
الأنس المتعالي عند سُمار الليالي
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
الأنس المتعالي عند سُمار الليالي
شعراء ومتشاعرون
هنالك الكثير من أدعياء الشعر لو استظلوا بالنثر لكفاهم مؤونة القريض وأكثرهم لا يعلمون أن الكثير من المستمعين للشعر وإن لم يكتبوه أنهم يعرفون نفيسه من رخيصه وكان الرشيد يعرف جيد الشعر والمنتحَل منه والمنظوم والمصنوع والمسجوع ولا يخدعه في هذا الفن أحد، وقد نقل هذه الموهبه إلى إبنه المأمون وأورثها له وقيل أن متشاعراً دخل عليه يوماً وقرأ بين يديه ما قاله فيه فقال له المأمون أنشدنيه: فقال:
حياك رب الناس حياكا
إذ بجمال الوجه رقاكا
بغداد من نورك قد أشرقت
وورق العود بجدواكا
قال: فأطرق المأمون ساعة، وقال: يا أعرابي، وأنا قد قلت فيك شعراً، وأنشد يقول:
حياك ربُّ الناس حياكا
إن الذي أمَّلت أخطاكا
أتيت شخصاً قد خلا كيسه
ولو حوى شيئاً لأعطاكا
فقال: يا أمير المؤمنين، الشعر بالشعر حرام، فاجعل بينهما شيئاً يستطاب، فضحك المأمون وأمر له بمال.
معاً يا معن
أذكر أنني وثقت لأربعين شخصية عربية إسلامية تستحق سيرتها أن يتداولها الناس في محيط الفعل المثمر المرتبط بالناس والحياة فهم حُجة في العلم والعمل والإنفاق والإتفاق.
ومن الصعوبات التي وجدتها من هو الذي أجعله أولاً على رأس القائمة ومن أضعه أخيراً عليها وقد إخترت أن أجعلها بترتيب الأبجدية ومن الشخصيات التي تستحق التوثيق والمعرفة والإقتداء والإهتداء معن زائدة الشيباني الذي إشتهر بأنه لا يغضب بالقول ولا يقبض المال عن القادحين وعن المادحين أما سيرة بذخه في الإنفاق وإسرافه في الخير إن كان في الخير بذخ وإسراف قول مادحه في الأبيات التي سارت به في الركبان:
يقولون معنٌ لا زكاةَ لماله
وكيف يزكي المالَ من هو باذله
إذا حال حولٌ لم يكن في دياره
من المال إلا ذكره وجمائله
تراه – إذا ما جئته – متهللاً
كأنك تعطيه الذي أنت آمله
هو البحر من أي النواحي أتيته
فلجته المعروف والبر ساحله
تعوّد بسط الكف حتى لو انه
أراد انقباضاً لم تطعه أنامله
فلو لم يكن في كفه غير نفسه
لجاد بها فليتق الله سائله
أما حكاية الشاعر الذي خسر الرِهان في إغضابه تقول روايتها : أنه تذاكر جماعة فيما بينهم أخبار معن بن زائدة وماهو عليه من وفرة الحلم ولين الجانب وأطالوا في ذلك ؛ وكان معن لا يغيظ أحداً ؛ ولا أحد يغيظه؛ فقام بعض الشعراء وقد آلى على نفسه أن يغضبه ؛ فقال : أنا أغيظه لكم !؛ ولو كان قلبه من حجر؛ فراهنوه على: مائة بعير إن أغاظه أخذها ؛ وإن لم يغظه دفع مثلها.
