مستطرف ألوان في الحكم واللطائف والبيان

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

مستطرف ألوان في الحكم واللطائف والبيان

 

الشعر إبن البادية

من نصائح الشاعر محمد المهدي لناشئة الشعراء يا أبنائي إن أردتم أن تكتبوا شعراً حقيقياً فعليكم أن تغادروا زحمة المدينة والغرف المغلقة ولتنطلقوا إلى البوادي والصحاري والبرية والقري فهناك طلاقة المشاعر وطلاقة الأخيلة وطلاقة المفردات وكان يستدل بالذي جري بين زهير والنابغة قيل: أن النابغة طلب من زهير بن أبي سلمى أن يردف له بيتاً قاله ولم يقدر عليه فقال له زهير: إخرج بنا إلى البرية فإن الشعر بري.

إياكم وقيد السلف المطلق

الإستغراق في الكتب والمراجع وأقوال المتقدمين في التراث والفكر والفقه والفلسفة والأدب دون أن تترك لنفسك مساحة للنسيان الواعي والإستدراك والإنتباه، فإنك تعرض نفسك لقيد السلف دون أن تضيف شيئاً لنفسك أو للناس ومن الأقوال المرجحة في هذا الأمر مقولة العارفين بالنقد والإبداع إنه ليس هنالك كلمة أضر بالعلم والعلماء والمتعلمين من قول القائل: ما ترك الأول للآخر شيئاً.
وقد أفلت منها بل أدانها وترفع عنها صاحب المعرة أبو العلاء بأبياته الشهيرات:
وقد سارَ ذكْري في البلادِ فمَن لهمْ
بإِخفاءِ شمسٍ ضَوْؤها مُتكامل
يُهِمّ الليالي بعضُ ما أنا مُضْمِرٌ
ويُثْقِلُ رَضْوَى دونَ ما أنا حامِل
وإني وإن كنتُ الأخيرَ زمانُهُ
لآتٍ بما لم تَسْتَطِعْهُ الأوائل

غناء القعدات ينافس الأغنيات الوارفات

إشتهر المغني الأموي (حكم الوادي) بالغناء الجاد الرصين المترفع عن الهبوط والرقاعة وكان يأنف في تجربته عن الغناء الخفيف الخليع وهو ما نسميه في السودان (بأغاني القعدات) وقد منعته هذه الرصانة من أن يصبح (فنان شباك) وفي آخر عمره إضطرته الظروف والمعاش ومذلة الفقر أن يتنازل عن مذهبه هذا فركن إلى الغناء الخفيف والخليع والمتداول عند (السفلة وصعاليق الحارات) وقد لآمه عن الأمر إبنه وقرّعه تقريع المعجب لا تقريع الإبن بقوله: أبعد الكبر تغني غناء المخنثين! فقال له: أسكت فإنك جاهل، غنيت الثقيل ستين سنة فلم أنل إلا القوت، وغنيت الأهزاج منذ سنيّات فأكسبتك ما لم تر مثله قط.
ورغم أن العاقب محمد حسن والتاج مصطفى قد سمعا بمثل هذه المقولة إلا أنهما إستمسكا برصين الغناء ورفيع الكلمة رحمهما الله، وظل التاج يغني إلى آخر حياته في زهو واحترام
ما لِعَيني عَشيت بِالنَظَرِ
أَنكَرَت بَعدَكَ ضوءَ القَمَرِ
فإذا مـا شئتَ فـاسمَـعْ خبري
عَشِيَت عَينايَ مِن طولِ البُكا
وَبَكى بَعضي عَلى بَعضي مَعي
فهل ياتُرى سمع شباب المقلدين يوماً (أيها الساقي إليك المشتكى) !.

جمل شيل وحاطب ليل

من نصائح النقد في العلم والأدب قول أحد الثقاة إذا أردت أن تكون عالماً فاقصد فناً واحداً وهي نصيحة تغري بالتخصص ومن العبارات اللاذعة هي قول أحدهم هاجياً لأنصاف المتعلمين: (إن هذا حاطب ليل).
أما إن أردت الأدب فخذ طرفاً من كل فن وهذا بالطبع لا يعني المنافسة الطفيفة لفنون الأدب بل يعني التعمق فيه مع التنوع.

ملح ونحو ذلك

من أقوال البروفسير عبدالله الطيب إن الإكثار من النحو يفقد العالم الطبع والسليقة وكان شاعرنا الكبير محمد المهدي المجذوب يقول: إني لا علم شيئاً عن بحور الشعر ولا تقطيعه ولكنني أكتب بتلقائية العرب والشعراء فيخرج القول صحيحاً من غير لحن وكان أبو حنيفة يذم التزيد فيه بقوله: المكثر من النحو كالمكثر من غرس شجر لا يثمر.
ومن جميل التعبيرات حول النهي من الإكثار في النحو دون تركه قول أحدهم: النحو ملح العلم ومتى استكثر من الملح في الطعام فسد.

الشافعي فيلسوفاً

كان لنا صديق في قسم الفلسفة دائماً ما يخرج عن المألوف وقد قدم لنا يوماً في محاضرة تدار بالنقاش الحُر ما يسمي( قاعة بحث) قدم لنا ورقة عن الشافعي( فيلسوفاً) ولا أنسى عمق تلك الورقة فقد كان أقصى معرفتنا بالرجل أنه فقيه ومحدث وصاحب مذهب وشاعر وداعية ومجاهد بيد أننا لم ندرك تعمقه في الحكمة والمنطق إلا بعد تلك الورقة الشهيرة . وللأسف بعد تطاول السنوات نسيتها ونسيت صاحبها ولم تبق في ذاكرتي إلا مقولة في فضل العقل والعقلانية عند الشافعي إذ يقول : إذا ذكرت لكم ما لم تقبله عقولكم فلا تقبلوه فإن العقل مضطر إلى قبول الحق.

