
أشياء للذكرى
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
أشياء للذكرى
الفقرة الأولى من برنامج حزب السودانيين
إن أي قرية سودانية ليس فيها مزرعة نموذجية وجمعية تعاونية ومركز تدريب مهني للشباب وحديقة بنافورة للأطفال وغابة صغيرة تمثل متحفاً لشجيرات السودان ومسجد عامر بالدعوة للسنة الفعلية قبل القولية و تصبح مدارسها مراكز مسائية للتثقيف والجمعيات الأدبية واكتشاف المواهب ، نعم إذا لم توجد فيها كل هذه المعطيات بالتتابع ودون تأجيل فابحثوا لها عن سكان جدد، ويظل الشعار القاسي الذي يلاحقنا أبداً إن هذه بلاد معطاءة لا نستحقها.
أحزاب بلا مبدئيين إضافة حقيقية للمقابر
إن لم تمتلأ ساحات الأحزاب الخالية الوفاض بالمئات من المبدئيين وأحباب الجماهير الذين يتنزلون إلى عامة الناس بالإعانة والمبادرة وتعليم وتقديم السنارة قبل السمكة وقيادة تيار الإنتاج والكفاية والعدل ومحاربة الأمية الثقافية والجهالة، إن أحزاب لا يتقدم صفوفها هؤلاء المبدئيون فهي لعمري أحزاب مكتوب عليها الموت المحتوم ولو بعد حين، والميت فضيلته الإسراع بالدفن وتسوية القبر والعودة القهقرى بحثاً عن البديل.
وصفة للمطربين لإلغاء التقليد والرتابة
إن لم يتعلم المطربون الجدد إنشاد
سَلو قَلبي غَداةَ سَلا وَثابا
لَعَلَّ عَلى الجَمالِ لَهُ عِتابا
وَيُسأَلُ في الحَوادِثِ ذو صَوابٍ
فَهَل تَرَكَ الجَمالُ لَهُ صَوابا
وَلي بَينَ الضُلوعِ دَمٌ وَلَحمٌ
هُما الواهي الَّذي ثَكِلَ الشَبابا
تَسَرَّبَ في الدُموعِ فَقُلتُ وَلّى
وَصَفَّقَ في الضُلوعِ فَقُلتُ ثابا
وَلَو خُلِقَت قُلوبٌ مِن حَديدٍ
لَما حَمَلَت كَما حَمَلَ العَذابا
وَكُلُّ بِساطِ عَيشٍ سَوفَ يُطوى
وَإِن طالَ الزَمانُ بِهِ وَطابا
وَلا يُنبيكَ عَن خُلُقِ اللَيالي
كَمَن فَقَدَ الأَحِبَّةَ وَالصَحابا
فَمَن يَغتَرُّ بِالدُنيا فَإِنّي
لَبِستُ بِها فَأَبلَيتُ الثِيابا
لَها ضَحِكُ القِيانِ إِلى غَبِيٍّ
وَلي ضَحِكُ اللَبيبِ إِذا تَغابى
جَنَيتُ بِرَوضِها وَرداً وَشَوكاً
وَذُقتُ بِكَأسِها شُهداً وَصابا
فَلَم أَرَ غَيرَ حُكمِ اللَهِ حُكماً
وَلَم أَرَ دونَ بابِ اللَهِ بابا
وإن لم يتعلموا رفع صوتهم بالنم والترديد والترجيع في مراتع الصبا والبوادي والصحاري شعراً شعبياً من شاكلة
بالك في فاضي في روبة الغصون بتنَقد
ونحن نهاتي لا بنرقُد ولا بِنرقِد
الخلاني يا الساحر تملي مِسَقِد
فرق العُنقُو باهي وجوفو مُو متعقد
أو ويضيف إحترازاً من الصمت
للوزرة المعاك الليلة ماك مرفق
وجات حالتك بلا الدغش البليبو يصفق
شن جابرك على الوادي الدبيبو يشفق
غير ظبياً وشيهو من المالحة يدفق
ويزيد في غزل البطانة ويفيض جمالاً وتجويداً
سماكي زرقتو متل الطاجن الممسوح
ويتكل سحابك زي سطور اللوح
إتحليتي بي نسماً عطوره تفوح
وفيك ريحة دُعاشاتاً ترد الروح
و إن لم يقف هؤلاء المطربون صمتاً واعتدالاً عند رائعة الكابلي وهم يترمنون بقلوبهم قبل الشِفاه
كان ﺑﺎﻷﻣﺲ ﻟﻘﺎﻧﺎ ﻋﺎﺑرﺍ
ﻛﺎﻥ ﻭﻫﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺭﻣﺰﺍ ﻋﺒﻘﺮﻳﺎ
ﻛﺎﻥ ﻟﻮﻻ ﺃﻧﻨﻰ ﺃﺑﺼﺮﺗﻪ
ﻭﺗﺒﻴﻨﺖ ﺇﺭﺗﻌﺎﺷﺎ ﻓﻰ ﻳﺪﻳّﺎ
ﺑﻌﺾ ﺃﺣﻼﻣﻰ ﺍﻟﺘﻰ ﺃﻧﺴﺠﻬﺎ
ﻓﻰ ﺧﻴﺎﻟﻰ ﻭﺃﻧﺎﺟﻴﻬﺎ ﻣﻠﻴّﺎ
ﻭﻣﻀﺔ ﻋﺸﺖ ﻋﻠﻰ ﺇﺷﺮﺍﻗﻬﺎ
