
أين تسهر هذا الصباح
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
أين تسهر هذا الصباح
1
قد يكون الإلتزام بالدين والقيم ومحاسن الأخلاق فِطرة وطبعاً أو تكون صدمة ودرساً قاسياً في الحياة وموعظة وتدبراً، وقد تكون تأملاً ورقة وشاعرية ومن أصدق ما قراته في هذا الباب ان رجلاً من اهل الأدب له أصحاب يشرب معهم وينادمهم وكما قول أهل السودان (أولاد قعدة) فدعوه مرة فلم يجبهم فقالوا: ما منعك؟ قال: دخلت الأربعين وأنا أستحي من سني.
2
لنا صديق من أحباب الموسيقار الراحل والباحث عبدالكريم الكابلي وكان حضوراً باهياً في كل ليالي الكابلي وله مع الرجل صداقه وكان له تعليق لطيف حين يغني الكابلي رائعة صديق مدثر ضنين خاصة عندما يصل إلى بيت القصيد
ومضة عشت على إشراقها
فانقضت عجلى، وما أصغت إليّ
كلمة خبأتها فى خافقي
وترفقت بها برا حفيا
من دمى غذيتها حتى غدت
ذات جرسٍ يأسر الأذن شجيا
وافترقنا وبعينىّ المنى
غالها الدمع فما أبصرت شيّا
إن تكن أنت جميلا، فأنا
شاعر يستنطق الصخر العصيا
أو تكن انت بعيدا عن يدي
فخيالى يدرك النائ القصيا
وعند هذا المقام يتدخل صديقنا ويصعد إلى المسرح ويمس في أذن الكابلي بوشوشة لطيفة (إنت بطريقتك دي يا عبدالكريم بتكتل ليك مواطن) ويقول أهل الأدب: ومن السماع ما قتل، ومن هذا الباب أن أبوبكر محمد بن الحسين السَهلوي سنة أربعمائة وتسعين وسبب موته أنه حضر سماعاً (غناء) فأنشد القوال:
ديار الأحباب عندك خُبْر
فتردي على المحب جوابا
فتواجد وحمل إلى منزله على حاله فمات من الغد..
3
ومن الإستشارات البليغة لأهل الصحافة التي لا يقدمون بعدها (فاتورة) وإن كانت تستحق ذلك إستشارتنا للسيد البروف كامل السيد إدريس رئيس الوزراء فالرجل غير دراسته للقانون دارس فلسفة وعلم نفس وله دراية بسايكلوجية إتخاذ القرار وفي هذا المنحى يقول الإمام البوصيري:
مَنْ لِي بِرَدِّ جِمَاحٍ مِنْ غَوَايَتِهَا
كَمَا يُرَدُّ جِمَاحُ الْخَيْلِ بِاللُّجُمِ
فَلَا تَرُمْ بِالْمَعَاصِي كَسْرَ شَهْوَتِهَا
إِنَّ الطَّعَامَ يُقَوِّي شَهْوَةَ النَّهِمِ
وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى
حُبِّ الرَّضَاعِ وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ
فَاصْرِفْ هَوَاهَا وَحَاذِرْ أَنْ تُوَلِّيَهُ
إِنَّ الْهَوَى مَا تَوَلَّى يُصْمِ أَوْ يَصِمِ
وللسهروردي مقولة تكتب بماء الذهب إذ يقول : إذا أشكل عليك أمران لا تدري أيهما أشد فخالف أقربهما إلى هواك فإن أكثر ما يكون الخطأ في متابعة الهوى.
