عبد اللطيف السيدح يكتب: السودان على شفا أكبر فشل حج في تاريخه

عبد اللطيف السيدح يكتب: السودان على شفا أكبر فشل حج في تاريخه

هل تتخيلون أن ما بين وزارة الشؤون الدينية والأوقاف والمجلس الأعلى للحج والعمرة من صراع ستكون مآلاته فقدان آلاف الرجال والنساء الراغبين والراغبات في أداء فريضة الركن الخامس من أركان الإسلام هذا العام، حج بيت الله الحرام.
لم تتبقَّ من الزمن سوى أياما معدودات على إسدال الستار على المصفوفة الزمنية الدقيقة التي حددتها وزارة الحج والعمرة السعودية للدول الراغبة في تمكين مواطنيها من أداء الركن الخامس من أركان الإسلام. الزمن ينحدر كحبات الرمل بين الأصابع، والعالم كله يُسرع الخطى للحاق بقطار الترتيبات، بينما السودان الدولة الأقرب جغرافياً لمكة والمدينة يقف في مربع النزاعات والمماحكات وكأنه خارج سياق الزمن وخارج واجباته ومسؤولياته فما الذي يحدث الآن؟
وكيف تحوّل حج عام 1447هـ إلى ساحة صراع بدلاً عن أن يكون ساحة تنظيم؟
ومن المسؤول عن تعطيل أكبر شعيرة تُنفق الدولة والمواطن في سبيلها الأموال والجهود والدموع؟
ولمصلحة من يقترب السودان لأول مرة في تاريخه من فشل موسم الحج كاملاً؟

فوضى غير مسبوقة

وبينما تسابق الدول الزمن لاختيار السكن، وترتيب النقل، وإكمال ملفات التغذية، وتحديد بعثاتها الإدارية والطبية، يقف السودان عند نقطة الصفر، بل أسوأ من ذلك عند نقطة التعطيل المتعمّد.
فالوزارة التي كان يُنتظر منها قيادة الملف بحكمة، وأن يكون الهمّ نجاح الحج وراحة الحجاج صارت مشغولة بإقصاء هذا، وإضعاف ذاك.
وفي قلب هذه الدوامة يقع المجلس الأعلى للحج والعمرة، الجهة الفنية والتنفيذية الوحيدة المخولة قانوناً بترتيب الموسم. ولأن المجلس مؤسسة لها قوانينها ومهامها وصلاحياتها، نشأت مع الوزير علاقة صدامية منذ اليوم الأول لمجيئه، إذ لم يقبل الرجل بوجود جهة مستقلة تمتلك ولاية قانونية وتنفيذية على أهم ملف في وزارته، فبدأ في تفكيكها، وإرباكها، وإحراجها أمام الدولة والمجتمع.

أمين عام مُكبل الإرادة

وعندما أصدر رئيس الوزراء قراراً بتعيين الأستاذ عبد الله سعيد أميناً عاماً للمجلس الأعلى للحج والعمرة، استبشر الناس خيراً. فالرجل جاء في لحظة حرجة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان, لكن آه !!! ففور صدور القرار، اصطدم الأمين العام الجديد بجدار صلب من التعطيل، السيد الوزير وبطريقة أربكت حتى المقربين منه جمد نشاط الأمين العام الجديد الذي لم تمض على تعيينه سويعات، وذلك على خلفية قرار أصدره الرجل وهو من صميم صلاحياته، ألغى الوزير القرار وأبى حتى الآن الجلوس مع الأمين العام لحل أزمة مكتب شؤون حجاج السودان بمكة المكرمة، أو حتى لتهنئته بنيله ثقة رئيس مجلس الوزراء، وتسليمه صلاحياته الممنوحة له وفقاً للقانون، وحتى كتابة هذه السطور لم يفتح باب مكتبه لكي يتمكن عبد الله سعيد من الجلوس معه بروح التعاون. فأي عقل إداري هذا؟ وأي منطق مؤسسي يسمح أن تحبس مؤسسة سيادية في غرفة مغلقة؟.