فعمدَ الرجل إلى جملٍ فذبحه وسلخه؛ ولبس الجلد مثل الثوب؛ وجعل اللحم من خارج والشعر من داخل؛ والذباب يقع عليه ويطير؛ ولبس برجليه نعلين من جلد الجمل ؛ وجعل اللحم من خارج والشعر من ناحية رجليه ؛ وجلس بين يدي معن على هذه الصورة ؛ ومد رجليه في وجهه وقال:
أنا والله لا أبدي سلاما
على معن المسمى بالأمير
فقال له معن: السلام لله ؛ إن سلمت رددنا عليك؛ وإن لم تسلم ما عتبنا عليك؛ فقال الشاعر:
ولا آتي بلاداً أنت فيها
ولو حزت الشآم مع الثغور
فقال له معن : البلاد بلاد الله ؛ إن نزلت فمرحبا بك، وإن رحلت كان الله في عونك ؛ فقال الشاعر:
وأرحل من بلادك ألف شهر
أجد السير في أعلى القفور
فقال له: مصحوباً بالسلامة ؛ فقال الشاعر
أتذكر إذ قميصك جلد شاة
وإذ نعلاكَ من جلد البعير
فقال له: أعرف ذلك ولا أنكره ؛ فقال الشاعر
وتهوى كل مضطبة وسوق
بلا عبدٍ لديكَ ولا وزير
فقال له: ما نسيتُ ذلك يا أخا العرب؛ فقال الشاعر:
ونومك في الشتاء بلا رداء
وأكلك دائما خبز الشعير
فقال: الحمد لله على كل حال؛ فقال الشاعر:
وفي يمناك عكاز قوي
تذود به الكلاب عن الهرير
فقال له: ما خفي عليك خبرها ؛ إذ هي كعصا موسى؛ فقال الشاعر
فسبحان الذي أعطاك مُلكاً
وعلمك القُعودَ على السرير
فقال له معن : بفضل الله لا بفضلك ؛ فقال الشاعر:
فعجل يا بن ناقصةٍ بمالٍ
فإني قد عزمتُ على المسيرِ
فأمر له معن بألف دينار ؛ فقال الشاعر:
قليل ما أمرت به فإني
لأطمعُ منك بالشيء الكثير
فأمر له بألف دينار أخرى ! ؛ فقال الشاعر
فثلث إذ ملكت الملك رزقاً
بلا عقلٍ ولا جاهٍ خطير
فأمر له بثلاثمائة دينار ؛ فقال الشاعر:
ولا أدبً كسبت به المعالي
ولا خلق ولا رأي منير
فأمر له بأربعمائة دينار ؛ فقال الشاعر:
فمنك الجود والإفضال حقاً
وفيضُ يديكَ كالبحر الغزير
فأمر له بخمسمائة دينار؛ وما زال يطلب منه الزيادة حتى استكمل ألف دينار؛ فأخذها وانصرف متعجباً من حلم معن وعدم انتقامه منه ؛ ثم قال في نفسه: مثل هذا لا ينبغي أن يُهجى بل يُمدح؛ فاغتسل ولبس ثيابه ورجع إليه فسلم عليه ومدحه واعتذر له بأن الحامل له على هجوه المائة بعير التي صار الرهن عليها في نظير إغاظته له ؛ فأمر له بمائة بعير يدفعها في نظير الرهن ؛ وبمائة بعير أخرى لنفسه.
نكبة البرامكة وتفسير جديد لأبو الروس
كان لخالد أبو الروس المسرحي الشاعر تفسير خاص حول مأساة البرامكة ونكبتهم وغضبة هارون الرشيد عليهم ، فقد كان عليه الرحمة يقول خِلافاً لكل تفسيرات أهل التاريخ والتوثيق والآثار أن السبب الحقيقي في نكبة البرامكة هم الشعراء قاتلهم الله فقد قالوا شِعراً في مدحهم أغاظ هارون الرشيد خاصة أنه ملك وشاعر وصاحب حذر ، والكلمة تجرحه كما يجرحه السيف ويقرأ علينا بطريقته المسرحية هذه الحكاية مدللاً على رؤيته:
عندما سئل إسحاق الموصلي عن سخاء أولاد يحيى بن خالد قال: أما الفضل ففعله يُرضيك، وما جعفر فقوله يرضيك، وأما محمد فيفعل ما يجد، وفي يحيى يقول القائل:
سألت الندى: هل أنت حر، فقال لا
ولكنني عبد ليحيى بن خالد
فقلت: شراءً قال: لا بل وراثةً
توارثني من والد بعد والد.
وفي الفضل يقول القائل:
إذا نزل الفضل بن يحيى ببلدةٍ
رأيت بها عشب السماحة ينبت
فليس بسعال إذا سيل حاجةً
ولا بمكب في ثرى الأرض ينكت
وفي محمد يقول القائل:
سألت الندى والجود: مالي أراكما
تبدلتما عزاً بذل مؤيد؟
وما بال ركن المجد أمسى مهدماً؟
فقالا: أَحبنا في ابن يحيى محمد
فقلت: فهلا متما بعد موته
وقد كنتما عبديه في كل مشهد؟
فقالا أقمنا كي نعزي بفقده
مسافة يوم ثم نتلوه في غد
أبو نواس من ظرفاء أم درمان
كان الحسن بن هاني (أبو نواس) مثل ظرفاء أم درمان أحمد داؤود والهادي نصر الدين ومحمد حجي حسين وكمال سينا لا يحبون قبيح القول ولا قبيحي الوجوه ولهم فيها حكايات بالعامية وبالفصيح، وقد إتفقوا أن يسموا من يستقبحونه ترميزاً في المناسبات (عثمان الثقفي) وإن دل هذا على ظرفهم فإنه دليل كذلك على ثقافتهم قيل : أنه مر عثمان بن حفص الثقفي بأبي نواس وقد خرج من علة وهو مصفر الوجه، وكان عثمان أقبح الناس وجهاً، فقال له عثمان: ما لي أراك مصفراً؟ فقال أبو نواس: رأيتك فذكرت ذنوبي. قال: وما ذكر ذنوبك عند رؤيتي؟ فقال: خفت أن يعقابني الله فيمسخني قرداً مثلك.
أشواق شوقي
بالرغم من الأستاذ شوقي بدري إغترب منذ زمان طويل في بلاد الفرنجة إلا أنه مازال إلى الآن يتجول في حارات أم درمان القديمة بعقل حاضر وقلب عاشق و أعين حاذقة ما انفكت تحدق في الناس والأشياء بمحبة وفكرة ولطف فله ولأسرته بأمدرمان والمهجر البعيد السلام.