ﻓﺎﻧﻘﻀﺖ ﻋﺠﻠﻰ ﻭﻣﺎ ﺃﺻﻐﺖ ﺇﻟﻲّ
ﻛﻠﻤﺔ ﺧﺒﺄﺗﻬﺎ ﻓﻰ ﺧﺎﻓﻘﻰ
ﻭﺗﺮﻓﻘﺖ ﺑﻬﺎ ﺑﺮﺍ ﺣﻔﻴﺎ
ﻣﻦ ﺩﻣﻰ ﻏﺬﻳﺘﻬﺎ ﺣﺘﻰ ﻏﺪﺕ
ﺫﺍﺕ ﺟﺮﺱ ﻳﺄﺳﺮ ﺍﻷﺫﻥ ﺷﺠﻴﺎ
ﻭﺍﻓﺘﺮﻗﻨﺎ ﻭﺑﻌﻴﻨﻰّ ﺍﻟﻤﻨﻰ
غالها ﺍﻟﺪﻣﻊ ﻓﻤﺎ ﺃﺑﺼﺮﺕ ﺷﻴﺌﺎ
ﺇﻥ ﺗﻜﻦ ﺃﻧﺖ ﺟﻤﻴﻼ ﻓﺄﻧﺎ
ﺷﺎﻋﺮ ﻳﺴﺘﻨﻄﻖ ﺍﻟﺼﺨﺮ ﺍﻟﻌﺼﻴﺎ
وإن لم يقف هؤلاء المطربون الجدد إجلالاً واحتشاماً أمام القمر المحمدي منشدين شوقك شوى الضمير
شوقك شوى الضمير أطراك مناي أطير
أنا حبو من صغيـــر بريدك يا البشيــــر
ويتداعون بعدها شطحاً مع الشيخ حاج الماحي وهو يبارك كل قرى أهله في منحي النيل وأرض الشواقية قرية قرية ويُمنيهم بزيارة المصطفي صلى الله عليه وسلم إنها جغرافية المحبة حيث تهطل البوادى واحدة واحدة في أبلغ توثيق للأرض والتراث
ياخواني لا الباقير
لا قوز البسابير
مويس والسناهير
السيال مع الجوير
كرقوس والمغاوير
الدامر والعِشير
الباوقة و البنقير
مقرات مع أب سدير
بي داير المناصير
جيراني الكجاجير
قريب الكواوير
جريف الحواجنير
سقاي أولاد بشير
عمران و السواعير
دويم ود حاج شهير
تنقاسي و القرير
الدتي و الحجير
حلة ولاد بصير
جزيرة ود سرير
عربان الهواوير
في أبقش التجاجير
لاتنس الجبابير
شوايق والبدير
لا أرقو و الحفير
إبريم كنوز والدر
مايشوفو زمهرير
في زفة الوزير
ويمضي حاج الماحي بهذا التوثيق الخطير لأزاهير وشجيرات وثمرات وأطيار تلك الديار ذات الجغرافيا الفقيرة بالمناخ والثرية بالناس والقيم
صليت أُلوف تكرير
سلاماً غير تعبير
بي عَد التفاسير
عدد الدواب و الطير
الصقور و الزرازير
الجراد و العصافير
ونبات العتامير
القوي والقرير
الحنطة و الشعير
ومما أعجب العشاق والصالحين والمتيمين بيقين الدين والعقيدة وحسن الظن بالله سبحانه وتعالى هذا التعلق الشفيف بالجنة والحوريات والتوزيع العادل للحبيبات فيها
{فِيهِنَّ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ لَمۡ يَطۡمِثۡهُنَّ إِنسٞ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جَآنّٞ (56) فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنَّهُنَّ ٱلۡيَاقُوتُ وَٱلۡمَرۡجَانُ (58) فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59) هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ (60) فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}
ويزيد حاج الماحي في شلاله الإبداعي الرصين ولي عادة أرجو أن تكون سنة حميدة فإنني في فجر الجمعة أبدأ بسورة الكهف وفي المساء أنتهي بشوقك شوى الضمير ولا تسألوني غيرها
في الجنة أم قوارير
زوجات على السرير
لابسات الأساوير
وما بعرفن التَرير
الفين جزايا للناظم الحقير
والفين لابنه أبكار من الخُدّير
والفين جدايا للمادح البشير
والفين ندايا للصافي الدخير
والفين قِبالن لمحمد البصير
والفين زهايا لي احمد الفقير
والفين قِبالن للحاج والضكير
والفين ندايا لاحمد الفقير
والفين للطاهر والفين لابو الكبير
وآلاف ألوفاً للزملاء والعشير
أما إذا أراد المطربون أن يعقموا وجدانهم بالوطنية فإن المشوار طويل يبتدر بماهو عارف قدمو المفارق
يا بلادي كم فيه حاذق
غير إلهك ما أم رازق
من شعاره دخول المآزق
يتفانى وشرفك تمام
مسرح الغزلان في الحدائق
والشوارع الغر والمضايق
قول لي كيف أمسيت دمت رايق
