صديق البادي يكتب: وقفات مع إفادات المستشار الدبلوماسي لرئيس الدويلة

وقفات مع إفادات المستشار الدبلوماسي لرئيس الدويلة

صديق البادي

إننا جميعاً مع السلام ونهتف بالصوت العالي: لا للحرب، لا للحرب، لا للحرب. ولكن بكل أسف إن الحرب (وأقول الحرب مجازاً) فُرضت فرضاً على الجيش الباسل والشعب السوداني الصابر الصامد المحتسب. وما يدور ليس حرباً بين عسكريين، وليس احتلالاً للمكاتب الحكومية ومؤسسات الدولة والإقامة فيها والاكتفاء بذلك من قبل المتمردين، ولكن ما يدور هو عمليات إجرامية بشعة للقتل والسلب والنهب والاغتصابات وانتهاك الأعراض وتشريد ملايين المواطنين من مساكنهم ومناطقهم لمناطق أخرى داخل القطر وخارجه… وهي عمليات بشعة موجهة ضد الشعب السوداني والمواطنين الأبرياء العزل من السلاح، وتقوم بهذه العمليات عصابات مجرمة، وهي موجهة للقيام بهذه المهام القذرة ليكون السودان في حالة اضطراب وعدم استقرار.
وأدلى المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات بتصريحات فيها تحامل واضح على الجيش السوداني الذي يسنده الشعب (جيش واحد.. شعب واحد)، وساوى بين جيش نظامي يدافع عن الوطن والأرض والعِرض وبين عصابات متفلّتة عاثت في الأرض فساداً وفي الوطن خراباً ودماراً. وتحدث المستشار عن الهدنة وضرورة فرضها وتنفيذها، وفي الوقت الذي يدور فيه حديث عن الهدنة دون التمهيد لها بإزالة كل العقبات والمعوقات، فإن الفاشر فيها الآن مائة وستون ألف مواطن يتعرضون لكل صنوف التعذيب والأذى من العصابات الانتقامية المجرمة، وفي نفس الوقت فإن مدينة بابنوسة محاصرة وتُشن عليها المليشيات المجرمة هجماتها، بالإضافة لما يدور في شمال وجنوب كردفان. ولذلك فإن القوات المسلحة الباسلة لن تقف مكتوفة الأيدي، وهي المنوط بها الدفاع عن حياض الوطن والحفاظ على كل شبر فيه. وفي الوقت الذي يدور فيه حديث عن الهدنة قُبِض ودُمِّر في هذه الأيام عدد من العربات والشاحنات في المثلث قادمة عبر ليبيا من الدولة التي تؤجج نار الحرب وترعى المليشيات والعصابات المجرمة، وهي تحمل السلاح والمؤن والعتاد لدعم العصابات المتمردة والحاملة للسلاح. وهذا يعني أن المقصود والهدف من الهدنة هو إعطاء العصابات فرصة لتنظيم نفسها لشن هجماتها وغاراتها والتمدد في دارفور وكردفان تمهيداً لفصلهما. وهذه الألاعيب والبهلوانيات لا تنطلي ولا تغيب عن الشعب السوداني، وليست على رؤوس أفراد الشعب السوداني قنابير!!
وليعلم هذا المستشار الدبلوماسي أن مئات الآلاف من الجرائم قد ارتُكبت ضد المواطنين الأبرياء العزل من السلاح، وأذكر منها على سبيل المثال أربع جرائم، كل منها يشيب لها رأس الوليد. وأولها أن العصابات المجرمة هاجمت إحدى القرى بشرق الجزيرة وقامت ـ كعادتها ـ بعمليات السلب والنهب والسرقة والقفز في المنازل، وخرج أغلب المواطنين من القرية، ولحق بهم من تبقى من السكان. ودخل عدد من هؤلاء الأوغاد في منزل مربٍ ومعلم أجيال متقاعد بالمعاش ومشهود له بالفضل والنبل، وأنه على خلق ودين ويقضي جل وقته في حلقات تلاوة القرآن الكريم وإعطاء دروس في الفقه. وسلمهم الشيخ الوقور مفتاح عربة تخص أسرته وأخذوا العربة، وطلبوا منه أن يعطيهم ما يملكه من ذهب، فقال لهم إنه لا يملك ذهباً، وردوا عليه بأنه يكذب عليهم، فقال لهم: كيف أكذب عليكم يا أبنائي وأنا إمام مسجد؟ فأخذوا يتضاحكون وهم سكارى وقالوا له ساخرين: (وكمان إمام مسجد!) واعتبروا هذا جريمة، وأطلقوا عليه رصاصة أردته قتيلاً في الحال، أو بالأحرى شهيداً. وأتى ابنه مهرولاً ليقف على ما حدث لأبيه، فأطلقوا عليه أيضاً رصاصة أردته قتيلاً، أو بالأحرى شهيداً. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينزلهم منزلة الصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقاً. وماذا تسمي وتصف ذلك يا المستشار الدبلوماسي؟!.
