
رِدْتو جميعو قمريهو وبلَومو وناسو ..!
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
رِدْتو جميعو قمريهو وبلَومو وناسو ..!
1/ اتفق قاطع الطريق وصديقه أن يتركا فعل ولغة الشقاء الغليظة وأن يستبدلاها بفعل ولغة الجدل وعكفا على الموروث الشعبي الهش في التديُّن وابتسما بعد دراسة وتمحيص فقد وجداها وكادا أن يجريان عريانين كما فعلها نيوتين.
اغتالا كلبهما صاحب الوفاء القديم وبكياه حتي مطلع الفجر وقبراه ثم أقاما عليه قبة وضريحاً وتناديا على الشيخ أبو جريوة، وأقبلت النساء يحملن بيد سواد الحظ وباليد الأخرى بياض الشيخ وهديته.
وتكاثرت الهدايا والعطايا على الراحل الصالح أبو جريوة .. لتنتقل إلى أيدي السدنة من حارسي الضريح ورعاته.. لكن أحدهما لاحظ أن القسمة دائماً لا تكون عادلة فاختلفا بعد الاتهام فاضطر الخازن والقاسم أن يبرّئ ذمته فنسي فعلته.. أقسم قسم النساء أمام الضريح (وحاة شيخي أبو جريوة دا لم أظلمك ولم آخذ أكثر من نصيبي .)
وقد ردّ عليه صاحبه في التدبير القديم بابتسامة معلقاً على قسمه الزائف (يمكنك يا صاحبي أن تُقسم بكل شئ وأصدقك، لكن دا دافننو سوا) .
2/ فى المدارس الوسطى استوقفنا عشرات الأساتذة الأذكياء والمعلمين الأعلام.. بشّرونا بالدعوات والكتب والمنشورات. وتبرعوا لنا بشرح الأفكار والرؤى وبرامج تغيير الدنيا ورسم خريطة جديدة للبشرية.
على أيديهم حفظنا الشعر والأصول والمبادئ والثقافات رغم ضآلتها، فقد كنا نحس بأننا أثرياء بهؤلاء المستقطبين «بكسر القاف» الذين يحملون لنا هدايا العقول، كان فيهم اليساريون والقوميون. وكان على طليعتهم الإسلاميون.. وللتاريخ فقد كانوا جميعاً ومن كل المعسكرات المختلفة والمتباينة، أصحاب خلق ونضج وأريحية وحيوية وانفتاح.. وكان الطلاب آنذاك عملة نادرة.. وحين يستطيع أى معسكر أن يجنّد طالباً يبدو كأنما فتح مدينة، تحتفل به الدائرة والأسرة والشُعبة. ويقيمون له احتفالاً مهيباً يخرج منه بمكتبة وهدايا وإخوة وتاريخ.
3/ توقفت زماناً من الكتابة في أمر العراق ولكنني أتسلى برائعة مطر عنه:
حين أطالع اسمه تنطفئ الأحداق
وحين أكتب اسمه تحترق الأوراق
وحين أذكر اسمه يلدغني المذاق
وحين أكتب اسمه أحس باختناق
وحين أنشر اسمه تنكمش الآفاق
وحين أطبق اسمه تنطبق الأطباق
يا للأسي منه عليه دونه فيه به
كم هو أمر شاق
أن أحمل العراق.
4/ كان شاعر حزب الأمة والأنصار مختار محمد مختار عليه الرحمة له ولع بأشعار وكلمات الوداع في حق الكبار وقد ذكر لي من ذلك الشئ الكثير ولكن ما بقي في الذاكرة خطبة المحجوب عليه الرحمة في رحيل السيد الصديق المهدي وقد أخذها من رثاء نقيب الأشراف بالمدائن وقالها شاعر مجهول استدل بها المحجوب فأبكى الجميع والجثمان مسجى:
فقد قلت للرجل المولّى غسله
هلا أطاع وكنتُ من نصحائهِ
جنَّبه ماءك ثم أغسله بما
أذرَتْ عيون المجد عند بكائه
وأزِل أناوية الحنوط ونحَّها
عنه وحنّطه بطيبِ ثنائهِ
ومُرِ الملائكة الكرام بنقله
شرفاً ألستَ تراهمُ بإزائه
لا تُوهى أعناق الرجال بحملِهِ
يكفي الذي حملوه من نعمائِهِ
5/ قال لي أحد السياسيين الجدد من أولاد المدن: وهل في الشعر القومي من مفهوم متكامل للوطن؟
قلت: الكثير.. ولكن ما بقي في الذاكرة:
الرهد البقوقي دباسو
ردتو جميعو قمريهو وبلومو وناسو
على البعيد أكتافو من خراسو
دودو بي واندفقن جماجم راسو
أسألوني أنا عن الشطر الأول، وأسألوا الشريف عن البعيد أكتافو من خراسو ودودو بي واندفقن جماجم راسو، ولا تقبلوا منه اعتذاراً بحجة.
(كل ميسر لما خلق له) لأنه خلق لكل هذا ويزيد.
6/ أحد شبابنا تم تعيينه لصندوق الزكاة وسألنى نصيحة، قلت له: ليس لي لك أكثر من نصيحة: (اتق الله) بإجمالها، أما التفصيل فقد قال به الإمام الثوري:
لا تكن في هذا الزمان إماماً
ولا مؤذناً
ولا عريفاً
ولا تأخذ من أحد مالاً لتفرقه على الفقراء.
7/ مجموعة من الطلاب السودانيين كانوا في (انديانا ستيت يونيفرستي) ربطت بينهم علائق العلم والغربة وعجمة الفصيح وغربته في بلاد الأمريكان.. كانوا يتحسسون كل شئ على رفق ودهشة السلوك والمناهج وطرائق الحياة والصدق الظاهري المخيف.. والحرية المطلقة التي تبدأ بحرية التعري حتي حرية الانتحار والإدمان.. كل شئ متاح للنجاح والتفوق والشذوذ والتدين، على شرط أن يكون كل ذلك تحت (رقابة) المؤسسات اليهودية مع مباركة السود الذين يسمح لهم بكل حقوق السقوط والمتاح..
دخل الطلاب السودانيون ذات صباح الجامعة، فوجدوها (مقلوبة) الملصقات والأحاديث والخطابة. كانت دار الاتحاد تتحدث بصوت واحد عن الحادث الخطير، فكانت الجريمة كالآتى: (لقد ضبط نائب رئيس الاتحاد يهاتف مكتب النقابة الطلابية مع مدينته القريبة.. مستغلاً نفوذه لينال حقوقاً ليست له.. وكانت قيمة المحادثة (30 سنتاً) فقط لا غير، هى التي أقامت الجامعة ولم تقعدها، حتى أدت إلى استقالة نائب رئيس الاتحاد الذي ستكتب في دفاتره المستقبلية، تنتظره عند أول محاولة لتمثيل الآخرين عبر الجمهوريين أو الديمقراطيين. وعليك عزيزي القارئ المقايسة والسلام.