دام هواك مشمول بالنظام
ويح قلبي الما انفك خافق
فارق أم درمان باكي شافق
يا أم قبائل ما فيك منافق
سقى ارضك صوب الغمام
ولهم فيها عند التقاطع والمنحنى وعلائل أبوروف والمضايق والفتيح والخور والمغالق
حين خط المجد في الأرض دروبه
عزم ترهاقا وايمان العروبة
عربا نحن حملناها ونوبه
وقبل أن نفارق محطة مرسي صالح سراج هذا النوبي الفصيح يطل محمد عثمان عبدالرحيم من رفاعة بشاعريته الباذخة
أيها الناس نحن من نفر عمروا الأرض حيث ما قطنوا
حكموا العدل في الورى زمنا أترى هل يعود ذا الزمن
ردد الدهر حسن سيرتهم ما بها حطة ولا درن
نزحوا لا ليظلموا أحدا لا ولا لاضطهاد من امنوا
وكثيرون في صدورِهِمُ تتنزى الأحقاد والإحن
أيقظ الدهر بينهم فتنا ولكم أفنت الورى الفتن
ولا ينسون ولا ننسى الرائعة الوطنية صه يا كنار للمهندس الصاغ محمود أبوبكر وعند بارا والقلوب والعقول متجهه نحو الأبيض الوفية الصامدة الصابرة والحناجر مترعة بصوت وردي وهتاف ود المكي
من غيرنا يعطي لهذا الشعب معنى أن يعيش وينتصرْ
من غيرنا ليقرر التاريخ والقيم الجديدةَ والسيرْ
من غيرنا لصياغة الدنيا وتركيب الحياةِ القادمةْ
جيل العطاءِ المستجيش ضراوة ومصادمةْ
المستميتِ على المبادئ مؤمنا
المشرئب إلى السماء لينتقي صدر السماءِ لشعبنا
جيلي أنا
وإن لم يتدرب المطربون الجدد الذين يتعلقون بالموهبة والمستقبل ببعض ما قلناه فإن في سوق أمدرمان والمنطقة الصناعية ببحري والسوق الشعبي الخرطوم تعج بالمهن والوظائف والأشغال.
الشَفقة تطير
أهلنا في السودان لهم مقولة في نصيحة المتسرعين لكن دائماً تُقال بعد أن يقع الفأس على الرأس حيث يصيح الجمع (ما قُلنا ليك أو الشَفَقة تطير) وفي الوصايا العربية يسميها عامر الشعبي (بالتؤدة) وعندنا بالعامية (المهلة والتريس) فقد نصح الشعبي والياً قائلاً: عليك بالتؤدة فإنك على فعل مالم تفعل أقدر منك على رد ما فعلت.
الميثاق الأممي
أعلن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع أول ميثاق لحقوق الإنسان واضعاً فيه المعايير الأخلاقية بين البشر ومنوهاً ومعضضاً صلي الله عليه وسلم أن الأفضلية تكمن لا في اللون ولا في العِرق ولا العِزوة إنما في التقوى فخطب في الجمع الحاشد قائلاً صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على أعجمي، ولا أعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد).
ولكن الجغرافيا والتاريخ جعلتنا نتنكر لها الأصل الحميم رغم تطاول الأزمنة والقرون
الناس من جهة التمثيل أكفاءُ
أبوهمُ آدمٌ والأم حواءُ
نفسٌ كنفسٍ وأرواحٌ مشاكلةٌ
وأعظمٌ خلقت فيهم وأعضاءُ
فإن يكن لهم من أصلهم نسبٌ
يفاخرون به فالطين والماءُ
وفي هذا الباب قرات ما أضحكني فقد قام رجل إلى خليفة فقال له : سألتك بالرحم الذي بيني وبينك فقال: امن قريش انت؟ قال لا. قال : فمن سائر العرب قال : لا قال فأية رحم بيني وبينك؟
قال رحم آدم ، قال : رحم مجفوة. وأعطاه.
دعوات الفتة
ومن لطائف المتصوفة قديماً أنهم كانوا يأنفون من (الفتة والمرقة) في موائد اللئام غير الزهاد المزيفين والأدعياء في زماننا هذا فقد كان أحد المتصوفة لا يجيب الدعوة إلى طعام فلما سئل عن السبب قال:
إنتظار المرق ذل!