وإن الطريقة التي دخلت بها عصابات المجرمين ولاية الجزيرة تعتبر جريمة، ومنذ دخولهم لم تسلم منهم مدينة أو قرية، وقاموا بجرائم بشعة لا توصف، وأقلها سرقة الأموال والعربات التي كانوا يأخذونها تحت التهديد بالسلاح. وفي إحدى القرى سرقوا عشرات العربات، سلّمهم أصحابها مفاتيحها ليفدوا أرواحهم وأسرهم. ورفض أحد الشباب تسليمهم مفتاح عربته، فأطلق عليه أحد المجرمين رصاصة في رجله ليستسلم ويسلم عربته، ولكنهم من شدة غضبهم عليه أطلقوا عليه عدة رصاصات في وقت واحد وأخذوا عربته الجديدة وفروا بها. وعندما أخذ الشاب إلى المستشفى بُترت رجله، وفقد عربته ورجله دون ذنب جناه. وفي الجزيرة كانوا يقتحمون مخازن الغلال في المنازل التي تكون فيها مونة العام للأسرة الكبيرة الممتدة، ويأمرون صاحب المنزل ومن معه بحمل الجوالات على ظهورهم، ومن يعترض أو يتكاسل يضربونه بالسياط. وبماذا تصف هذا يا المستشار الدبلوماسي؟!.
وحالات الاغتصاب لا تعد ولا تُحصى، منها على سبيل المثال قصة معروفة ومشهورة حدثت في أحد الأحياء الراقية بالعاصمة، حيث قبض المجرمون الأوغاد شابة حسناء وغلبت على أمرها، وحبسوها، وكان كل منهم يريد اغتصابها، وكاد أن يحدث بينهم صدام بالسلاح. وبعد شد وجذب اتفقوا أن ينال كل منهم بغيته منها (بالقرعة) التي حددت رقم كل منهم، وتعاقبوا كلهم على هذا الفعل المنكر القبيح. وما فعلوه تأنف منه الذئاب والكلاب الضالة والوحوش. واحتل أوغاد آخرون منزلاً كان صاحبه مغترباً خارج الوطن، وتقيم فيه زوجته وبناته وهن طالبات جامعيات، وفرض الأوغاد عليهن الإقامة الجبرية في منزلهن وأغلقوه عليهن، وأقاموا معهن عدة أسابيع كانوا يمارسون فيها الفاحشة غصباً عنهن، ويخرج بعضهم لإحضار الطعام والشراب لهم ولهن. وواتتهن فرصة فهربن وذهبن لبعض أقاربهن الذين عرضوهن على الأطباء، وبعد الكشف اتضح أنهن في مرحلة بدايات الحمل، وسعوا لإجراء عمليات إجهاض لهن. ومثل هذه الاغتصابات لا تحصى ولا تعد، حدثت لفتيات ونساء وزوجات بريئات طاهرات عفيفات، وأحياناً يتم ذلك أمام أطفالهن الصغار. وأشعر بالحزن والأسى والحياء وأنا أكتب هذا مضطراً، ولكن لابد من كشف الحقائق وإثارة نخوة (إن كانت لهم نخوة) من يساندون هذه المليشيات المجرمة، وإثارة نخوة من يرضون أن يكونوا عملاء لمن يريدون في الخارج أن يكون وطنهم مضطهداً ودائراً في بيداء التيه رغم أنه أغنى وأثرى منهم جميعاً بموارده الضخمة وموارده البشرية الهائلة المتمثلة في علمائه وخبرائه الذين يملؤون كل التخصصات، وسواعد بنيه القوية. وهو مؤهل ليكون مارداً اقتصادياً ورقماً إقليمياً ودولياً لا يستهان به، ولذلك فإنهم يدعمون عصابات المجرمين لتجعله في حالة اضطراب وعدم استقرار.