4
من آفة النخب والحكام والحكومات ظنهم السيئ بأنهم مبعوثون العناية الإلاهية وأصحاب الحكمة وفصل الخطاب و اغلبهم كما ترون دون ذلك بكثير واني لاعجب انهم يتعالون على فِطرة وذكاء الجماهير ( التي لا تجتمع علي ضلالة) فذهه الجماهير بحسها البرئ وطهرها في مكابدة الحياة واستقصاء الحكم والأمثلة أكثر دِربة معرفة منهم جمعيعا بحقوق الله وحقوق خلقه بل أنهم اكثر وطنية ومعرفة بالسايسة وأشراف الامور ومن اعجب ما قرأته في ذلك قصة ابو الخير الذي أبى ان يبيع سوريا بحمار مع ان حمير السياسة باعوا الجولان بدراهم معدودات قيل أنه ﻓﻲ ﻋﺎﻡ 1898 ﺯﺍﺭ ﺍﻻﻣﺒﺮﺍﻃﻮﺭ ﺍﻷﻟﻤﺎﻧﻲ ﻏﻠﻴﻮﻡ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﺩﻣﺸﻖ ﻓﺨﺮﺟﺖ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﻋﻦ ﺑﻜﺮﺓ أﺑﻴﻬﺎ ﻭﺍﺳﺘﻘﺒﻠﺘﻪ ﺍﺳﺘﻘﺒﺎﻻ حافلاً.ﺧﻼﻝ ﺍﻻﺳﺘقبال ﻭﻋﻨﺪ ﻣﺪﺧﻞ ﺍﻟﻘﻠﻌﺔ ﻻﺣﻈﺖ ﺍﻻﻣﺒﺮﺍﻃﻮﺭﺓ ﺯﻭﺟﺔ ﻏﻠﻴﻮﻡ ﺣﻤﺎﺭﺍً ﺃﺑﻴﻀﺎً ﺟﻤﻴﻼً ﻓﺄﺛﺎﺭ ﺍﻧﺘﺒﺎﻫﻬﺎ ﻭﻃﻠﺒﺖ ﻣﻦ ﻭﺍلي دمشق حينها ﻣﺼﻄﻔﻰ ﻋﺎﺻﻢ ﺑﺎﺷﺎ ﺃﻥ ﻳﺄﺗﻴﻬﺎ ﺑﻪ ﻟﻜﻲ ﺗﺄﺧﺬﻩ ﻣﻌﻬﺎ ﺫﻛﺮﻯ ﺇﻟﻰ ﺑﺮﻟﻴﻦ . ﺭﺍﺡ ﺍﻟﻮﺍﻟﻲ ﻳﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﺻﺎﺣﺐ ﺍﻟﺤﻤﺎﺭ،
ﻭﻛﺎﻥ ﻳﺪعى ( أبو ﺍﻟﺨﻴﺮ ﺗﻠﻠﻮ )، ﻓﻄﻠﺐ ﺇﻟﻴﻪ ﺇﻫﺪﺍﺀ ﺍﻟﺤﻤﺎﺭ ﺇﻟﻰ ﺯﻭﺟﺔ ﺍﻻﻣﺒﺮﺍﻃﻮﺭ ﻓﺎﻋﺘﺬﺭ . ﻏﻀﺐ ﺍﻟﻮﺍﻟﻲ ﻭﻋﺮﺽ على أبو الخير ﺷﺮﺍﺀ ﺍﻟﺤﻤﺎﺭ
ﻭﻟﻜﻨﻪ ﺃﺻﺮّ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﻓﺾ ﻭﻗﺎﻝ : ” ﻳﺎ أﻓﻨﺪﻳﻨﺎ، ﻟﺪﻱ ﺳﺘﺔ ﺭﺅﻭﺱ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻴﻞ ﺍﻟﺠﻴﺎﺩ،
ﺇﻥ ﺷﺌﺖ ﻗﺪﻣﺘﻬﺎ ﻛﻠﻬﺎ إﻟﻰ ﺍﻻﻣﺒﺮﺍﻃﻮﺭﺓ ﻫﺪﻳﺔ دون مقابل ، ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺤﻤﺎﺭ ﻓﻼ “
ﺍﺳﺘﻐﺮﺏ ﺍﻟﻮﺍﻟﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ ﻭﺳﺄﻟﻪ ﻋﻦ ﺍﻟﺴﺒﺐ.
