
أربعاء وعَقاب شهر..!!
ولألوان كلمة
أربعاء وعَقاب شهر..!!
حين يكون الإنسحاب إنتصاراً
هنالك قصة شهيرة في التراث العالمي والعربي بل في كل الثقافات تحكي عن امرأتين اختصمتا في طفل فادعت كل واحدة منهما أن الطفل لها وعندما لم تجدا سبيلاً للحل لجأتا إلى قاضي المدينة الحكيم وأمامه أصرت كل واحدة على دعواها، فقال القاضي بحكمة اشتهر بها (الحل عندي أن نأتي بجزار فيشق هذا الطفل إلى شقين، كل واحدة منكما تأخذ شقا) قالت إحداهما بنبرة شريرة (أنا موافقة) ولكن الأخرى انهارت ودخلت في نوبة من البكاء المر وقالت بصوت حزين لا تفعل يا مولانا القاضي فإني قد تنازلت عن طفلي لها، وبقية القصة معروفة.
ولأن الشيء بالشيء يذكر فإن كل العالمين ببواطن الأمور يدركون أن مليشيا الدعم السريع هي حركة تدميرية صُنعت خصيصا لتدمير السودان وخرابه لصالح الشيطان الذي يرقبها بعين صقر من وراء الحدود وأكبر دليل على ذلك أن كل مدن الهامش التي احتلوها ويدعون أنهم يدافعون عن قاطنيها من اهل الهامش في نيالا والجنينة وزالنجي والفاشر والنهود والضعين قاموا بقتل أهلها وسرقة ممتلكاتهم وتدمير البنيات الأساسية التعليمية والصحية والأسواق ومرافق الدولة المختلفة فأصبحت كلها تقريبا أثرا بعد عين. في ظني أنهم الآن يعضون أصابع الندم أسفاً لأنهم لم يقوموا بتدمير منشآت البترول في هجليج ولأول مرة يشعر أهل السودان أن انسحاب الجيش من هجليج كان عملاً حكيماً وواقعياً وشجاعاً وجديراً بالإحترام.
اللص الفقيه بين قاضي أنطاكيا وحميدتي نيالا
حكى لي أحد الأصدقاء في أيام النكبة التي ما زالت تضرب بأطنابها أن أحد (ضباط الخلا) ومعه خمسة من الجنود قد اقتحموا عليه بيته في الخرطوم وجردوه من كل شئ وكانت تقف أمام داره شاحنتين أخذتا كل أثاثه بلا استثناء بالإضافة إلى أدواته الكهربائية واحدة واحدة أمام عينه، دخل المسكين في نقاش مع الضابط الميليشي ليقنعه ليترك له خزانة بها مجموعة من الأوراق الخاصة الهامة فرفض في لؤم وعندما إسترسل معه في النقاش إكتشف أنه جاهل لا يجيد الحديث ولا يجيد التفاوض وكان فيه خبث مفطور به وحين كان يحكي تحسبه طفلاً دون العاشرة في عقله وسلوكه ، أخذ كل شئ وانصرف.
وقد خففت على الصديق مأساته إذ قصصت عليه حكاية قاضي أنطاكيا واللص الفقيه فضحك راضياً واعترف لي بأن هذه الضحكة لم يعهدها منذ يوم السرقة ذاك إلى يوم الناس هذا وعلق على الحكاية ضاحكاً لو كان هذا اللص الميليشي الذي سلبني في فقه لص أنطاكيا العالم لاقترحناه رئيساً وقائداً لسطة تأسيس (وكر الجواسيس) بديلاً لحميدتي ولتنازلنا له عن الشرعية وضحكنا معاً وشر البلية ما يضحك أما نص الحكاية فهي كالتالي قيل : أنه خرج قاضي أنطاكية ليلاً إلى مزرعةٍ له ، فلما سار من البلد اعترضه لص فقال له : دع ما معك وإلا أوقعتُ بك المكروه
فقال القاضي : أيَّدَك الله ؛ إن لأهل العلم حرمة ، وأنا قاضي البلد ، فَمُنَّ عليّ
فقال اللص : الحمد لله الذي أمكنني منك، لأني منك على يقين أنك ترجع إلى كفاية من الثياب والدواب، أما غيرك فربما كان ضعيف الحال فقيراً، لا يجد شيئاً ..
فقال له القاضي : أين أنت مما يُروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الدين دين الله ، والعباد عباد الله ، والسنة سُنَّتي ، فمَن ابتدع فعليه لعنة الله ».
وقطعُ الطريق بدعة ، وأنا أشفق عليك من أن تدخل تحت اللعنة ..
فقال اللص : يا سيدي هذا حديث مُرْسَل ، لم يُرْوَ عن نافع ، ولا عن ابن عمر. ولو سلّمته لك تسليم عدل أو تسليم انقطاع ؛ فما بالك بلص متلصص مما لا قوت له ولا يرجع إلى كفاية عنده! ؛ إن ما معك هو حلال لي ؛ فقد روى مالك عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه عليه وسلم قال:« لو كانت الدنيا دماً عبيطاً لكان قوت المؤمنين منها حلالاً ».