وقد سعوا لتقليل شأن الجيش السوداني، وكان عملاؤهم يهتفون: (معليش ما عندنا جيش). وأحد مساعدي ومستشاري الاستعماري الخبيث فولكر ـ وقد لعب بعقول آل دقلو ـ صرح قبل شهرين من اندلاع الحرب بضرورة إعادة تكوين الجيش بعقيدة جديدة، وأن يكون الدعم السريع هو الأصل والعمود الفقري، أي أن يتم تسريح الجيش الباسل لينخرط في الدعم السريع. وقوبل هذا التصريح بالاستخفاف وعدم الاكتراث. والجيش الباسل هو امتداد لقوة دفاع السودان، وفي عام (1910م) عُيّن (الأميرلاي فيما بعد) عبد الله بك خليل ضابطاً برتبة ملازم بعد تخرجه من المدرسة الحربية التي التحق بها بعد تخرجه من قسم الهندسة بكلية غوردون التذكارية، وهذا يؤكد أن الجيش كانت به مثل هذه المستويات المؤهلة قبل مائة وخمس عشرة سنة. وتباعاً أخذت الدفعات تتخرج من المدرسة الحربية بعد إكمال كلية غوردون، وحُولت المدرسة الحربية إلى كلية حربية أخذت تخرج ضباطاً مؤهلين عسكرياً وأكاديمياً، وضباط الصف والجنود الذين نالوا تدريباً وافياً كافياً مشهوداً لهم بالقوة والبسالة. ونال كل أو جل الضباط دراسات عليا وحصلوا على درجة الماجستير في العلوم العسكرية (أركان حرب)، والجيش يعج بحملة البكالريوس والماجستير والدكتوراه في مختلف التخصصات (طب – هندسة – قانون – اقتصاد – إعلام… إلخ).
والجيش السوداني متقدم على جيوش كثير من الدول في مجال التصنيع الحربي، وله ترسانة من الأسلحة، وهو من أقوى الجيوش، ولذلك حاولوا إنهاكه وإضعافه والقضاء عليه، ولكن خاب فألهم وطاش سهمهم وفشلوا في مخططهم الإجرامي، وصاروا (كناطحٍ صخرةً يوماً ليوهنها * وما ضرّها وأوهى قرنه الوعل). وأعداء الجيش كانوا وما فتئوا يسعون لاستعداء الآخرين عليه في الداخل والخارج، ويرددون أن هذا الجيش هو جيش الكيزان وجيش الإخوان، ويطالبون بإنهاء خدمتهم وإبعادهم منه. ونحن كمواطنين عاديين لا نعرف ولا نعترف بشيء اسمه جيش الكيزان أو جيش الإخوان، ونعترف بجيش واحد هو جيش السودان الباسل. ومن حق أي شخص أن تكون له قناعاته الخاصة شريطة ألا يمارس نشاطاً سياسياً يخص أي حزب من خلال أدائه لعمله العسكري. وإذا فعل ذلك وجاهر به يجب محاسبته وإيقافه وإبعاده، مع ضرورة استئصال أي خلية سياسية في الجيش الباسل الذي تضرر من ذلك كثيراً في عهود مضت.
وبكل أسف لقد تُرك الحبل على الغارب للدعم السريع، وهذه من الأخطاء الكبيرة، وتمدد تمدداً أخطبوطياً لدرجة السعي لإقامة جيش ضِرار قائم بذاته، وترك له الحبل على الغارب وصار له وجود في مفاصل الدولة حتى كاد يصبح دولة داخل الدولة، مع حشر الأنف وممارسة مهام هي من صميم عمل الشرطة السودانية. وبعد اندلاع الحرب والجرائم التي ارتكبت، فإن كثيراً من المنتمين للدعم السريع وقادته تخلوا عنه وتبرأوا من الجرائم الفظيعة التي ارتكبت، وتوجد الآن عصابات تحمل اسم الدعم السريع وتتغطى به بموافقة القوى الأجنبية الداعمة لها في الخارج، وتوجد أبواق تتحدث باسم الدعم السريع رغم عدم وجوده فعلياً كما كان في الماضي القريب، وهي تفعل ذلك لئلا ينقطع عنها المدد المادي. ولا يمكن الآن إجراء مفاوضات مع مجرمين وقتلة ولصوص ومنتهكي أعراض، ولكن الضرورة تقتضي إعلان عفو عام شامل ومفتوح لكل من يريد وضع السلاح وإعطاءه الأمان والضمان ليغادر… ومن حق الجيش السوداني والدولة السودانية أن تطلب وتستورد السلاح من أي دولة تشاء دون أن يمنعها أحد، ومن حقها أن تتعامل مع من تشاء دون أن تفرض عليها القوى الأجنبية ألا تتعامل مع هذه الدولة أو تلك. وفي هذا قمة الاستبداد والعنجهية الاستعمارية والتعدي على السيادة الوطنية. وتتحدث الرباعية عن ضرورة إقامة حكومة مستقلة في نهاية الهدنة الثانية، ويريدون فرض من يدينون لهم بالولاء والطاعة، وفي هذا أيضاً تدخل سافر في مسألة سيادية سياسية داخلية يقرر فيها الشعب السوداني وحده دون وصاية أو إملاءات.
