
الدرجة الكاملة (عشرة من عشرة)
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
الدرجة الكاملة (عشرة من عشرة)
عندما تعتكر أجواء السياسية والمعارك ويحاط السودان المبتلى بالأزمات والإحن تعتكر معه النفس والجسد والقلب والعقل والفؤاد وتهتز المشاعر بمواكب من القلق القتيل والنبيل فألجأ كثيراً إلى مذكراتي وذكرياتي ومحفوظاتي وأوراقي القديمة لأجد من أحاديث الفكر والشعر وثمرات الأوراق ما يطفئ هذا القلق ويخرج من أغوار المشاعر مسمات النواصل وترقع مراهم الحكماء والشعراء سويداء الجراحات القديمة فتقبلوا معي هذه الروشته علها تطفئ ظمأ الروح الحزين وتمنحوني العذر على غياب الخاطرة السياسية تحيل الموجز والمفاض ولي ولكم العتبي حتى ترضون وأرضى .
يا جبل ما يهزك ريح
إشتهر أهل الكوفة بالجدال والهجاء ومع أن بشار كان أحد ملوك الهجاء إلا ان أحد عابري السبيل من الكوفة قضى عليه بجملة وما استطاع إلى ردها سبيلا فقال انه مر على بشار وهو منبطح في دهليز كانه جاموس فقلت : يا أبا معاذ من القائل؟
في حُلتي جسم فتى ناحلٍ
لو هبت الريح به طارا
قال: أنا
قلت : فما حملك على هذا الكذب؟ والله إني لأرى أن لو بعث الله الرياح التي أهلك بها الأمم الخالية ما حركتك من موضعك. فقال بشار: ممن الرجل؟ قلت: من الكوفة ، فقال: يا اهل الكوفة لا تدعون ثقلكم ومقتكم على كل حال.
في فلسفة التربية
ومن أدب التربية الذي إستوقفني وليته صار أدبا عند الآباء وشفقة عند الأبناء ما قاله غيلان الثقفي لكسرى حين وفد عليه فسأله أي الأولاد أحب إليك؟ فقال:
الصغير حتى يكبر.
والمريض حتى يبرأ .
والغائب حتى يعود.
كان الكابلي ووردي إستثناء
الذين يعرفون أصول الشعر والغناء لا يفيضون فيه ولا يكثرون ولذلك كانت العرب تطلق على أمثال هؤلاء من الحاذقين في أمر الشعر والغناء عبارة كان مقلاً ومجيداً ( فإن أكثر وأجاد فهؤلاء قِلة أشهرهم من أهل هذا الضرب والفن عبدالكريم عبد العزيز الكابلي ومحمد عثمان وردي) .
إسحق الموصلي كم يكون غناؤك؟ فقال: نحواً من أربعمائة صوت(لحن) فقيل له: مالك لا تكثر كما يكثر الناس؟ فقال : لأني إنما أنقر في صخرة.
نصيحة رئيس إتحاد أطباء العالم
هنالك بعض المهن حتي وإن كانت في غير المسلمين تستحق الإلتزام الأخلاقي والمثابرة ولذا إن أردت طبيباً وعالماً فلا تقع على أبواب أهل النزق والفجور والشهوات فإن أمثال هؤلاء لا حظ لهم في أصول المعرفة والتجويد والإبتكار وقد قالها قديماً جالينوس أول رئيس إتحاد لأطباء العالم فقد سأله أحدهم بم كنت أعلم قرنائك بالطب؟
قال: لأني أنفقت في زيت المصباح لدرس الكتب مثل ما انفقوا في شرب الخمر.
جود الأوراق
للسودانيين عبارة مشهورة يداولونها منذ القدم ( غبي من أعار كتاباً والأغبي منه من أعاده ) وقد صدق أهل السودان في هذه فلا أعلم أن أحداً استعار مني كتاباً أعاده بيد أن للزهري رأي آخر فقد قال : إياك وغلول الكتب. يقصد عدم إرجاعها بعد إستعارتها. ويقصد النووي على المستعير أن لا يؤخر الكتاب لئلا يفوت الإنتفاع به على غيره.