جذور الأزمة في شلة السقالة

وبحسب المصادر فإن السبب الحقيقي لهذا التعطيل يأتي نتيجة لصراع قديم متجدد تديره شبكة مصالح راسخة تتخذ من منطقة السقالة على شاطيء البحر الأحمر مقرا لها كذات الشلة التي عرفت عند السودانيين بشلة المزرعة إبان فترة الحكم الحمدوكية. وهذه الشبكة ترغب في الهيمنة على العقود التي ستبرم مع الجهات ذات الاختصاص كالنقل البري والبحري والجوي والإسكان، والإعاشة، وكافة الخدمات، وتعلم جيداً أن أي أمين عام جديد يأتي بقرار مستقل سيغلق عنها هذ الحنفية، ويعيد ضبط المسار وفق القانون والمصلحة العامة، وهذه المجموعة التي يمكن تسميتها بلا مبالغة (عصابة موسم الحج) ربطت بقاءها ببقاء الفوضى.
لذلك ترفض الإذعان لقرارات الأمين العام، وتخشى الشفافية، وتقاوم أي إصلاح إداري يأتي عبر المجلس الأعلى للحج والعمرة.

الموسم يقترب من الانهيار

وحيث أن المملكة العربية السعودية دولة مؤسسات راسخة فقد وضعت مصفوفة زمنية صارمة للحج، ولأن الأهلة هى مواقيت للناس والحج، فقد إلتزمت جميع الدول بهذا التوقيت عدا، وزارة الشؤون الدينية بدولتنا، وكل يوم تأخير يعني الآتي:
ضياع فرص السكن الجيد.
مضاعفة أسعار الخدمات.
تعطّيل التعاقدات.
ارتباك جداول النقل والترحيل.
تعريض حج السودانيين لخطر الفشل الكامل لأول مرة في تاريخ البلاد.
والسؤال الذي يقفز بإلحاح، هل تدرك قيادة الدولة ممثلة في رئيس مجلس السيادة ونائبه وأعضاء المجلس الموقرين، وفخامة رئيس مجلس الوزراء، أن هناك كارثة إدارية ودينية تضرب في ملف الحج منذ دخول السودانيين إلى الأراضي المقدسة قبل أكثر من مئة عام؟
وهل تدري جهات الرقابة والاختصاص عندنا أن المملكة لا تتعامل بالعاطفة في هذه الملفات الحساسة، وأنها ستغلق النظام فور انتهاء أمد المصفوفة؟
ووسط هذه الكارثة، يبدو الأمين العام الجديد الأستاذ عبد الله سعيد وكأنه يقف وحيداً أمام ماكينة هدم منظّمة، فالرجل يريد أن يعمل، يريد أن ينجز، يريد أن يلحق لكن كل الأبواب مغلقة، وكل القرارات معلّقة، وكل ساعة تمضي تُبعد السودان أكثر فأكثر عن إمكانية إنقاذ الموسم ورغم ذلك، ظل الرجل ملتزماً بالهدوء، لا يخرج عن القانون، ولا يرغب فى الدخول في معارك شخصية، بل يؤكد على أن مهامه قانونية، وأن واجبه خدمة الحجاج لا خدمة الأشخاص.

أسئلة للرأي العام من يحاسب من؟

من يحاسب من على هذا التعطيل الكارثي؟
ومن يتحمل مسؤولية فشل موسم الحج إذا ضاعت المصفوفة الزمنية؟
ومن يعيد الثقة للمجلس الأعلى بعد كل هذا العبث؟
إن ما يحدث ليس (اختلافاً في وجهات النظر)، بل تعدي على على مؤسسة رسمية وصلاحيتها وعلى قرار دولة.
والمشهد يرقى إلى مستوى الخطيئة الإدارية التي يجب التعامل معها بكل حزم.

الحج ليس ملكاً لوزارة ولا لوزير. إنما الحج ملك لأمة كاملة تؤدي الركن الخامس، وتبكي شوقاً إلى بيت الله العتيق. والبلاد تحتاج إلى قرار واضح وسريع يقضي بتسليم الصلاحيات فوراً، وإطلاق يد الأمين العام، والبدء الفوري في ترتيبات موسم 1447هـ قبل أن يقع ما لا يُحمد عقباه.
سيصبر السودانيون طويلاً على مآسيهم، إلا أن الحج مواقيت لا تنتظر أحداً.