مستطرف ألوان في الحكم واللطائف والبيان

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

مستطرف ألوان في الحكم واللطائف والبيان

1

ولو أتيح لي أن أختار معاينة لطلاب معهد الموسيقى والمسرح شرطاً للدخول لما أخترت غير هذه المعاينة والتوصية التي وردت في كتاب (جمع الجواهر في المِلح والنوادر) للحصري القيرواني.
من شرط المسامر (صاحب المسامرات) والمنادر أن يكون خفيف الإشارة، لطيف العبارة، ظريفاً رشيقاً، لبقاً رفيقاً، غير فدم ولا ثقيل، ولا عنيف ولا جهول؛ قد لبس لكل حالة لباسها، وركب لكل آلة أفراسها، فطبق المفاصل، وأصاب الشواكل، وكان برائق حلاوته، وفائق طلاوته، يضع الهناء مواضع النقب، ويعرف كيف يخرج مما يدخل فيه، إذا خاف ألا يتسحسن ما يأتيه.

2

وبالرغم من المناخ القاتم الذي يدعو للعبوس والإحباط إلا أن السودانيين إستطاعوا دائماً أن يكسروه بلطائفهم ونكاتهم وتعليقاتهم الساخرة على الداء والأعداء مستبشرين بالهدي النبوي والأثر الطيب (ساعة فساعة).
وهل يستغني أهل الأدب وأولو الأرب عن معرفة ظريف المضحكات، وشريف المفاكهات، إذا لاطفوا ظريفاً، أو مازحوا شريفاً؟ فقد قال الأصمعي: بالعلم وصلنا وبالمُلَح نلنا.

3

كان أستاذنا الشاعر الراحل عبدالله الشيخ البشير إذا جاءت سيرة أبو نواس وشعره وخلاعته كان يقول: إن في شعر الحسن بن هاني سحر ومتعة وإن في سبكه فصاحة وملاحة وبلاغة، وإن في خمرياته إجادة وطرب، وإن في توبته وشعره في الأوبة عبرة للعالمين ومن حكاياته وبداهته الفياضة هذه الوقفة.
روى أبو هفان قال: دخل أبو نواس على يحيى بن خالد فقال له: يا أبا علي؛ أنشدني بعض ما قلت؛ فأنشده:
كم من حديثٍ معجب لي عندكا
لو قد نبذت به إليك لسرّكا
إني أنا الرجل الحكيم بطبعه
ويزيد في علمي حكاية من حكى
أتتّبع الظرفاء أكتب عنهم
كيما أحدث من أحبّ فيضحكا
فقال له يحيى: يا أبا علي، إن زندك ليوري بأول قدحة، فقال ارتجالاً في معنى قول يحى:
أما زند أبي عليّ إنه زندٌ
إذا استوريت سهل قد حكى
إنّ الإله لعلمه بعباده
قد صاغ جدّك للسماح ومزحكا
تأبى الصنائع همّتي وقريحتي
من أهلها وتعاف إلاّ منحكا

4

الدارسون والعاشقون والمتعلقون والمحبون لمدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم يعرفون بركتها وقربها من السماء ولا ينسون في لحظات الصفاء بعد الصلاة بعض جلسات التنادر وأنس الظرفاء ومن هذه،قال مالك: ما رأيت أشبه بأهل المدينة من ابن سيرين، وأهل المدينة أرق الناس أدباً، وأحلاهم طرباً، وأبرعهم شيماً، وأطبعهم كرماً، ويقال: دل حجازي، وعشق يماني. وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
إنّ قلبي بالتلّ تلّ عزازٍ
مع ظبي من الظباء الجوازي
شادن لم ير العراق وفيه
مع ظرف العراق دلّ الحجا
وقال أبو تمام:
من شاعرٍ وقف الكلام ببابه
واكتنّ في كنفي ذراه المنطق
قد ثقّفت منه الشآم وسهّلت
منه الحجاز ورقّقته المشرق

5

رحم الله الصحابي المجاهد والتائب أبو محجن الثقفي الذي منح مكاناً للخمر في شعره لا تستحقها ومنح الجهاد في سبيل الله نفسه وشعره وسيرته وأبناءه فظل بكل هذه القيم عَلَماً في تاريخ الإسلام والمسلمين ولإبنه موقف يدعو للتامل مع الخليفة معاوية رضي الله عنه.
لما مات أبو محجن الثقفي وقف رجل على قبره، فقال: رحمك الله أبا محجن! فوالله لقد كنت قليل المراء، جيد الغناء، غير نعاس، ولا عباس، ولا حابس للكاس.
واسم أبي محجن عروة بن حبيب، وكان فارساً شاعراً، وكان مشتهراً بالشراب كثيراً يقول فيه؛ فحده عمر رضي الله عنه مرات، ثم أخرجه إلى العراق، فشرب، فحده سعد بن أبي وقاص وسجنه في قصر العذيب، وكان سعد مريضاً في القصر، وأقام المسلمون في حرب القادسية أياماً، فوجهت الأعاجم قوماً إلى القصر ليأخذوا من فيه، فاحتال أبو محجن حتى ركب فرس سعد من غير علمه فخر فأوقع بهم؛ فرآه سعد، فلما انصرف بالظفر خلى سبيله. وقال: لا أضربك بعدها في الشرب، قال: فإني لا أذوقها أبداً.
ودخل ابن أبي محجن على معاوية فقال له: أبوك الذي يقول؟
إذا متّ فادفنّي إلى جنب كرمةٍ
تروّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفننّي في الفلاة فإنني
أخاف إذا ما متّ ألاّ أذوقها
فقال: يا أمير المؤمنين؛ لو شئت لذكرت من شعره ما هو أحسن من هذا وأنشد:
لا تسألي القوم عن مالي وكثرته
وسائلي القوم عن بأسي وعن خلقي
القوم أعلم أني من سراتهم
إذا تطيش يد الرّعديدة الفرق
أُعطى السنان غداة الروع حصّته
وعامل الرمح أرويه من العلق
وأطعن الطعنة النّجلاء عن عرضٍ
وأكتم السرّ فيه ضربة العنق
فقال: لئن كنا أسأنا المقال، لا نسيء الفعال؛ وأمر له بصلة.