ومن الشخصيات التي حكى عنها شخصية عالم اللغة والشاعر والفارس القتيل شيخ الطيب السراج يقول بدري:
العم الطيب السراج عالم اللغة العربية والذي كان يعيش كفرسان العرب فقد قفز يوماً بحصانه إلى معدية شمبات قبل بناء الجسر وعندما استغرب الناس لحركته المرعبة التي كان فيه الكثير من المجاذفه رد قائلاً: أعلمه مِران القفز على الأساطيل.
لكن الشئ الوحيد الذي نسيه الأخ شوقي بدري أنه لم يخبرنا بتاريخ الحادثة هل قبل الحرب العالمية أم بعدها؟
البرق البادي في أشعار العبادي
حين كانت المدارس الثانوية مزاراً للطلاب لا تنقطع صلتهم بها بإنقطاع حصص الصباح والظهيرة، كانت أمسياتها تضِيء بالجمعيات الأدبية والمسرح والموسيقى ومناشط الكديت والبيادة وسِباق الضاحية وجميعات الكشافة والدورات المدرسية، ذهبت المدارس وذهبت الليالي واستبدلناها بشقق ضيقة لا تصلح للدراسة ولا تغري بالفراسة ولا الكياسة.
ومن المسرحيات التي كانت تؤدى في المدارس العباسه أخت الرشيد، كليوباترا وتاجر البندقية وبامسيكا والمك نمر، وكان الطلاب من المسرحيين والمشاهدين يحفظون عن ظهر قلب أشعار العبادي في مسرحية المك نمر ففي المك يقول العبادي:
التلب اللزوم مدخور يشيل العائله
يقدل بى مهل فوقه الحمولة الهائله
ياك مرق القبائل الفيك تسند المائله
فراج كربة الهم أبقبايلاً جايله
وفي شيخ العرب يقول:
سلام شيخ العرب تلب التقيلة اللازم
صمد الصافنات راس القبيلة الحازم
خريف الماحلة أب رعداً بيهدر رازم
كلامي عليك قليلاً ماهو قدر اللازم
وفي ريا يقول:
انا بت الرجال أهل الدَرَق والسيف
بت الما بهموا بي حساب الخريف والصيف
بت البحجو لي المرقوب يكرمو الضيف
إن كان شفتكم أنا ريا أفوتكم كيف
رؤية جديدة للثعالب
مسكين الثعلب فالكثير من الناس يظنون أنه محتالاً فقط وخبيث لكنهم ينسون أن قبيلة الثعالب مثل البشر فيهم الصالح والطالح وفي الآثم والناصح، فقد قرأت لأمير الشعراء حكاية الجمل والثعلب وقد أذهلني إعتراف الثعلب ومنذ ذلك اليوم أصبحت مدافعاً عن الصالحين فيهم وهم قليل.
فعليكم التدبر والفائدة والإفادة من هذه القصة الشعرية الخطيرة في أدب الحيوان، ونحن في زمان كثرت فيه ثعالب الأنس وهي تنام قريرة العين وفي غفلة وعلى أكتافها آلالاف القتلي وشلالات من الدم والجماجم يقول الأمير:
كانَ عَلى بَعضِ الدُروبِ جَمَلُ
حَمَّلَهُ المالِكُ ما لا يُحمَلُ
فَقالَ يا لِلنَحسِ وَالشَقاءِ
إِن طالَ هَذا لَم يَطُل بَقائي
لَم تَحمِلِ الجِبالُ مِثلَ حِملي
أَظُنُّ مَولايَ يُريدُ قَتلي
فَجاءَهُ الثَعلَبُ مِن أَمامِه
وَكانَ نالَ القَصدَ مِن كَلامِه
فَقالَ مَهلاً يا أَخا الأَحمالِ
وَيا طَويلَ الباعِ في الجِمالِ
فَأَنتَ خَيرٌ مِن أَخيكَ حالا
لِأَنَّني أَتعَبُ مِنكَ بالا
كَأَنَّ قُدّامِيَ أَلفَ ديكِ
تَسأَلُني عَن دَمِها المَسفوكِ
كَأَنَّ خَلفي أَلفَ أَلفِ أَرنَبِ
إِذا نَهَضتُ جاذَبتني ذَنَبي
وَرُبَّ أُمٍّ جِئتُ في مُناخِها
فَجعتُها بِالفَتكِ في أَفراخِها
يَبعَثُني مِن مَرقَدي بُكاها
وَأَفتَحُ العَينَ عَلى شَكواها
وَقَد عَرَفتَ خافِيَ الأَحمالِ
فَاِصبِر وَقُل لِأُمَّةِ الجِمالِ
لَيسَ بِحملٍ ما يَمَلُّ الظَهرُ
ما الحِملُ إِلّا ما يُعاني الصَدرُ