مرتزقة جنوب السودان .. هشاشة وهروب مستمر

تسببوا في هزيمة المليشيا بكردفان

مرتزقة جنوب السودان .. هشاشة وهروب مستمر

 

تقرير: مجدي العجب
لم تكن ليلة بابنوسة كسابقاتها. فوسط ظلامٍ تقطعه شرارات القذائف وصوت الرصاص المنهمر بلا توقف، شهد أحد محاور القتال واحدة من أكثر الوقائع إثارة منذ اندلاع المواجهات. معلومات خاصة وصلت إلى «ألوان» تكشف عن لحظات درامية عاشتها المليشيا حين انهارت مجموعة من المرتزقة القادمين من جنوب السودان تحت وهج النيران الكثيفة، لتبدأ فصول فرار جماعي أشبه بمشهد فوضوي خارج السيطرة. تصف المصادر اللحظة بأنها “نقطة الانكسار”، حيث خرج المرتزقة من خطوطهم الخلفية ركضًا، تاركين معداتهم ومواقعهم في مشهد أربك القيادات التي لم تتوقع انهيارًا بهذا الحجم. وبمجرد انتشار خبر الفرار، تحولت أجهزة الاتصال الميدانية إلى سيل من النداءات الغاضبة، قبل أن تستدعي القيادة قوة خاصة أُطلقت في أثرهم وسط حالة من الهلع والاتهامات بالتخاذل. وتشير المعطيات إلى أن ما جرى لم يكن مجرد حادث عابر، بل شرارة كشفت المستور حول هشاشة اعتماد المليشيا على مقاتلين مستجلبين يفتقرون إلى التدريب والانضباط والدافع القتالي الحقيقي. ومع تصاعد المواجهات في بابنوسة، بدت الحادثة كجرس إنذار ينبّه إلى خلل أعمق يتجاوز مجرد مجموعة فرت من ساحة المعركة، ليعكس أزمة متصاعدة تضرب قلب القوة التي تعتمد عليها المليشيا في الخطوط الأمامية.

 

التولي يوم الزحف

 

 

أفادت متابعات (ألوان) عن واقعة مثيرة داخل أحد محاور الاشتباكات في مدينة بابنوسة بولاية غرب كردفان، بعد فرار مجموعة من المرتزقة القادمين من جنوب السودان أثناء اشتداد القتال، قبل أن تتم ملاحقتهم وإجبارهم على العودة للمعركة تحت التهديد. وبحسب المعلومات، فإن المرتزقة الذين جرى استقدامهم بعقود مالية مغرية انهاروا لحظة (سخانة النيران)، وتركوا مواقعهم بشكل جماعي عقب تعرض المحاور لضغط ناري كثيف، ما تسبب في إرباك كبير داخل صفوف المليشيا. وأكدت مصادر أن قادة المليشيا استدعوا قوة خاصة لاحقت الفارين، وتم اعتقال عدد منهم وإرجاعهم بالقوة إلى الخطوط الأمامية وسط حالة غضب واتهامات بالخيانة. وقالت مصادر أخرى إن الحادثة ليست الأولى، وأن المرتزقة الجنوبيين يعانون من ضعف التدريب وغياب الدافع القتالي الحقيقي، الأمر الذي جعلهم (أول من يعرد عندما النار تحمى)، حسب وصف أحد أفراد القوة.

الافتقار العقائدي

 

ويقول الأكاديمي والمحلل السياسي د. حسن الشايب إن حادثة فرار المرتزقة الجنوبيين تحت ضغط النيران تمثل مؤشرًا بالغ الدلالة على الأزمة البنيوية التي تعيشها المليشيا في اعتمادها المتزايد على المقاتلين الأجانب لتعويض النقص الحاد في عناصرها. ويؤكد الشايب في حديث لألوان أن انهيار هؤلاء المقاتلين في لحظات المواجهة يكشف غياب الانضباط القتالي وافتقارهم للدافع العقائدي، وهو ما يجعلهم الحلقة الأضعف في أي معركة تتطلب صمودًا نفسيًا أو تنظيمًا ميدانيًا. ويذهب دكتور الشايب في حديثه لنا قائلًا: إن اعتماد المليشيا على المرتزقة يعكس تآكل قدراتها الذاتية وانحسار قاعدة التجنيد المحلية، الأمر الذي يضعها في موقف هشّ عند تصاعد القتال. كما يشير إلى أن استقدام مقاتلين بعقود مالية دون تأهيل كافٍ يجعل ولاءهم هشًا ومرتبطًا بالعائد المادي أكثر من ارتباطه بأهداف الجهة التي تقاتل.

 

هشاشة المليشيا

 

ويرى العقيد (م) محمد فرح، الاستراتيجي المتخصص في قضايا الأمن الإقليمي، إن الحادثة تحمل بعدًا سياسيًا، إذ تُظهر محدودية نفوذ المليشيا في ضبط المقاتلين الأجانب، وتسلط الضوء على مخاطر استجلاب عناصر من خارج الحدود، خصوصًا في ساحة معقدة ومتقلبة مثل غرب السودان. ويضيف في حديثه لألوان أن تكرار مثل هذه الوقائع يمكن أن ينسف صورة القوة والانضباط التي تحاول المليشيا تسويقها، ويكشف هشاشة هذه المليشيا العقائدية في الميدان. وختم حديثه لنا قائلًا: استجلاب المرتزقة بالمال يوضح نهاية المليشيا في كردفان كما يوضح استنادها لقوة مستجلبة فاقدة للعقيدة، وأن الانهيار الكامل لها قد أصبح قريبًا.