6

كنا عندما نقرأ هذه النادرة في أيام الدراسة الجامعية ونحن نتهادى كتب الأدب نقول ضاحكين (عبدالملك عِرِفها) وبعد قِراءتنا لهذه المرافعة كنا نقول هكذا يجب أن يكون (نقيب المحاميين) وحكاية إياس شهيرة وهي تقول:
دخل إياس بن معاوية بن قرة الشام وهو صغير؛ فخاصم شيخاً إلى القاضي وأقبل يصول عليه، فقال القاضي: اسكت يا صبي. فقال: فمن ينطق بحجتي؟ قال: إنه شيخ كبير، قال: إن الحق أكبر منه. قال القاضي: ما أراك تقول حقاً؛ فقال: لا إله إلا الله. فركب القاضي من وقته إلى عبد الملك فأخبره فقال: عجل بقضاء حاجته وأخرجه من الشام لئلا يفسدها.
وبإياس يضرب المثل في الذكاء قال الطائي:
إقدام عمروٍ في سماحة حاتمٍ
في حلم أحنفي في ذكاء إياس

7

الكثير من العامة يظنون أن أشعار وأسمار الأدباء والشعراء في سير وحكايات الحيوانات من باب التَفكه والمُضحكات لكن الثقاة من أهل النقد والعارفين ببواطن الأمور يعلمون أن مثل هذه الأشعار السارية على ألسُن الحيوان ماهي إلا هروباً من الطغاة والأجهزة الشريرة والإستبداد ،وهو باب مستفيض في الأدب العربي والأدب العالمي وإمامه في تُراثِنا القديم الجاحظ وفي آداب الشرق كتاب (كليلة ودمنة) لابن المقفع أما في المعاصرين فإن شوقي كما يقول أهل السودان أو بالأحرى كما يقول الحاردلو : ( فات الكبار والقدرو).
وأخيراً هذه دعوة لقراءة هذه الأرجوزة لشوقي ولتجعلها عزيزي القارئ محاولة لقراءة واستقصاء بعض ملامح وأسرار وأخبار الواقع العربي الراهن، وأن تجعل أمام كل حيوان إسماً ولترسل لنا الإجابة، ولا نعِدك بالنشر (لاشتغال المحل بحركة المناسبة) كما يقول أهل النحو وقواعد اللغة.
لَمّا دَعا داعي أَبي الأَشبالِ
مُبَشِّراً بِأَوَّلِ الأَنجالِ
سَعَت سِباعُ الأَرضِ وَالسَماءِ
وَاِنعَقَدَ المَجلِسُ لِلهَناءِ
وَصَدَرَ المَرسومُ بِالأَمانِ
في الأَرضِ لِلقاصي بِها وَالداني
فَضاقَ بِالذُيولِ صَحنُ الدار
مِن كُلِّ ذي صوفٍ وَذي مِنقارِ
حَتّى إِذا اِستَكمَلت الجَمعِيَّه
نادى مُنادي اللَيثِ في المَعِيَّه
هَل مِن خَطيبٍ مُحسِنٍ خَبير
يَدعو بِطولِ العُمرِ لِلأَمير
فَنَهَضَ الفيلُ المُشيرُ السامي
وَقالَ ما يَليقُ بِالمَقام
ثُمَّ تَلاهُ الثَعلَبُ السَفيرُ
يُنشِدُ حَتّى قيلَ ذا جَرير
وَاِندَفَعَ القِردُ مُديرُ الكاسِ
فَقيلَ أَحسَنتَ أَبا نُواسِ
وَأَومَأَ الحِمارُ بِالعَقيرَة
يُريدُ أَن يُشَرِّفَ العَشيرَه
فَقالَ بِاِسمِ خالِقِ الشَعير
وَباعِثِ العَصا إِلى الحَمير
فَأَزعَجَ الصَوتُ وَلِيَّ العَهدِ
فَماتَ مِن رَعدَتِهِ في المَهدِ
فَحَمَلَ القَومُ عَلى الحِمارِ
بِجُملَةِ الأَنيابِ وَالأَظفارِ
وَاِنتُدِبَ الثَعلَبُ لِلتَأبين
فَقالَ في التَعريضِ بِالمِسكين
لا جَعَلَ اللَهُ لَهُ قَراراً
عاشَ حِماراً وَمَضى حِمارا