حقل هجليج .. النفط رهينة الفوضى والنهب الإقليمي

حقل هجليج .. النفط رهينة الفوضى والنهب الإقليمي

تقرير: مجدي العجب

في لحظة تعكس حجم الارتباك الذي تشهده الجغرافيا النفطية في السودان، سقطت منطقة هجليج الحيوية في يد مليشيا الدعم السريع المتمردة، لتفتح صفحة جديدة من التهديدات التي تضرب القطاع النفطي في السودان وجنوب السودان على حد سواء. وتمثل هجليج قلب المنظومة الإنتاجية للنفط، ليس فقط بسبب موقعها الاستراتيجي وارتباطها بالشبكات الرئيسية للضخ والمعالجة، بل لأنها تشكل بوابة العبور الأساسية لنفط جنوب السودان إلى موانئ التصدير على البحر الأحمر، وهو ما يجعل السيطرة عليها حدثاً ينعكس بالضرورة على الأمن الاقتصادي لدولتين في آن واحد. وتشير الشهادات الميدانية وتقارير فنيين إلى أنّ الدمار الذي لحق بمصفاة الجيلي وخزانات الوقود ومحطات الضخ في المناطق التي طُردت منها المليشيا سابقاً لم يكن ضرراً عارضاً، بل عملية ممنهجة طالت البنى التحتية الأساسية للدولة، وأدت عملياً إلى تعطيل خطوط الإمداد وإيقاف تدفق خام جنوب السودان بعد تخريب الأنبوب الناقل وأنظمة التحكم المركزية. وبهذا أصبحت منشآت النفط، التي ظلت لعقود عماد الاقتصاد السوداني ومصدر الإيرادات الحيوية لجوبا، رهينة للفوضى المسلحة والصراع على الموارد.

 

 

 

ومع تصاعد التوترات الأمنية في مناطق الإنتاج، تتبدى صورة قاتمة لمستقبل النفط في البلدين، خصوصاً بعد انسحاب الشركة الوطنية الصينية – أكبر الشركاء الاستراتيجيين في قطاع النفط السوداني – بسبب المخاطر الأمنية المتزايدة وتعطل دورة الإنتاج. ويذهب خبراء الطاقة إلى أنّ استمرار هذا الواقع سيقود إلى تراجع حاد طويل الأمد في الإنتاج والاستثمار، وربما يفتح الباب أمام انهيار كامل للقطاع إذا لم تُستعد السيطرة على مناطق الحقول سريعاً.
وفي خلفية هذا المشهد، تبرز اتهامات متصاعدة بأن ما تقوم به قوات دقلو، بدعم إماراتي، يتجاوز الفعل العسكري إلى عمليات نهب منظّم لثروات البلاد، من ذهب وثروة حيوانية ومحاصيل ومعادن، إلى جانب تدمير مؤسسات الدولة والبنى التحتية الأساسية، وهو ما يعدّه مراقبون ضرباً ممنهجاً لمقومات الاقتصاد السوداني وإضعافاً متعمداً للدولة. وفي الوقت الذي تستفيد فيه دول خليجية من حصولها على إمدادات النفط بعيداً عن أعين الرقابة، يدفع جنوب السودان ثمناً باهظاً لتوقف صادراته، فيما يخسر السودان ما تبقى من موارده الحيوية واستقراره الاقتصادي.

 

نهب الموارد وتخريب البنى:

 

وتسببت همجية المليشيا في دمار كبير بمصفاة الجيلي وكل الطلمبات وخزانات الوقود في المناطق التي تم طردها منها من قبل، وكانت السبب المباشر في إيقاف تصدير نفط جنوب السودان، بعد استهدافها المستمر للأنبوب الناقل وأجهزة التحكم في المحطات الرئيسية. ولذلك فهي غير أمينة لتبقى في هذه المنطقة المهمة للسودان ودول الجوار، ويجب طردها بأسرع ما يمكن.

 

تضرر جوبا

 

ويقول الصحافي والمحلل السياسي عبد العظيم صالح إن سيطرة المليشيا على حقل هجليج تعد ضربة قاسية لاقتصاد جنوب السودان الذي يعتمد بصورة شبه كاملة على تصدير نفطه عبر الأراضي السودانية. ويضيف صالح في تصريح خصّ به (ألوان):
تعطيل الأنبوب الناقل ومحطات الضخ وإيقاف تدفق الخام يعني فقدان جوبا لمصدرها الأساسي من العملات الصعبة وتراجعاً كبيراً في الإيرادات العامة، مما يزيد عجز الميزانية ويهدد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية ورواتب القطاع العام. وزاد في قوله لنا: كما يعرّض الشركات الأجنبية للانسحاب ويقوّض ثقة المستثمرين في قطاع الطاقة، ويفتح الباب أمام أزمة اقتصادية خانقة قد تمتد لسنوات ما لم يُستعد الأمن في مناطق العبور والإنتاج سريعاً.

 

تعطيل اقتصاد الدولتين:

 

ويرى الصحافي والمحلل السياسي عاصم البلال الطيب أن هنالك مشروعاً أوسع يهدف إلى شل الاقتصاد السوداني والجنوبي على حد سواء، بدعم خارجي تُوجَّه نحوه أصابع الاتهام، خصوصاً الإمارات. وزاد عاصم في حديثه لـ(ألوان): استهداف البنى التحتية وتعطيل الأنبوب الذي يمر عبر السودان لا يضرب الخرطوم فقط، بل يحرم جوبا من شريانها المالي الوحيد، ما يفاقم الأزمات في الدولتين ويفتح المجال أمام النفوذ الخارجي لإعادة تشكيل موازين القوة. وبهذا تتحول موارد النفط من عامل استقرار إلى أداة ضغط تُستخدم لإضعاف الدولتين وتعميق الفوضى في الإقليم.

 

حجم الضرر

 

وتقديراً لحجم الخسارة على الدولتين (السودان وجنوب السودان) فإن حقل هجليج يُنتج نحو 20,000 برميل نفط يومياً لصالح السودان من آباره الخاصة، بحسب المعلومات عن عدد آبار مجمعة (75 بئراً). بالإضافة إلى أنه يستقبل ويعالج نحو 130,000 برميل يومياً من نفط جنوب السودان لإعادة ضخه عبر الأنابيب إلى موانئ التصدير. فقبل الحرب التي شنتها مليشيا الدعم السريع، كانت صادرات جنوب السودان عبر السودان في نطاق 100,000 إلى 150,000 برميل يومياً. وإذا أُعيد تشغيل الحقل والبنية التحتية بالكامل واستمرت التدفقات، فهذا يعني إمكانية تحقيق عوائد يومية ضخمة. فعلى سبيل المثال، إذا اعتمدنا سعر نفط تقريبي 80 دولاراً للبرميل، فإن معالجة وتصدير 130,000 برميل/يوم تمنح جنوب السودان عوائد تقارب 10–11 مليون دولار يومياً — أي مئات الملايين شهرياً في حال الاستقرار.
أما السودان فكان يستفيد من رسوم العبور والتصدير، بالإضافة إلى إنتاج 20,000 برميل/يوم لنفطه الخاص. وبالتالي، فإن إعادة السيطرة على هجليج وتشغيله بفعالية يمكن أن تعيد للنظام المالي في البلدين جزءاً كبيراً من الإيرادات المفقودة خلال عامَي النزاع، مما يعني أن الخسائر الحالية قد تُقدَّر بمئات ملايين الدولارات شهرياً إذا استمر الإغلاق.