عذراً يا مريا .. فقد تكسر الأزميل بموت الروح العبقرية

في الذكرى الخامسة لرحيل الفنان حمد الريح

 

عذراً يا مريا .. فقد تكسر الأزميل بموت الروح العبقرية

بقلم: يوسف محمد الحسن

قبل أن نفتّح دفاتر الذاكرة، وقبل أن نعيد سرد حكايةٍ ما تزال رائحتها عالقة في أطراف القلب، لا بد أن نقول إن الحديث عن العملاق حمد الريح ليس كتابة عن فنان رحل، بل استدعاء لنبضٍ حيّ، لظلٍّ يتمدد في أرواحنا كلما مرّ نسيم من جهة توتي أو خفق وترٌ قديم.
العملاق الكبير الذي غادر دنيانا قبل خمس سنوات لم يكن مجرد صوت نشدو به، بل حالة سودانية صافية… خليط من النيل والحقول والبيوت، ومن تلك القماري التي ما إن تسمع صوته حتى (تقمز) فوق الأغصان وتردد معه.
نكتب عنه لأن الفقد ما زال غضًّا، ولأن السؤال ما زال معلقًا كيف غاب من كان حضوره يملأ الساحات لحنًا؟
في ذكراه الخامسة نستعيد ذلك الصباح الحزين الذي بدأت فيه الشمس متعبة، وكأن السماء نفسها لا تريد أن تفتح نافذتها، صباحٌ لا يشبه ما عهدناه، فقد إعتدنا بدء يومنا بـ(الصباح الجديد) لابي القاسم الشابي، الأغنية التي وضح لها حمد لحناً بديعًا حوّلها إلى بُشرى بأن سحر الحياة خالد لايزول فعلامة الشكاه من ظلام يحول
لندرك ان كل ظلام مآله إلى زوال، لكن ذاك الصباح جاء بلا ضوء… وكأن اللحن توقّف عند آخر حرف، وترك وراءه صمتًا لا يُحتمل.
لم نتخيّل أن يأتي يوم يحمل خبر رحيل البلبل الغريد، فنان الصباح الجديد… حمد الفنجري الإنسان قبل أن يكون مغنّيًا
سمعنا النبأ وتمنّينا من شدّة الوجع لو كان (شالو الكلام وزادوه حبة)، لعلّها إشاعة عابرة لا الحقيقة التي كسرت شيئًا في القلب.
وللمرة الأولى وجدت نفسي أكتب محاصرًا بالعجز والدهشة، ترفض الحروف أن تنصاع، كأنني أكتب للمرة الأولى
ظل حمد الريح منذ بداياته يقدم (السهل الممتنع) بصوتٍ عذبٍ مشبع بخضرة توتي ونسائمها، كان كما عهدناه جميعًا (الخير الضوي في دروب عمرنا)، حتى (شلّناه شمعة) قبل أن يخبو نورها، وينعى الناعي في يوم شقي
حمد راح… يا حليلُو.
برحيله صارت قلوب عشّاق الطرب (بين اليقظة والأحلام) ويا ريت النوم يزورنا لحظة ليرفع شيئًا من هذا الألم المرّ۔۔۔ فمن يغني للتراث الإغريقي كما غني
ليت لي أزميل فدياسا وروحًا عبقرية…
عذرًا يا مريا، ستعودين دمية جامدة،
فقد تكسر الأزميل بموت الروح العبقرية!
من سيغني للحسناء كما غنى ود الريح (إنتِ كلك زينة)؟
ومن سيودّع الفاتنة ذات (الضفائر الطايشة) كما ودّعها حمد وهو يختنق بالشوق
قلبي يا مكتول كمد… اعصر دموع هات غنوة لي سيد البلد۔۔۔ كيفن نسيبو في رحلة مجهولة الأمد؟
أهديك عيوني… عشان أستريح… الدنيا بعدك ما بتسر.
بعدك يا حمد، من يعيد (الأميرة) ملكة متوجة إلى عرشها (تايهة الخصل)؟
من سيغزل لها أغنية من خيوط مناديلها؟
ومن سيعيد نوم العيون التي أخذتها الفرقة وغرقت الاهآت في عمق القلب؟
كنت متواصلاً مع الراحل، لكن ظروف الحياة أبعدتني قليلًا، رغم تواصلي المستمر بابنه الحارث، وما أصعب الفراق بلا وداع.
جمعتني بحمد علاقة طيبة، وكان يمدّني في بداياتي الإعلامية بنصائح أنيقة تشبه أناقة أغنياته، ففتحت لي طريق أهل الهوى ومن رضعوا على صدر القمر

رحلت يا حمد وتركتنا في (عز الهجير)
يا مساخة الحلة… والقمري عشش وما قوقن جنايتو… ويا ناس آمنة، (سيد الوجعة) الليلة يا دآب عرفنا حكاياتو.

وكم من صغير وكبير شبع من صوتك المعتّق واختيارك المتقن للكلمة، عبرك تذوقنا اشعار الكبار صلاح أحمد إبراهيم، وعبد الرحمن مكاوي، والحلنقي، وطالتنا عبقرية ناجي القدسي اللحنية فقد كنت توصل الألحان كما ينبغي، وكما لا يفعل أحد.

الظروف الجميلة التي جمعت أهل الهوى بك كنت أتمنى أن تبقى (حلوة دايمًا)، لكنك رحلت قبل أن نعرف مصير (الصبية) التي فارقت الحلة وتركتنا نعيش في الأسية.
وأجزم أن الساقية لن تدور كما كانت… وأن أحمد لن يعود يحكي… وأن ناس(ليلى) عندما يجن الليل سيجدونه ليلًا بلا (عسل النحل)
القمري سيبكي ويحن… ويا حليل الراحو… ويا حليل سيد الطرب يا حليلو

غبت يا ود الريح، والبيوت والناس بتسأل ولا تجد من يجيب… فقد غابت حتى الرسائل للحبايب وللأهل، وتركت الدموع تسيل زي دموع السارية في الوادي البعيد بسوي شو

حتى حمام الوادي فارق خضرة النيلين، وغابت النسمة الفرايحية.

ياخي إنت ملك… يا مهذب… يا طروب.
شهدت لك القماري والعصافير وحتى طير الرهو… ما كان مصدق أنه بلقاك يا حمد.
غبت وتركت لنا (عرق السهر) وأيامًا كنا نظن أنها لن تأتي، لكنها جاءت والما دايرينو يحصل داس مشاعرنا وحصل

يا سلام يا الفنجري… يا صاحب الطلّة البهية والقامة الرفيعة.
يا سلام عليك وعلى سماحة غناك البيسري مع الأنامل في خدر.

لو إنسان أصبح قصة… فأنت القصة الجميلة في حياة كل السودانيين. حتى غابت (نسمة العز) وما عادت المراكب شرقن.

رحم الله الفنان حمد الريح، فقد فقدت البلاد إنسانًا وفنانًا لا يُعوّض.

وكنت شاهدًا عليه يغني في زواج شباب مجهولي الأبوين بفرقته كاملة… بلا مقابل، إلا أن الابتسامة كانت حاضرة في عيون الأبرياء، فكان لهم مانح البهجة والسرور.

ود الريح… رحلت، لكن إرثك باقٍ، خالد، وشاهد على إبداعك المتفرّد… تلك (الوصية) التي تركتها لنا لن ننساها، وما قبيل وصوني يا حليل فنان الوصية والطلة البهية.