
أشياء للذكرى وأشخاص للفكرة
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
أشياء للذكرى وأشخاص للفكرة
الظلاميون
كمّل الأطباء العملية الجراحية لأحد المواطنين في مستشفى إحدى مدن الشمال بضوء الهواتف النقالة، بعد الانقطاع المفاجئ للتيار الكهربائي. هاتفني ابن الرجل مشيداً بجهد الأطباء الذين أنقذوا والده وهم يتصببون عرقاً في أقسى حالة يمر بها طبيب ومريض. قال لي بنبرة هي مزيج ما بين الحزن والغضب: (لماذا تصر عصابة دقلو المجرمة على هذا الاستهداف الممنهج لمحطات الكهرباء في كل أنحاء السودان، كأنما هنالك تواثق بينها وبين الممول الأجنبي بأن يواصلوا مخططهم البغيض في تعذيب الأبرياء في بلادنا؟). قلت: يا صديقي، إن الظلاميين والظلم والظلام وخفافيش الخرائب والسكاكين الطويلة في ليلة الغدر والعتمة، كل هذه الموبقات هي حلف واحد، ولكن متى كان في مقدور التتار القدامى والجدد أن يحجبوا وجه الشمس عن الضياء؟ ومتى كان في مقدورهم أن يطفئوا نور الله؟ والله مُتمٌّ نوره ولو كره الكافرون والمتوحشون والظلاميون.
رحم الله أستاذنا محمد التوم التيجاني
كان أستاذ التاريخ المربي العالم محمد التوم التيجاني يكتب على السبورة في أول حصة تاريخ لطلابه عبارة البغدادي، ويطالبهم بحفظها بالعربية والإنجليزية، وما زال حلم الرجل باقياً يورثه لأساتذة التاريخ الجدد. وما أحوجنا في هذا المنعطف الخطير لمعرفة أسرار تاريخنا، والأمم الساعية للنهضة لا تغرق في مفاخر تاريخها ولا تخجل من مساوئه وانكساراته، وكما يقولون إن أي فلم ناجح لا بد له من (بطل وخائن).
يقول البغدادي: ينبغي للإنسان أن يقرأ التاريخ، وأن يطلع على السير وتجارب الأمم، فيصير بذلك كأنه في عمره القصير قد أدرك الأمم الخالية، وعاصرهم وعاشرهم، وعرف خيرهم وشرهم.
وللعباسي أبيات شهيرات في هذا المعنى، وقد نصح فيها الإمام عبد الرحمن المهدي يوماً بقوله:
فاربأْ بنفسكَ أن تكون مطيّةً
للخادعين وللسياسة مَعْبَرا
وحاذِرْ من رُسل القطيعةِ إنهم
رهطٌ قد انتظموا ببابكَ عسكرا
ما ساقهم حبٌّ إليكَ وإنما
حُشِروا وجيء بهم لأمرٍ دُبِّرا
ولأنْ تبيتَ على الطوى وتظلَّهُ
وتضمَّ شملَ المسلمين وتُنْصَرا
خيرٌ، ففي التاريخ إن قلّبتَهُ
عظةٌ لذي نظرٍ وعى وتدبّرا
شعار على واجهة جامعة الدول العربية
إن توثيق الشعر الجميل والمعبر يختلف فيه أهل الرواية والنقد، فقد زعم أنها لمسلم بن يزيد العدوي، وقد زعم آخرون أنها لعبد الله بن المبارك. ولو حق لهذه الأبيات أن تعبّر عن الراهن السياسي العربي الراهن، لعلّقناها على واجهة جامعة الدول العربية، عليها الرحمة ولنا الصبر والسلوان.
حتى متى لا ترى عدلاً تسرّ به
ولا ترى لدعاة الحق أعوانا
مستمسكين بحقٍّ قائلين به
إذا تلوّن أهل الجور ألوانا
يا للرجال لداءٍ لا دواء له
وقائد القوم أعمى قاد عميانا
عثمان الخياط مفكراً للدعامة
نحن متأكدون بأن قيادات الدعم السريع، أو بالأحرى النهب السريع، لا تتقيد بقرآن ولا حديث ولا حكمة ولا أقوال في مكارم الأخلاق، وما داموا قد أصبحوا لصوصاً يسرقون أموال الأبرياء، ويسرقون أعراضهم وأنفسهم، ويتاجرون في أعضائهم، ويحرقون جثثهم ودماءهم، فإنا ننصحهم أو نجلدهم بنصيحة عثمان الخياط شيخ الشطار واللصوص، فهو لعمري أكرم منهم وأعف، حيث يقول:
ما سرقتُ جاراً وإن كان عدواً
ولا كريماً، ولا كافأتُ غادراً بغدره.
كلمات لا يعقلها كاكا
كنا في الجامعة مولعين بكتابة الشعارات التي تصلح للحفظ، أما التطبيق فإنا نكِله لتوفيق الخالق العظيم، ولكن الكلمة الطيبة والشعار الصالح ينبضان بالقدوة ولو بعد حين. ومن الشعارات التي كنا نحفظها أقوال الفضل بن عياض، ومنها قوله قدس الله سره:
(لا يكون الرجل من المتقين حتى يأمنه عدوه ولا يخافه صديقه).