قال إفلاطون
من الذين استوقفونا عند دراسة الفلسفة بإعجاب كثيف وتقدير واهتمام فلاسفة اليونان أو قل فلاسفة العالم سقراط (قتيل الحقيقة والسم) وأفلاطون( صاحب نظرية المثل ودولة اليوتوبيا) وأرسطو ( صاحب العقل البشري العبقري الخطير في شتى المعارف) وكان أفلاطون يظن أن ترف المال يبعد الحكماء عن ترف الفكر ولذا فكانوا لا يحسنون في الظن أدعياء الفكر الذين يتسربلون في السوق وقد اشتهرت عبارة الرجل 🙁 المال والحكمة متغايران لا يجتمعان)
ومثلما يجمع العرب في المقولة الشهيرة ( لا يجمع الله بين الشعر والمال) وإن كان البون شاسع مابين الشعر والفكر وإن ظن بعض النقاد أن الشعر بعض الفكر.
شوك الحرير ولذة الزنزانة
قال أبو حنيفة: أين الملوك من لذة ما نحن فيه؟ لو فطنوا له لقاتلونا عليه بالسيوف.
وفعلاً قالتوه قاتلهم الله فقد مات أبو حنيفة النعمان في سجنه حيث إصطبر بلذة معرفته على النوائب وظل سجانه الأمير يتقلب خوفاً وقلقاً في شوك الحرير الذي ينام عليه.
البغدادي وبغداد
عزيزي البغدادي إذا كان المال والرزق يأتي بالإنتاج والمشروعات وتشغيل الخريجين ودعم الأسر الفقيرة وتدريب الشباب فإن هذا هو العلم بذاته والفقه في جوهره مع الإحتفاظ بقولتك من باب التدبر وأولى بهذه النصيحة أهل بغداد الآن.
فقد قال عبداللطيف البغدادي : قلما يتعمق في العلم ذوو الثروة إلا أن يكون شريف الهمة جداً أو ان يثري بعد تحصيل العلم.
جارو أهلك وجورهم أمر
وفي الحديث الشريف ( ليس الخبر كالمعاينة)
وقد قال في ذلك (عميد المعاني وشهيد الذكرى) الشاعر سيد عبد العزيز :
كم نظرت في دهر العبر
نظرة أل للحياة أختبر
الجزع في الناس والصبر
شفته طوع القدر أنجبر
حبي هاك القول الأبر
العيان يغنيك عن خبر
أحلى الشعر أصدقه
ومما جعل الكثير من النشء يحسنون اللغة والإستدلال والإمتثال للخلق الوعر والإلتزام الصابر بمكارم الأخلاق أنهم حفظوا عن ظهر قلب ديوان الشافعي قدس الله سره ومن أبياته الشهيرات همة ورقة وصلاحاً
إِذا المَرءُ لا يَرعاكَ إِلّا تَكَلُّفاً
فَدَعهُ وَلا تُكثِر عَلَيهِ التَأَسُّفا
فَفي الناسِ أَبدالٌ وَفي التَركِ راحَةٌ
وَفي القَلبِ صَبرٌ لِلحَبيبِ وَلَو جَفا
فَما كُلُّ مَن تَهواهُ يَهواكَ قَلبُهُ
وَلا كُلُّ مَن صافَيتَهُ لَكَ قَد صَفا
إِذا لَم يَكُن صَفوُ الوِدادِ طَبيعَةً
فَلا خَيرَ في وِدٍّ يَجيءُ تَكَلُّفا
وَلا خَيرَ في خِلٍّ يَخونُ خَليلَهُ
وَيَلقاهُ مِن بَعدِ المَوَدَّةِ بِالجَفا
وَيُنكِرُ عَيشاً قَد تَقادَمَ عَهدُهُ
وَيُظهِرُ سِرّاً كانَ بِالأَمسِ قَد خَفا
سَلامٌ عَلى الدُنيا إِذا لَم يَكُن بِها
صَديقٌ صَدوقٌ صادِقُ الوَعدِ مُنصِفا