
دعوة عاجلة للسلف لمحاضرة الخلف
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
دعوة عاجلة للسلف لمحاضرة الخلف
كان أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله لسنوات أو بالأحرى كان (الصندوق الأسود) لأسرارالمصطفي صلى الله عليه وسلم العامة والخاصة بلغة اليوم، وقد شهد رضي الله عنه وقدس سره أفعال المصطفى واحاديثه وفرحه وحزنه بالدعوة فكان كل حديث يقوله فكرة ومنهجاً وقدوة ،وكان رضي الله عنه آخرمن بقي من الصحابة وقد كُتب له أن يشهدة دولة بني أمية التي ثارت فيها الفتن والمحن والأحداث مما صعب تفسيره على العاقل والصالح وشابت لهوله الوجدان.
ومن النكبات التي أصابت الرجل الصالح موقف الحجاج بن يوسف الثقفي السفاح منه وبالرغم من كل الذي قيل حول دولة بني أمية إلا أن عبدالملك بن مروان كما كان يقول الثقاة من أهل التاريخ أنه كان فقيهاً وعالماً ورجل دولة وصاحب تقدير.
ولإعادة قراءة سير أولئك الكبار وإن إختلفنا معهم في بعض ما اقترفوا إلا أن الخُلق الوعر والتدارس المُفصح يقضي علينا أن نضع الأمور في نصابها ونمنح كل صاحب حق حقه وهذه دعوة لتقرؤوا معي هذه الحكاية التي اقترحتها يوماً في مقررات التريبة والتعليم لمدارسنا الثانوية مع التمحيص وتجويد الإسناد والمتن واستخراج العبر يقول الشاهد حول الحكاية في البداية والنهاية لابن كثير والآخرين من المعاصرين.
جسارة الحقير على الصحابي الأمير
كان الحجاج بن يوسف الثقفي أميرًا على بلاد العراق ، وكان أنس بن مالك رضي الله عنه خادم الرسول صلى الله عليه وسلم وأخر الصحابة موتًا ورحيلًا يعيش في إمارته، وكان أنس بن مالك يفتخر دائمًا بخدمته للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حيث عمل في خدمته ثماني سنوات ، وكان فيهما أحد تلامذته الذين تتلمذوا على يده ونقلوا عنه علمًا كثيراً . دخل أنس بن مالك على الحجاج بن يوسف الثقفي ذات يوم ، فلما رآه الحجاج قال له:
إيه يا أنيس (وقد أراد بها الوغد هذا الإساءة لصاحب رسول) يوم لك مع علي ويوم لك مع ابن الزبير ويوم لك مع ابن الأشعث ، والله لاستأصلنك كما تستأصل الشأفة ولأدمغنك كما تدمغ الصمغة ولأعصبنك عصبة السنمة ( وهي نوع من الشجر ) .
فقال الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه بنوع من التعجب:
إياي .. يعني الأمير أصلحه الله ؟ وفي قوله إياي أنه لم يصدق بأن الإساءة له، وقد عنا بها إياي يعني؟
فقال الحجاج : إياك صك الله سمعك.
فقال أنس بن مالك حينها :
إنا لله وإنا إليه راجعون والله لولا الصبية الصغار ما باليت أي قتلة قُتلت ولا أي ميتة مت.
ثم خرج بعدها من عند الحجاج وكتب إلى أمير المؤمنين عبدالملك بن مروان يخبره بما قاله الحجاج له.