ولا خلاف عند جميع العلماء أن للإنسان أن يحيي نفسه وعياله بمال غيره إذا خشي الهلاك. وأنا واللهِ أخشى الهلاك على نفسي ، وفيما معك إحيائي وإحياء عيالي ، فسَلِّمه لي وانصَرِف سالماً ..
فقال القاضي : إذا كانت هذه حالتك فدعني أذهب إلى مزرعتي، فأنزِلُ إلى عبيدي وخدمي وآخُذُ منهم ما أستتر به ، وأدفع إليك جميع ما معي
فقال اللص : هيهات !
فمثلك مثل الطير في القفص، فإذا خرج إلى الهواء خرج عن اليد، وأخاف أن أخلي عنك فلا تدفع لي شيئاً! ..
فقال القاضي : أنا أحلف لك أني أفعل ذلك ..
فقال اللص : حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
« يمين المُكره لا تُلْزِم ».
وقال تعالى : (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) [ النحل : 106].
فادفع ما معك.
فأعطاه القاضي الدابة والثياب دون السراويل.
فقال اللص : سَلِّم السراويل ، ولا بُدَّ منها
فقال القاضي : إنه قد آنَ وقتُ الصلاة ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« ملعون مَن نظر إلى سوأة أخيه ».
وقد آنَ وقتُ الصلاةِ ، ولا صلاة لعريان ، والله تبارك وتعالى يقول : (يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ )
وقيل في التفسير : هي الثياب عند الصلاة.
فقال اللص : أما صلاتك فهي صحيحة ؛ حدَّثَنَا مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (العراة يُصلُّون قياماً، ويقوم إمامهم وسطهم)
وقال مالك : لا يُصلُّون قياماً ؛ يُصلون متفرقين متباعدين، حتى لا ينظر أحد منهم إلى سوءة البعض. وقال أبو حنيفة : يصلون قعوداً. وأما الحديث الذي ذكرتَ فهو حديث مُرْسَلٌ ، ولو سلّمته لكان محمولاً على النظر على سبيل التلذُّذ، وأما أنت فحالك اضطرار ، لا حال اختيار.
فقال القاضي : أنت القاضي وأنا المستقضي، وأنت الفقيه ، وأنا المستفتي، وأنت المفتي ، خذ ما تريد ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ذهب الللص الفقيه بالدابة والمال والسراويل وترك مولانا عارياً في الخلاء.
أحفاد الإمام إبن تيمية
بعد أن صلى الفجر مع والده بالمسجد في إحدى قرى الوسط الكبير الحافلة بمكارم الأخلاق والتحضر والعلم والمهابة، قال لوالده: لقد قررت بعد أن حررنا الخرطوم وهرب هؤلاء الأوباش إلى كردفان ودارفور قررت أن ألحق بهم جهادا في سبيل الخالق الواحد والسودان الموحد.
احتضنه والده في تحنان أبوي نبيل قائلا: توكّل على الله يا ابني فليوم كريهة وسداد ثغر قد أنجبناك. ودع والدته وانطلقت منها زغرودة شقّت فضاء القرية من أقصاها إلى أقصاها وأوصته قائلة: لكم تمنيت وسألت الله أن تموت شهيدا أو تعود منتصرا، فإني لم أتوقعك يوما وأنت ترحل رحيل الجبناء والقاعدين. وأنشدت بصوت رخيم (مادايرالك الميتة ام رمادا شح.. دايراك يوم لقا بي دماك تتوشح.. الميّت مسولب والرماد يكتح.. أحي على سيفو البسوي التح)
هاجر في صمت وهو يعانق القافلة المباركة هاتفا جيش واحد شعب واحد. وعلى ثرى كردفان الغراء قاتل حتى آخر طلقة، ولم يأسروه إلا بعد أن خاض معركته الأخيرة بالأظافر والأسنان، فكانت صورته هذه التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، وهو يقاتل في قيده هؤلاء الأوغاد، لا نالوا منه كلمة خاسرة ولا أذلوه بالتعذيب، وهاهو يقاتلهم عاري الصدر وأعزل اليدين.
لقد رفعت هذه اللقطة المشهودة رؤوس العفيفات فخرا، ورُفعت بها قلوب الفرسان كبرياء وجسارة. لا أحد يريد أن يعرف ما حدث لهذا الأسد الهصور، ولا يهم ما فعله به هؤلاء الأوغاد، فهو من أحفاد الإمام الصالح العالم المجاهد الشهيد ابن تيميه صاحب الفتاوى وهو يصرخ في وجه آسريه (ماذا يفعل بي أعدائي، إن سجني خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة).