إفادات مهمة لمصطفى عثمان

رصد: ألوان

خلال هذا الشهر شددنا الرحال إلى الدوحة، العاصمة القطرية، للمشاركة في قمة وايز. تتمحور النسخة الثانية عشرة حول شعار “الإنسان أولا: القيم الإنسانية في صميم النظم التعليمية”. وفي أولى الحلقات التي صورناها على هامش هذا الحدث الدولي، استضفنا وزير خارجية السودان الأسبق الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل الأمين. شكل اللقاء فرصة للخوض في قراءة لجذور الأزمة السودانية الراهنة، ورهانات الإصلاح السياسي والتربوي في السودان والعالم العربي.

طفولة في حضن التصوّف

ولد الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل في الولاية الشمالية في قرية رومي البكري السودانية، وهي قرية ارتبطت تاريخيا بالطرق الصوفية واحتضنت خلوات مشهورة كان يفد إليها طلاب من الصومال وكينيا وإثيوبيا وإريتريا. هذه البيئة، كما يصفها، ربّت أبناءها على الروحانيات والمحبة والتعاون، وجعلت من الدين منطلقًا للعمل الاجتماعي والسياسي معًا.

ارتباطه بالأرض، بطريقته الصوفية، وبمجتمع زراعي بسيط، صاغ لديه إحساسا بالانتماء يبدأ من القرية، ثم المحلية، فالوطن، فالأمة. واستشهد بأبيات شعر قائلا:

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول

كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدا لأول منزل

البدايات السياسية: المدرسة والجامعة وصناعة القادة

بدأ الدكتور إسماعيل تعليمه الابتدائي في مدرسة رومي البكري، ثم واصل المرحلة الوسطى فيها. أما الثانوية، فقد انتقل من أجلها إلى مدينة دنقلا حيث درس وأكمل مساره التعليمي قبل أن يلتحق بجامعة الخرطوم. في كل محطة، يقول إنه كان ناشطًا في الجمعيات الثقافية والطلابية، مؤمنًا بأن العمل الطلابي مصنع للقادة.

خلال بعثته إلى بريطانيا أصبح رئيسًا لاتحاد الطلاب السودانيين في المملكة المتحدة وإيرلندا، ثم رئيسًا لاتحاد الجمعيات الإسلامية الناطقة بالإنجليزية.

حسن الترابي…المفكر الذي فتح له الأفق

يتوقف الدكتور إسماعيل عند شخصية الدكتور حسن الترابي، الذي شكّل نقطة تحوّل في حياته الفكرية. فهو يصفه بـ”المفكر غير التقليدي” الذي ربط الأصالة بالحداثة، ووضع رؤية ديناميكية للإسلام تختلف عن الصورة الصوفية والطرقية التقليدية التي نشأ عليها.

يقول إنه يوم استمع إلى الترابي في ندوة بعد ثورة أكتوبر 1964، شعر لأول مرة أنه أمام شخصية “تستحق الإصغاء”. كان الترابي بالنسبة له نافذة جديدة نحو التفكير الحر والعمل السياسي التجديدي، في وقت كانت فيه الأحزاب التقليدية في السودان تعيش شبه قطيعة مع الشباب.

السودان بعد الاستقلال: دروس الوحدة المفقودة

يأخذ الدكتور إسماعيل المشاهد في تحليل تاريخ السودان، معتبرًا أن لحظات الإجماع الوطني كانت دائمًا مفتاح الاستقلال والانتقال السياسي. فالسودان نال استقلاله عام 1956 من داخل البرلمان، حين توحّدت الأحزاب رغم محاولات مصر وبريطانيا فرض رؤاهما المتناقضة على البلاد.

ويذكّر بمشهدين سياسيين مهمّين:

الزعيم إسماعيل الأزهري الذي أعلن الاستقلال بالتوافق، والمشير سوار الذهب الذي سلّم السلطة طوعًا للمدنيين بعد انتفاضة 1985.

هذه الأمثلة تقف – برأيه – على النقيض مما يحدث اليوم حيث انقسم السياسيون وانحاز الجيش لطرف ضد آخر، ما فتح الباب واسعًا أمام التدخلات الخارجية.

قراءة في الأزمة السودانية الحالية

يقدّم الدكتور إسماعيل قراءة نقدية لما يجري اليوم في السودان، وخاصة ما يحدث في دارفور والفاشر، قائلًا: “المشكلة الأولى اليوم هي التدخلات الخارجية… وليست فقط الخلافات الداخلية.”

ويضيف أن انحياز الجيش لطرف سياسي بعد 2019 كان “خطأ استراتيجيا” لأنه أخرج المؤسسة العسكرية من موقع الحياد الذي مكّنها تاريخيًا من حماية البلاد.

حول قوات الدعم السريع (الجنحويد سابقا)، يعترف بوجود خلافات داخل الدولة حول إنشائها، وأنها بدأت كقوة حدودية تحت إمرة الجيش، قبل أن تتضخم وتتورط في تجاوزات واسعة.

ويشير إلى أن مواقف العالم تجاهها اليوم تتحدد وفق المصالح الدولية لا وفق المبادئ، وأن القوى الكبرى تُطبّق الواقعية السياسية أكثر من التزامات حقوق الإنسان.

 مؤتمر وايز : مبادرة لإصلاح التعليم

ينتقل الحوار إلى مشاركته في مؤتمر وايز12 أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 في مركز قطر الوطني للمؤتمرات، حيث يقدم الدكتور إسماعيل رؤية تربوية حديثة:

التعليم، برأيه، هو الأساس لبناء سودان جديد. ويحلّل التحديات العالمية بين المنهج الدولي الذي يركّز على المواطنة العالمية والبيئة والتقنيات، و”المنهج المحلي” الذي يركّز على الهوية والقيم.

ويرى أن الرهان اليوم في قطر والعالم العربي هو دمج النموذجين في منهج قادر على أن يكون عالميا ومحليا في الوقت نفسه.

الذكاء الاصطناعي… وأخلاقياته: ضد المنع وضد الانفلات

بصفته أستاذا جامعيا في جامعة حمد بن خليفة، وعضوا في فريق الأزمات العربي بالأردن، وعضوًا في مجلس العلاقات العربية والدولية في الكويت، يعتبر الدكتور إسماعيل أن الذكاء الاصطناعي فرصة لا يمكن تجاهلها، لكنه لا يمكن تركه بلا ضوابط قيمية.

كما يقدّم مقاربة “أنسنة الذكاء الاصطناعي”، حيث يكون الإنسان هو من يوجّه التقنية لا العكس. ويرى أنه من المستحيل منع الطلاب من استخدامه، لكن من الضروري خلق أدوات تربوية تُعزّز التوازن بين قدرات العقل البشري وإمكانات الآلة.

السودان غدا: أمل معلق على الشباب

في ختام الحلقة، يعود الدكتور مصطفى إلى السودان، مؤكدًا أن الحرب مهما طالت ستنتهي، وأن السودان قادر على النهوض كما فعلت اليابان وألمانيا من قبل.

ويرى أن الشباب السوداني في الخارج سيكون الفاعل الأساسي في إعادة بناء الدولة، إذا استُثمر التعليم فيهم وتمكّنوا من العودة بخبراتهم.