رسالة أنس التي أشعلت التاريخ
بسم الله الرحمن الرحيم إلى عبدالملك بن مروان أمير المؤمنين من أنس بن مالك أما بعد : فإن الحجاج قال لي هجرًا ، وأسمعني نكرًا ، ولم أكن لذلك أهلاً ، فخذ لي على يديه فإني أَمُتث بخدمتي لرسول الله صلّ الله عليه وسلم وصحبتي إياه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فلما بلغ الكتاب عبدالملك بن مروان غضب غضبًا شديدًا واستنكر فعلة الحجاج ، ثم بعث إلى إسماعيل بن عبدالله بن أبي المهاجر الذي كان صديقًا مقربًا للحجاج ، وأعطاه كتابين أحدهما للحجاج والأخر لأنس بن مالك ، وقال له انطلق إلى العراق وابدأ بأنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبلغه سلامي ثم قل له أنني كتبت إلى الحجاج الملعون كتابًا لو قرأه كان أطوع لك من أمتك ، والأمة هي الخادمة.
الفعل الواثق والرد القاصم لعبد الملك بن مروان
وكان الكتاب الذي بعث به عبد الملك بن مروان لأنس بن مالك يقول فيه : بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الملك بن مروان إلى أنس بن مالك خادم رسول الله صلّ الله عليه وسلم أما بعد : فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت من شكاتك الحجاج ، وما سلطته عليك ، ولا أمرته بالإساءة إليك ، فإن عاد لمثلها فأكتب إليّ بذلك أنزل به عقوبتي ، وتحسن لك معونتي والسلام
فلما قرأ أنس بن مالك رضي الله عنه كتاب أمير المؤمنين قال : جزاه الله عني خيرًا فقد كان هذا هو ظني به ورجائي منه ، وبعدها انصرف إسماعيل حامل الكتابين إلى الحجاج بن يوسف ودخل عليه ، فرحب به الحجاج ولكن حينما أخبره بما جاء فيه استوى الحجاج في جلسته وقرأ خطاب أمير المؤمنين وهو يتعرق ، ولما أنهاه تعجل في الذهاب إلى أنس بن مالك لكي يسترضيه.
رسالة عبدالملك التي ارتعدت لها فرائص الحجاج
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى الحجاج بن يوسف أما بعد ، فإنك عبد طمت بك الأمور فسموت فيها ، وعدوت طورك وجاوزت قدرك ، وركبت داهية إدًا ، وأردت أن تبورني ، فإن سوغتكها مضيت قدمًا ، وإن لم أسوغها رجعت القهقري .
فلعنك الله من عبدًا أخفش العينين منقوص الجاعرتين ، أنَسيت مكاسب أبائك بالطائف وحفرهم الآبار ونقلهم الصخور على ظهورهم في المناهل ، يا ابن المستفرية بعجم الزبيب والله لأغمرنك غمر الليث الثعلب والصقر الأرنب ، وثَبَت على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ، فلم تقبل له إحسانه ولم تتجاوز له عن إساءته جرأة منك على الرب عزوجل واستخفافًا منك بالعهد.
والله لو أن اليهود والنصارى رأت رجلا خدم عزير بن عزرة وعيسى بن مريم لعظمته وشرفته وأكرمته ، فكيف وهذا أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني سنين ، يطلعه علي سره ويشاوره في أمره ، ثم هو مع هذا بقيه من بقايا أصحابه ، فإذا قرأت كتابي فكن أطوع له من خفه ونعله وإلا أتاك منى سهم بكل حتف قاض ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون.
ومضي الحجاج لصاحب رسول الله خاضعاً ومعتذرا
حينما أنهى الحجاج قراءة كتاب أمير المؤمنين ارتعدت فرائصه ، وذهب إلى أنس بن مالك رضي الله عن وأرضاه حافياً ومخاطبًا إياه بكنيتة : يا أبا حمزة ، وهي كنية كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولها له ، وأخذ يسترضيه ويطلب عفوه حتى صَلٌح بينهما الأمر.
خاتمة
عزيزي القاري أرجو أن تتأمل ملياً في الحكاية كاملة ولك الحق في الإضافة والتدبر لما حدث فالتاريخ ليس زيارة للسلف في الماضي وإنما هو إستدعاء مطلوب لمحاضرة الخلف في الحاضر .