
عامر باشاب يكتب: يحسبونها هينة.. الخيانة بالألوان غير الطبيعية
قُصر الكلام
عامر باشاب
يحسبونها هينة.. الخيانة بالألوان غير الطبيعية
الخيانة انتشرت في الآونة الأخيرة كحالة مرضية ومحنة من محن ومصائب هذا الزمان، فتطورت وتحولت ثم تحورت إلى وباء عمَّ القرى والحضر، لدرجة أنك تجدها حاضرة بقبحها ونتانتها في أي زمان وفي كل مكان، في البر والبحر، معكرة ومكدرة لكل الأجواء، متخللة المسامات ومتجاوزة المساحات، لدرجة جعلت الكثير من الأسوياء يقعون في حفرتها دون أن يشعروا. وهناك من يشعرون ولكنهم في طغيانهم يعمهون، في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضًا.
وعلى هذا النحو طفحت على السطح هذه الأيام خيانات عديدة بكل الأشكال الانحرافية وبالألوان غير الطبيعية. أحدثها وأبرزها خيانة المتعاونين مع أعداء الوطن، والتي تتعدد نماذجها لتبدأ بالتدرج الخبيث من خيانة ود الحارة لسكان حارته، وخيانة ابن القرية لأهل قريته، وخيانة المرجفين في المدينة أبناء المدن (أولاد قلبا)، وهؤلاء تنشط خياناتهم مع سبق الإصرار والترصد، يخونون مدينتهم الفاضلة ويفضلون عليها المال والسلطة والجاه والاتجاه.
وهكذا يمضي الحال إلى أن وصلت الخيانة بقبحها ونتانتها وندالتها إلى ضرب وطعن الوطن على ظهره وفي خاصرته بضربات موجعة من كل الاتجاهات تبدأ من الخلف. وهذا النوع من الخيانة أصبح له محترفون عملاء عالميون زُيِّن لهم الشيطان أعمالهم وأعوانهم إلى أن وصلوا إلى مرحلة المجاهرة بعداوتهم للوطن عبر مساندتهم لخوارج الخارج وتمكينهم من تمزيق النسيج الوطني من الداخل. وهؤلاء الشرذمة القليلون يبيعون الأوطان بأبخس الأثمان: دراهم معدودات، وإقامات ذهبية، ومناصب وهمية.
وتبقى خيانة الوطن من أسوأ وأفظع الخيانات، وهي توازي في جرمها الخيانة التي حذّرنا منها ديننا الإسلامي الحنيف، ألا وهي الخيانة العظمى: خيانة الله ورسوله. ثم تليها في الظلم والجرم والجور وعظائم الأمور الخيانة الزوجية. أما الخيانة الأقبح والأعظم جرمًا فهي خيانة الجوار أو الجيرة، وما أدراك ما الجيرة.
الخيانة الخطيرة: أن يخون الجار جاره، إن كان جار سكن أو جار وطن. وهي أن يتحول الجار من حارس مؤتمن، وحامٍ لبيت جاره، وحافظ لعرضه، وساتر لعوراته، إلى شخص غير مؤتمن على الأعراض، ينقلب هو نفسه إلى شيطان مريد ينتهك عرض جاره. وهنا أكد لنا رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم بقوله: “خائن الجوار في الدرك الأسفل من النار”؛ يعني والعياذ بالله مع فرعون وهامان.
كثيرون يعلمون الحق ويؤيدون الباطل فتنة وضلالًا، والمصيبة أنهم يرون أنفسهم على حق. تأمل قوله تعالى: “وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون” (البقرة 11). يفعلون الباطل ويعتقدونه حقًا، وهذه أعظم جناية، تمامًا كالذي يقع في المعصية الفاحشة مع اعتقاد أنها معصية هينة. وهؤلاء جميعًا نسوا قوله تعالى: “تحسبونه هيّنًا وهو عند الله عظيم”.
أبعدنا الله وإياكم من الخيانة بكل أنواعها الخبيثة وأشكالها الخسيسة وألوانها غير الطبيعية.
قُصر الكلام: بس والسلام.
اعلم يا أخي أنك مجرد أن تشرع في أي نوع من أنواع الخيانة، تأكد تمامًا أنك في الأول والآخر والعياذ بالله خنت الله ورسوله، ثم إنك خنت نفسك وأخرجتها من النور وأوقعتها في قاع الظلمات، فالظلم ظلمات، والخيانة من أعظم المظالم. افعل ما شئت؛ كما تدين تدان، وعند الله تجتمع الخصوم.