إنها فلسفة حسن الجوار يا كاكا!
أما العريان فهو…
كنت أكتب في (ألوان) في كل جمعة باباً مقروءاً من التراثيات (وله زبائن ومحبين) تحت عنوان (أسمار الجمعة)، وذات مرة نصحني الصديق الظريف خفيف الروح الراحل عمر محمد الحسن كاهن، صاحب الباب الشهير (غير قابل للنفي)، بعبارة لعبد الله بن المبارك حين تحدث عن القُصّاص. وقال لي في اليوم التالي: لقد حذفتها لأنها فيها تماثل لأحول الصحفيين والإعلاميين والمراسلين، وضجّ في ضحكة عالية خالصة لوجه الحياة والحياء، وقد عُرف بها، عليه الرحمة. ولا ضير أن نعيدها، فقد ذهب زمان المواربة والاتقاء، وهذا زمان (السوشيال ميديا) الذي تقف تحت مظلته قيم الحلال والحرام، والعياذ بالله، كتفاً بكتف. فقد سأل بن المبارك سفيان الثوري يوماً:
من الناس؟
فقال: العلماء.
فمن الأشراف؟
فقال: المتقون.
فمن الملوك؟
فقال: الزهاد.
فمن الغوغاء؟
فقال: القُصّاص الذين يأكلون أموال الناس بالكلام.
فمن السفهاء؟
فقال: الظَلَمة.
ولو حُقّ لنا الإضافة لقلنا: من هم العراة؟ ولكانت الإجابة: هم الملتحفون (بالملايات المتحدة الأمريكية).
الحبل خشم بيوت
وفي باب التعريفات للقصيدة الحرة لمريد البرغوثي، إذ يقول رحمه الله تعريفاً للحَبْل، والحبل في العالم العربي، يا مريد، له تعريفات كثيرة وتخصصات أكثر، تبدأ بالقيد وتنتهي بالمشنقة، لكن الشاعر خففها هنا من أجل السخرية والتدبر الغامض.
قالت ربة البيت:
الغسّالة الأوتوماتيكيةُ الفخمة
لا تدخلها إلا الملابس المتَّسِخة
وحَبْلُ الغسيل المشبوحُ بين مسمارَيْن
لا يحملُ إلا ما هو نظيف.
من حكايات أبوظبي والخرطوم
حكاية سودانية إماراتية. كان طلابه بالإعدادية الإماراتية متعلقين به لعلمه وأخلاقه وتلقائيته وتواضعه. وبعد مجزرة الفاشر وانتشار فظائعها في كل العالم، تقدم باستقالته دون إبداء أسباب. ودعه طلابه بالدموع، وودعهم بأغزر منها. وقد باءت محاولة طلابه بالفشل لإثنائه عن قراره المفاجئ الحزين. ذهبت مجموعة كريمة منهم وودعته مع أسرته في المطار، وحين تقدم صوب مدرج المغادرة سلّم أحد طلابه الموثوق بهم مظروفاً، وأمره بأن لا يقرأه إلا حين تغادر الطيارة ويصل هو إلى منزله المأمون. حينها فتح المظروف بحذر، ووجد العبارة التالية:
إلى كل الأهل والأصدقاء من مواطني الإمارات الشقيقة، غادرت مُكرهاً لأني لم أحتمل ما يحدث لبلادنا، كما أنني لم أحتمل الإتهامات المؤكدة التي تنتاشكم ليل نهار، فقررت الرحيل حتى تبقى تلك الصورة الزاهية عنكم في قلبي. أنا راجع إلى السودان رغم الداء والعداء، واعلموا أن في رسالتي تبعيضاً لا بد منه، فإني أشهد أنكم لستم جميعاً في دائرة الإتهام. وقد صدق المتنبي متمثلاً في حقكم وحقي بأبياته النواضر:
وَمُنتَسِبٍ عِندي إِلى مَن أُحِبُّهُ
(وَلِلنَبلِ حَولي مِن يَدَيهِ حَفيف)
فَهَيَّجَ مِن شَوقي وَما مِن مَذَلَّةٍ
حَنَنتُ وَلَكِنَّ (الكَريمَ أَلوف)
وَكُلُّ وِدادٍ لا يَدومُ عَلى الأَذى
دَوامَ وِدادي لِلحُسَينِ ضَعيفُ
(فَإِن يَكُنِ الفِعلُ الَّذي ساءَ واحِداً)
فَأَفعالُهُ اللائي (سَرَرنَ أُلوفُ)
وَنَفسي لَهُ نَفسي الفِداءُ لِنَفسِهِ
وَلَكِنَّ بَعضَ (المالِكينَ عَنيفُ)
وفي آخر الخطاب أجد نفسي متوشحاً بأبيات العامية الصريحة الفصيحة لأحد الشعراء المغادرين:
يا بحر الخليج ساحلك شواني رطوبة
رملك صَرّ جمر فوقو الشمس مقلوبة
زيتك والمدن وجناينك المجلوبة
ما بتوزن ولا اااا في أمبدة ضل راكوبة.