درمان الفضائية: إنكم تعملون في حقل كل أشجاره من الأخبار والروايات وحديث المدينة وهمس الناس فدوركم دور القاضي الذي تبدأ أبجدياته من الإستماع للطرفين ثم الترجيح بالقيم والعدل والوثيقة وإياكم إياكم أن تعتمدوا على الرأي الواحد من الذين يدعون بأنهم من الثقاة والعالمين ببواطن الأمور فأغلبهم كَذَبَة، ودائماً ما كنت أدلل وأُعضض مرافعتي بالمقولة الذهبية للأحنف بن قيس والحكاية باختصار أن الأحنف شهد مصعب بن الزبير يوبخ رجلاً ويقرعه ويقول: أبلغني عنك الثقة كذا ونقل لي الثقة كذا فقال الأحنف: كلا أيها الأمير إن الثقة لا يبلغ ولا ينقل.

3

كنت دائماً ما أنصح الطلاب والموظفين والمهندسين والأطباء وغيرهم من أصحاب العلم والمهن من أصدقائي أن يجعلوا بعض الأقوال الجليلة شعارات (تبروز) في مداخل فصولهم ومدرجاتهم وغرف عملياتهم ومصانعهم وأنديتهم فجاءني يوماً أحد لطلاب متحمساً للإقتراح وطلب مني شعاراً يعلقه في قاعة المحاضرات بكلية الآداب فأهديته مقولة الإمام على كرم الله وجهه وأصر أن يحفظها قبل أن يغادر فكانت:
إن من حق المعلم ألا تكثر عليه بالسؤال ولا تعنته (تَشٌق) عليه في الجواب، وأن لا تُلح عليه إذا كسل ولا تأخذ بثوبه إذا نهض ولا تفشين له سراً ولا تغتابن عنده أحداً ولا تطلب عثرته وإن زل قبلت معذرته. وعليك أن توقره وتعظمه ولا تجلس أمامه وإن كانت له حاجة سبقت القوم إلى خدمته.

4

وما دمنا قد تحدثنا في أمر المتعلمين وصغار المتدربين فعلينا أن نعي بصفات العلماء قيل : أنه لا يكون الرجل عالماً حتى تكون فيه ثلاث خصال:
1/ لا يحقر من دونه في العلم.
2/ لا يحسد من فوقه في العلم.
3/ لا يأخذ على علمه ثمن.
ليس من أخلاق المؤمن التملق إلا في طلب العلم، وقد أوردها إبن عبد البر في جامع بيان العلم.

5

كان الراحل العالم الأديب والشاعر والفقيه والمؤآنس البروف الحبر يوسف نور الدائم يحب أن يتحلى أهل العلم والفقه والخطابة بأزاهير الإستدلالال من الآيات والأحاديث والمأثور من الأقوال للتابعين والصالحين وكان دائماً ما يقول مازحاً لطلابه: إفتحوا كراساتكم لتكتبوا وأفتحوا قلوبكم لتعي إن أبقت لكم (الكورة) من قلوب وينفجر ضاحكاً ومما كان يملى الرجل عليه الرحمة: أن من العلماء من يري أنه أحق بالكلام من غيره ومنهم من يزدري المساكين ولا يراهم لذلك موضعاً ومنهم من يخزن علمه ويرى في أن تعليمه صنيعة ومنهم من يحب أن لا يوجد العلم إلا عنده ومنهم من يأخذ في علمه مأخذ السلطان حتى يغضب إن يرد عليه شئ من قوله و فتنة العالم أن يكون الكلام احب إليه من الإستماع.
ومن أصول التعليم عدم إستحسان رفع الصوت عند التعليم في المسجد وسبب ذلك هو عدم التشويش على الحلقات الاخرى في المسجد الذي يضم في المعتاد عدداً من الحلقات يديرها كلاً منها أستاذ، وإستحسان التكرار لأجل الفهم.

6

كنت دائماً ما أنصح لأخوتنا الذين يستضافون في القنوات الفضائية أن يعودوا أنفسهم على التبرير المغطى بالحكمة والشرف والصدق لا للإعتذار عن بعض الحق لإرضاء أصحاب الباطل، وكنت أنصحهم بالشعار المنسوب لأبي الحسين الشهيد رضي الله عنه (إياك ومواقف الإعتذار فرب عذر أثبت الحجة على صاحبه وإن كان بريئاً).

7

إذا كانت هنالك نصيحة واحدة يمكن أن تقدم للأخوة الذين يتنافرون في بيت واحد ويتقاطعون بالأمزجة والإهتمامات المتناقضة التي تفضي إلى البغضاء والتمزق والغلواء فهي نصيحة العالم الأديب الشهيد عبد الحميد الكاتب حين سئل أيهما أحب إليك أخوك أم صديقك؟ فقال: إنما أحب أخي إن كان صديقي، وقد أكرم الله سبحانه وتعالى علائق الأخوة في الناس بأن قبِل (وساطة) موسى كليم الله بأن جعل شقيقه نبياً قال الله تعالى: ﴿ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾
﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