خضر مسعود يكتب: الليلة غاب تومي خلوني يا خلايق
حروف مبعثرة
خضر مسعود
الليلة غاب تومي خلوني يا خلايق
لا تزال عالقة بذاكرتي تلك النهارات الغائظة في زقاقات الخرطوم شرق، حين كنا نلوذ من قيظها بظلال أشجار النيم الموزعة بلا ترتيب بين البنايات. تحت تلك الظلال الودودات جلست ستات الشاي، منافحات في صمت جميل، ونحن نأتي زرافات ووحدانًا، نحتسي الشاي ونرتشف القهوة، وكل مجموعة تناقش ما تراه القضية الأهم.
كنتُ دائمًا أحب مجالسة الأستاذ محمد عبدالله الأنصاري القَح (ود أبـوك)، البقاري المثقف، المبدع، والباحث في التراث والثقافة العربية. جلست إليه مرارًا، وكان قلبه معلقًا بكردفان. كانت صلته بالمبدعين الراحلين الدكتور عبد القادر سالم وعبد الرحمن عبد الله وثيقة إلى حدٍ أنه كلما استعصت علينا مسألة تراثية، خصوصًا في الغناء والإيقاعات، استشهد بحديث الدكتور عبد القادر سالم، وبلكنته الكردفانية البقارية المحببة يقول:
(اد القادر قال كذا وكذا).
وأنا من عشّاق الغناء بكل دروبه؛ مدمن حقيبة، وأعشق أبو الأمين ووردي وكابلي وعثمان حسين، وكل من غنّى فأطربنا لحّنا ومعنى. غير أن تجربة الأستاذ عبد القادر سالم كانت مختلفة تمامًا؛ لم تكن غناءً فحسب ولا إيقاعات مجردة، بل حياة كاملة ترسمها كلماته وتنسجها نغماته فنتجول مع ألحانه في ربوع كردفان نطوف بين وديانها وقيزانها ورهودها.
كنا، آنذاك، لا نعرف أسماء الإيقاعات، نطرب من أجل الطرب، تأخذنا النشوة وتحركنا الصلة الفطرية بالنغم، قبل أن نتعرّف لاحقًا على إيقاعات المردوم، والجراري، والتوية، والعجكو. إيقاعات استطاع عبد القادر سالم أن يضفي عليها بريقًا جديدًا وسحرًا خاصًا، فأخرجها من وديان كردفان إلى كبرى المسارح العالمية، تمثيلًا نبيلًا للسودان. فردد معه كل أهل السودان:
الليلة غاب تومي خلّوني يا خلايق
أعدّ نجوم الليل نار الغرام ضايق
صفقوا، وتمايلوا طربًا شفيفًا مع ليمون بارا واللوري حل بي، ومكتول وهواك يا كردفان، وجيناكي زي وزين هجر الرهيد يوم جفا.
صديقي (ود أبـوك)، لا أعلم أين هو الآن، ولا أيّ الرياح حملته في مساراتها، لكنه ظلّ منافحًا عن التراث الكردفاني، خصوصًا الغناء وإيقاعاته، شديد المحبة لـ (اد القادر سالم) و(اد رحمان) بلهجته الدافئة، معتبرًا إياهما سفراء للأغنية، وحملة رسالة الفن الراقي إلى عموم أهل السودان، بل إلى العالم أجمع.
رحم الله عبد القادر سالم، وعبد الرحمن عبد الله، وجميع مبدعي بلادي.