
إقتراح غير ملزم لخطبة الجمعة القادمة
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
إقتراح غير ملزم لخطبة الجمعة القادمة
إن معركة السودانيين مع الأعداء والبلاء والعناء والشقاء والدماء تحتاج أن تتوافر لها ونوفر لها كثير من المعطيات، من أهمها الإعداد إمتثالاً لقول الله تعالى:
(وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) (60)
والإعداد هنا بما معناه المستفيض والفياض يعني الكِفاح والسلاح والعلم والتنمية والتربية والإيمان المطلق بالمستقبل، ومن الوسائل الفاعلة لهذا الإستعداد سلاحٌ لا نأخذ به مع أهميته في درء الأخطار واستدرار عون السماء بالنصرة والتأييد سلاح الدعاء المرجو من الجميع والمستهدف من الأتقياء الأخفياء وهم كُثر بلا رِقاب ولا قباب يمشون بين الناس هوناً وتحسبهم أغنياء من التعفف، ورب أشعث أغبر في فلوات السودان لا يأبه له الناس لو رفع يديه إلى السماء لستجابت قبل أن يسدل يديه وقد قال تعالى في شأن الدعاء في أيات متفرقات منها قوله جل شأنه : { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ }
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}
قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ۖ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} {أما الرسول الكريم فله حزمة من الأحاديث الوضيئة في هذا الباب منها قوله صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة) ثم قرأ: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } (رواه البخاري)، وقوله صلى الله عليه وسلم ( لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر) (رواه الترمذي)
وقد حثنا الرسول صلى الله عليه وسلم على الدعاء، فقال :ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها قالوا: إذًا نكثر الدعاء، قال: الله أكثر.
(حديث صحيح رواه أحمد)
ومثلما دعت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة فإن شعر الحكمة العربي صدحت الكثير من قصائده بفضائل الدعاء
يقول الإمام الشافعي رض الله عنه:
أتَهزَأُ بِالدُعاءِ وَتَزدَريهِ
وَما تَدري بِما صَنَعَ الدُّعاءُ
سِهامُ اللَيلِ لا تُخطِي وَلَكِن
لَها أَمَدٌ وَلِلأَمَدِ اِنقِضاءُ
ويقول صالح عبدالقدوس:
وإذا أصابكَ نكبةٌ فاصبـرْ لهـا
مـن ذا رأيـتَ مسلَّماً لا يُنْكبُ
وإذا رُميتَ من الزمانِ بريبـةٍ
أو نالكَ الأمـرُ الأشقُّ الأصعبُ
فاضرعْ لربّك إنه أدنى لمنْ
يدعوهُ من حبلِ الوريدِ وأقربُ
ويقول الشاعر أحمد جابر:
وإذا أتاك الهم يحشد جيشه
وشعرت أنك بين أهلك مغترب
والحزن أقبل في ثنايا غيمة
فإذا بها بدموعِ عينيك تنسكب
فانسفْ جبال الهم منك بدعوة
إن الذي قصد المهيمن لم يخب
واقذفْ بسهمِ الصبر كلَّ مصيبة
والجأْ لرب العرش واسجدْ واقترب
ومن القصص المغازي قصة البراء بن مالك في ما رواها الحاكم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كم من ضعيف متضعف ذي طمرين لو أقسم على الله لأبر قسمه منهم البراء بن مالك”. فإن البراء لقي زحفًا من المشركين وقد أوجع المشركون في المسلمين فقالوا: يا براء إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إنك لو أقسمت على الله لأبرك فأسقم على ربك. فقال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم. ثم التقوا على قنطرة السوس فأوجعوا في المسلمين فقالوا له: يا براء أقسم على ربك. فقال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وألحقتني بنبيك صلى الله عليه وآله وسلم فمنحوا أكتافهم وقتل البراء شهيداً..” . (رواه البخاري ومسلم ).