ﺭﺩ ﺗﻠﻠﻮ ﻣﺒﺘﺴﻤﺎً: ” ﺳﻴﺪﻱ ﺍﺫﺍ أﺧﺪﻭﺍ ﺍﻟﺤﻤﺎﺭ إﻟﻰ ﺑﻼﺩﻫﻢ ﺳﺘﻜﺘﺐ ﺟﺮﺍﺋﺪ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻋﻨﻪ ﻭسيسأﻝ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻣﻨﻴﻦ ﻫﺎﻟﺤﻤﺎﺭ؟ ﻓﻴﺮﺩﻭﻥ ﻋﻠﻴﻪ : ” ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺎﻡ “. ﻭﻳﺼﺒﺢ “ﺍﻟﺤﻤﺎﺭ ﺍﻟﺸﺎﻣﻲ ” ﺣﺪﻳﺚ ﻛﻞ ﺍﻟﻨﺎﺱ ، ﻭﺭﺑﻤﺎ ﻣﻌﺮضاً ﻟﻠﺴﺨﺮﻳﺔ
ﻭﻳﻘﻮﻝ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻫﻞ ﻳﻌﻘﻞ ﺍﻥ ﺍﻣﺒﺮﺍﻃﻮﺭﺓ ﺍﻟﻤﺎﻧﻴﺎ ﻟﻢ ﺗﺠﺪ ﻓﻲ ﺩﻣﺸﻖ ﻣﺎ ﻳﻌﺠﺒﻬﺎ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﺤﻤير ؟ ﻟﺬﻟﻚ ﻟﻦ أﻗﺪﻣﻪ ﻟﻬﺎ ﻭﻟﻦ ﺍﺑﻴﻌﻪ “
ﻧﻘﻞ ﺍﻟﻮﺍﻟﻲ ﺍﻟﺨﺒﺮ ﻟﻼﻣﺒﺮﺍﻃﻮﺭ ﻭﺍﻻﻣﺒﺮﻃﻮﺭﺓ ﻓﻀﺤﻜﺎ ﻛﺜﻴﺮﺍ ﻭأﻋﺠﺒﺎ ﺑﺎﻟﺠﻮﺍﺏ ,
ﻭﺃﺻﺪﺭ ﺍلإﻣﺒﺮﺍﻃﻮﺭ ﺃﻣﺮﻩ ﺑﻤﻨﺢ ﺗﻠﻠﻮ وساماً رمزياً.
5
قيل أن أبو تمام الشاعر الفحل الكبير قد أورث إبنه تمام النظم ولم يورثه الشعر ولكنه كان ناقداً ومتحدثاً وقد دخل تمام يوماً على محمد بن عبدالله بن طاهر فمدحه بشعر سخيف فرد عليه الأمير بشعر أسخف منه على نفس الوزن والقافية مكافأة على مدحه فقال له تمام : إن الشعر بالشعر ربا فاجعل بينهما رضخاً (غير محسوب من الدراهم) حتى يطيب لي ولك فأمر به بألف درهم وقال: هذا كلامك لا لشعرك.
6
لم أفهم الدأب والمواصلة والإجتهاد (والمكابدة) إلا حين قرأت للعالم الصالح التابعي ثابت الذي قال:
كابدت القرآن عشرين سنة فتنعمت به عشرين سنة وقال آخر: كابدت الليل عشرين سنة ثم تنعمت به عشرين سنة.
وكان الشريف الشهيد أحمد ود طه يقول للحفظة من تلاميذه : إقراءوا القرآن فإنكم لا تقرأونه وأقيموا الليل فإنكم لا تقيمونه مع أنهم كانوا يتلون القرآن ويصلون الليل لكنه عليه الرحمة كان يعني الروح وسويداء العبادة والتدبر في سياق تدبر القرآن وقيام الليل يقول القطب الشيخ قريب الله أبا صالح في قصيدة عرفانيه:
وخير هبات لا يُكيف دركها
حقير لديها الملك والجاه والتبر
يمر بها فى اخر الليل سادن
من الملا الاعلى يفوح له عطر
على صاحب التهليل عند نزول من
تعالى مكانا ان يحيط به فكر
هنيئا له قد فاز فوزا مؤبدا
وفى ملكوت الله كان له ذكر
هنيئا له بالله طابت حياته
لياليه غر بل وايامه زهر
تلاشي لديه الهم والغم والعنا
وحل لديه القصد وانجبر الكسر
ورد إليه ما كان فائتا
فليس له فيه وقد بورك العمر
7
عصابة دقلو هي أكبر عبقرية سودانية في إشاعة البشاعة في الألفية الثالثة ولأن المنتج والمخرج حميدتي مولع بفلم العراب godfather للمخرج الأمريكي فرانسيس فورد كوبولا الذي رأى بعد نجاح الفيلم الأول أن يجعل منه ثلاثية، فكذلك حميدتي فقد قرر أن يجعل للعراب أبولولو المهري المجوسي سباعية ،فبعد الفيلم الأول الذي ملأ العالم أسفا وحزنا ودموعا فقد قرر أن يستمر في إنتاج السباعية التي نزل منها على شاشات العرض فيلم البشاعة الثاني الذي تشاهدونه مع العالم كله، والبقية تأتي، والرجاء عدم اصطحاب الأطفال وأصحاب القلوب الضعيفة.