الملكية الفكرية إبتدرها القرطبي

ومن أقوى الأقوال المنددة بالسرقات الأدبية والإنتحال والتزوير في العلم والأدب والشعر والمعرفة وإضافة حق الغير لنفسك متجاوزاً الملكية الفكرية ما قاله قديماً الإمام القرطبي عليه الرضوان في أحكام القرآن : من بركة العلم أن يضاف القول إلى قائله.

بين القديم والجديد

وقد أسعفني في أحد أركان النقاش إبن شرف القيرواني فقد كنت يوماً أناظر أحد الإخوة السلفيين الأفاضل وكل ما استدللت برأي أحد المحدثين من الفقهاء والعلماء والمفكرين المعاصرين كان يقول لي زاجراً: إنه لا يعتد إلا بأقوال السلف الصالح في الإستدلال فقرأت عليه بيت الرجل
قُل لِمَن لا يَرى المُعاصِرَ شَيئاً
وَيَرى لِلأَوائِلِ التَقديما
إِنَّ ذاكَ القَديمَ كانَ جَديداً
وَسَيَغدوا هَذا الجَديدُ قَديما
الغريب في الأمر أنه من بعد ركن النقاش طلبها مني وكتبها في كراسته وقد سألت الله سبحانه وتعالى أن يتدبرها قبل أن يحفظها.

البلاغة مخ البيان

وكان أساتذنا في الأدب العربي يقول: إن في البيان لسحرا ومخ البيان البلاغة والإجادة فإنها إن أُحكِم استعمالها واستغلالها طَرِبت لها الأنفس وأزدهت فكانت مثل جميل الغناء والنبيذ المعتق وهي حالة من الطرب يسمها أهل التصوف( بالإستِحوال) وكان بروف الحبر يوسف نور الدائم يستدل على أهمية البلاغة قائلاً : البلاغة ميدان لا يُقطع إلا بسوابق الأذهان، ولا يسلك إلا ببصائر البيان.

لَكَ البَلاغُةُ مَيدانَ نَشأَتِ بِهِ
وَسَحَرَ لَفظُكَ لِلأَلبابِ يَختَطِفُ
فَكَيفَ نُدرِكُ شَأوا قَد خَصَّصَت بِهِ
وَكُلُّنا بِقُصورٍ عَنكَ يَعتَرِفُ
مَهَّدَ لِيَ العُذرُ في شِعرِ بَعَثَت بِهِ
فَإِنَّها رمية جاءَت بِها الصَدَفُ
وَالأَمرُ في ذاكَ لا يَحتاجُ بَيِّنَةً
مِن عِندِهِ الدُرِّ لا يَهدي لَهُ الصَدَفُ

 

وصية الشاطبي لأطفال السودان

سألني أحد الأصدقاء عن نصيحة أزجيها لطفله الأخير إبن الخامسة وهو الآن بالمنافي ما أفعل به؟ فقلت له :دعه يحفظ القرآن فمنذ الآن إلى الثامنه سوف يحفظه ويجوده ويبارك فيه ، وعندما تدخله المدرسة سوف يتفوق على زملاءه علماً وبركة وسوف يتجاوزهم بثلاثة سنوات بهذا الحفظ الميمون فإن صار طبيباً فسوف يكون أكثرهم علماً وإن صار مهندسًا فسوف يصير أشدهم مِراسا وتجريباً.
أما إذا أردت الإفاضة وحكيم الإستدلال فعليك بأبيات الشاطبي صاحب القراءات الذي أجاد العلم في الأندلس وأتمه بالأسكندرية فزادته تجربة وزادها فِقها وبركة.
يقول عليه الرحمة والرضوان في قصيدته العلمية الشهيرة الشاطبية ( حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات العشر) في فضل القرآن وتعلمه:

وَإِنَّ كِتَابَ اللهِ أَوْثَقُ شَافِعٍ
وَأَغْنَى غَنَاءٍ وَاهِباً مُتَفَضِّلَا
وَخَيْرُ جَلِيسٍ لاَ يُمَلُّ حَدِيثُهُ
وَتَرْدَادُهُ يَزْدَادُ فِيهِ تَجَمُّلاً
وَحَيْثُ الْفَتى يَرْتَاعُ فِي ظُلُمَاتِهِ
مِنَ اْلقَبرِ يَلْقَاهُ سَناً مُتَهَلِّلاً
هُنَالِكَ يَهْنِيهِ مَقِيلاً وَرَوْضَةً
وَمِنْ أَجْلِهِ فِي ذِرْوَةِ الْعِزِّ يُجْتُلَى
يُنَاشِدُ في إرْضَائِهِ لحبِيِبِهِ
وَأَجْدِرْ بِهِ سُؤْلاً إلَيْهِ مُوَصَّلَا
فَيَا أَيُّهَا الْقَارِي بِهِ مُتَمَسِّكاً
مُجِلاًّ لَهُ فِي كُلِّ حَالٍ مُبَجِّلا
هَنِيئاً مَرِيئاً وَالِدَاكَ عَلَيْهِما
مَلاَبِسُ أَنْوَارٍ مِنَ التَّاجِ وَالحُلاْ
فَما ظَنُّكُمْ بالنَّجْلِ عِنْدَ جَزَائِهِ
أُولَئِكَ أَهْلُ اللهِ والصَّفَوَةُ المَلَا