أيام الله السبعة

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

أيام الله السبعة

 

1

الزاهدون والمتعففون عما في أيدي الناس، الذين يراهنون على سعادة الروح أكثر من راحة الجسد لهم عبارة شهيرة (لوعلم الملوك ما نحن فيه من سعادة لجالدونا عليها بالسيوف)، وهي سعادة لا تتأتى لأصحاب الوظائف السيادية من رؤساء ووزراء وولاة، إلا من أتى هذه الوظيفة على مبدئية وشرف ورضا ونكران ذات، وهو حظ ينعمه الله على من يشاء في الدنيا والآخرة. أما غير ذلك فسوف يسلق بألسنة حداد واتهامات تطاله بالحق والباطل تنقص عليه حياته وحياة أحفاده حتى قيام الساعة.
وقد حكى يوما رئيس وزراء بريطانيا المحافظ إدوارد هيث الذي قاد المفاوضات الشاقة التي أدخلت بريطانيا للاتحاد الأوروبي، وقد استقال بعد حملة قاسية دارت حول أدائه السياسي، قال إنه نشأ في أسرة متواضعة، وقد زادت الحرب العالمية فقرهم بؤسا وحزنا، وكان يطالع كتبه الدراسية على ضوء الشموع للفاقة وانقطاع الكهرباء. كان والده حزينا لحالة ابنه وكان ينصحه قائلا: (ألا تترك هذه الدراسة المرهقة وتبحث لك عن مهنة شريفة تعيش بها؟!).
مرت الأيام وصار هيث قياديا ملء السمع والبصر ورئيسا لبريطانيا، الامبراطوية التي لا تغيب عنها الشمس، وعندما تكاثفت عليه الحملات من كل التيارات، كتابة وصوتا ومشاهدة، دخل عليه والده ذات يوم غرفته ووجده في نوبة غامرة من الحزن واليأس فقال له بصوت مملوء بالحنان والنصيحة التي جاءت متأخرة جدا (ألم أقل لك يا بني أن تبحث عن مهنة شريفة؟!). هي حكاية لا أجد أبلغ منها للذين يديرون أمر بلادنا هذه الأيام سيادة ووزارة وجيشا واقتصادا. المبدئية والصبر والشرف وحب الجماهير وإلا فابحثوا لكم عن مهنة شريفة!.

2

إلى السيد رئيس القضاء أرجو أن تضعوا في قانون الإجراءات والجزاءات قبل نِظر القضايا أن كل اسم غير لائق وجارح للذوق العالم يشطب قبل بداية الإجراءات ولي في ذلك حُجة. قيل أنه جاء رجل إلى الشعبي وهو قاضي يختصم إليه فسأله ما اسمك؟ قال: خركوش، فأمر الشعبي أن يؤتى بالسوط فقال له أمهلني ساعة حتى آتيك وأنا أحسن أهل الكوفة كنية. فأمهله حتى عاد إليه ثم قال له: ما اسمك؟ قال: أبو عمرو.

3

كان أستاذنا في الفلسفة يقول لنا لا ضير أن تجددوا في كل فترة من فترات ثقافتكم حين تزدهر أو تتعمق بأن تطوروا التعريفات لبعض المصطلحات المتَعارف عليها، وكان يردد علينا بعض تعاريف الصوفية ومنها: العزة معرفة الإنسان بحقيقة نفسه وإكرامها بأن لا يضعها (يجعلها وضيعة) لأغراض عاجلة دنيوية كما أن الكِبر جهل الإنسان بنفسه وإنزالها فوق منزِلتها.

4

من الكلمات المباركة التي يجب أن نستفيض في معرفتها وتفكيكها من أجل العمق والإستزاده من كراماتها الكلمة الطيبة ومنها الطَيب بفتح الطاء والطِيب بكسرها والطيبون والطيبات والأطباء واستخراج المعاني من هذه الكلمة ما لا يُحَد وما لا يقاس قال تعالى: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ}
وفي الحديث الشريف يقول الرسول صلى الله عليه وسلم من رواية أبي هريرة {الكلمةُ الطيبةُ صدقةٌ} .

5

والله العظيم وكتابه الكريم أن وصايا العالم الفقيه والمفكر أبو أُصبِيعة لهي أصدق وأشمل من قسم أبوقراط في الطب وحكم جالينوس وأقيم من التشريعات البلاستيكة التي صدرت ما بعد الحرب العالمية الثانية وأكثر واقعية من إدعاءات أطباء بلا حدود ، وإن أردتم إمتحاناً لما أقول فأقرؤوا منفستو أبو أُصَيبِعة في أخلاق الطب والأطباء.
1/ أن يكون الطبيب تام الخلق صحيح الأعضاء ذكيا.
2/ أن يكون حسن الملبس طيب الرائحة نظيفا.
3/ أن يكون كتوماً لأسرار المرضى لا يبوح بشيء من أمراضهم.
4/ أن تكون رغبته في إبراء المرضى أكثر من رغبته في الأجور، ورغبته في علاج الفقراء أكثر من رغبته في علاج الأغنياء.
5/ أن يكون حريصاً على التعليم والمبالغة في منافع الناس.
6/ أن يكون عفيفاً.
7/ أن لا يصف دواء قاتلاً لا يعلمه ولا دواء يسقط الأجنة.
8/ أن يعالج عدوه بنية صادقة كما يعالج حبيبه.
وأبو أصيبعة هو موفق الدين أبو العباس أحمد بن سديد الخزرجي الأنصاري الدمشقيين وهو من أشهر الأطباء والمؤرخين المسلمين، وهو صاحب كتاب (عيون الأنباء في طبقات الأطباء).

6

ومن نصائح الغزالي في إحياء علوم الدين للمعلمين والمتعلمين والتي أرجو لها أن تدخل في مقررات تدريب المعلمين والمعلمات ومقررات بخت الرضا رد الله غربتها هذه النصائح الجليلات يقول الغزالي قدس الله سره: على المعلم أن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن، ولا يصرح به وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ، فإن التصريح يهتك حجاب الهيبة ويورث الجرأة على الخلاف ويهيج الحرص على الإصرار.

7

من أدبيات السياسة ذات البعد الميكافلي للمنصور قوله: إذا مَدّ عدوك إليك يده فاقطعها إن أمكنك
وإن لم تستطع فقَبّلها.