أما من أعجب ما قرأته في هذا الباب حكاية سيدي وقرة عيني الإمام مالك بن دينار خادم المسجد والمحراب فله قصة تستحق الحِفظ والهدية مع جهاز العروس حول أحد هؤلاء الأتقياء الأخفياء والأطهار الأخيار يقول مالك بن رضي الله عنه دخلت البصرة يوماً فوجدت الناس قد اجتمعوا في المسجد الكبير يدعون الله من صلاة الظهر إلى صلاة العشاء، لم يغادروا المسجد، فقلت لهم: “ما بالكم؟”
فقالوا: “أمسكت السماء ماءها، وجفت الأنهار، ونحن ندعو الله أن يسقينا” فدخلت معهم. يصلون الظهر ويدعون، والعصر ويدعون، والمغرب ويدعون، والعشاء ويدعون ولا تمطر السماء قطرة،خرجوا ولم يستجب لهم يقول: ثم ذهب كل منهم إلى داره، وقعدت في المسجد ولا دار لي، فدخل رجل (أسود) (أفطس) أي صغير الأنف خميص البطن (عليه خرقتان) ستر عورته بواحدة، وجعل الأخرى على عاتقه من شدة فقره. فصلى ركعتين ولم يطل، ثم التفت يميناً ويساراً ليرى أحداً فلم يرني.. فرفع يديه إلى القبلة وقال: (إلهي وسيدي ومولاي، حبست القطر عن بلادك لتؤدب عبادك، فأسالك يا حليماً ذا أناه، يا من لا يعرف خلقه منه إلا الجود، أن تسقيهم الساعة الساعة الساعة)
يقول مالك: فما أن وضع يديه إلا وقد أظلمت السماء، وجاءت السحب من كل مكان فامطرت كأفواه القِرب
يقول مالك: فعجبت من الرجل، فخرج من المسجد فتبعته، فظل يسير بين الأزقة والدروب حتى دخل داراً، فما وجدت شيئاً أعلّم به الدار إلا من طين الأرض، فأخذت منها وجعلت على الباب علامة.
فلما طلعت الشمس، تتبعت الطرق حتى وصلت إلى العلامة، فإذا هو بيت نخّاس يبيع العبيد.. فقلت: يا هذا، إني أريد أن أشتري من عندك عبداً فأرانني الطويل والقصير والوجيه. فقلت: “لا، لا، أما عندك غير هؤلاء؟
فقال النخاس: “ما عندي غير هؤلاء للبيع”
يقول مالك: وأنا خارج من البيت وقد أيست، رأيت كوخاً من خشب جوار الباب، فقلت: “هل في هذا الكوخ من أحد؟” فقال النخاس: “من فيه لا يصلح.. أنت تريد أن تشتري عبداً، ومن في هذا الكوخ لا يصلح”.
فقلت: “أراه..!!” فأخرجه لي، فلما رأيته عرفته. فإذا هو الرجل الذي كان يصلي بالمسجد البارحة.. قلت للنخاس: “أشتريه..” فأجابني: “لعلك تقول غشني الرجل.. هذا لا ينفع في شيء.. هذا لا يصلح في شيء”
فقلت: أشتريه. فزهد في ثمنه وأعطاني إياه.. فلما استقر بي المقام في بيتي، رفع العبد رأسه إليّ، وقال: “يا سيدي، لم اشتريتني؟ إن كنت تريد القوة فهناك من هو أقوى مني، وإن كنت تريد الوجاهة فهناك من هو أبهى مني، وإن كنت تريد الصنعة فهناك من هو أحرف مني! فلم اشتريتني؟”
قلت: “يا هذا، بالأمس كان الناس في المسجد، وظلت البصرة كلها تدعو الله من الظهر إلى بعد العشاء ولم يستجب لهم.. وما إن دخلت أنت ورفعت يديك إلى السماء ودعوت الله واشترطت على الله حتى استجاب الله لك وحقق لك ما تريد!” فقال العبد: “لعله غيري؟ وما يدريك أنت، لعله رجل آخر؟”
فقلت: بل هو أنت..” فقال العبد: أعرفتني؟
فقلت: نعم.
فقال: أتيقنتني؟ فقلت: نعم”.
فيقول مالك:(فوالله ما التفت إليّ بعدها، إنما خرّ لله ساجداً، فأطال السجود، فانحنيت عليه فسمعته يقول: (يا صاحب السر، إن السر قد ظهر — فلا أطيق حياة بعدما اشتهر)”
ففاضت الروح إلى بارئها في الحال!
فيا أهل السودان أبحثوا عن هذا العبد الأسير فقد خرج ولم يعد..!!