وإذا عدنا للوراء فقد عُيّن بعد انتفاضة أبريل 1985م مجلس عسكري انتقالي برئاسة المشير عبد الرحمن سوار الذهب، وكانت مهمة المجلس تتركز في السلطة السيادية والإشراف على ملفات الأمن والدفاع، وعُيّن مجلس وزراء برئاسة الدكتور الجزولي دفع الله. وعمل المجلسان في تناغم تام واحترام متبادل، وعند انتهاء الفترة الانتقالية سلّم المشير سوار الذهب ومجلسه الأمانة وكان زاهداً في السلطة، وتفرغ للعمل الدعوي الإسلامي حتى وافته المنية ودُفن بالبقيع. وكذلك سلم د. الجزولي دفع الله ومجلسه الأمانة في نفس اليوم بعد أداء واجبهم بإخلاص، وانصرفوا لمهامهم الأخرى. ولم يتشبث د. الجزولي بالسلطة وهجرها منذ أربعين عاماً، وعاد لعمله الطبي وللتدريس والعمل العام. وكذلك الأستاذ سر الختم الخليفة رئيس وزراء اكتوبر 1964م لم يتشبث بالموقع بعد انتهاء تكليفه، ولبى نداء الوطن بإخلاص. ولكن يبدو أن من شغلوا منصب رئيس الوزراء وعدداً من الوزراء (لا كلهم) والوظائف الدستورية الأخرى لا يزالون يتشبثون بتلك الوظائف رغم استقالة بعضهم وانتهاء الوثيقة الدستورية في نوفمبر 2022م، وينتظر عدد منهم في الخارج بفارغ الصبر أن تعيدهم القوى الأجنبية لشغل الوظائف السيادية والتنفيذية في نهاية الهدنة الثانية المزعومة!! وجلهم تفرغوا لسياسة طق الحنك مع العطالة عن العمل وعدم الإنتاج.
وفي مسيرة الحياة توجد أصناف وطباع مختلفة، وبعض المستبدين المتكبرين “يخافون ولا يختشون”، ويتعاملون بحذر ولين ـ ولو مصطنع ـ مع من بهم حدة وشدة وجلافة، ولكن نفس هؤلاء المتكبرين قد يتعاملون مع المهذبين بجلافة وغلظة حتى يُريهم أولئك المهذبون الوجه الآخر الذي فيه شدة وحزم، فيلينون. وبعض القوى الأجنبية المصابة بالغطرسة “تخاف ولا تختشي”، ونحن على طرفي نقيض مع الحوثيين ولا يعجبنا منهجهم، ولكن تلك القوى تتعامل معهم بحذر لأنهم يردون الصاع عشرة. وكذلك تخشى تلك القوى الدواعش وغيرهم. ولكنها تتعامل الآن مع السودان في ظروفه الآنية ـ وأكرر الآنية ـ بكل غلظة واحتقار. والشعب السوداني معروف بالصفات الحميدة وصبره الحليم، ولكنه معروف أيضاً إذا بلغ السيل الزُّبى بشدة البأس وقوة الشكيمة، وإذا غضب كانت غضبته مضرية وزلزالاً عنيفاً مدمراً. ونأمل أن يرعوي الطرف الآخر وأن يغير سلوكه، ويحد من عدائه غير المبرر، ويكون الحوار المباشر هو السبيل للوصول للمرافئ الآمنة والعلاقات الطيبة المرتجاة. والحوار الجهير الصريح يمكن أن يكون مع رأس الحية ومع إسرائيل… ونعم للسلام لا للحرب