بشير عبد الرحمن يسرد القصة الحقيقية لإنقاذ الطفل محمد أبو سبعة في حادث سودانير

بشير عبد الرحمن يسرد القصة الحقيقية لإنقاذ الطفل محمد ابو سبعة في حادث سودانير

مقدمه :-

 

 

يعتبر حادث طائرة الخطوط الجوية السودانية ( B737 ) قرب مطار بورتسودان بتاريخ 8/7/2003 من أسواء حوادث الناقل الوطنى سودانير وهي شركة عريقة مشهود لها بتوخى الدقة وتطبيق أعلى معايير السلامة في كل أنشطتها الطيرانية ولديها طاقم عمل جوي وارضي يتميز بالكفاءة والتأهيل المهني العالي ،ولكن ورغم الإلتزام الصارم بمطلوبات السلامة إلا أن الحوادث تقع من حين لآخر لكل شركات الطيران فى العالم وسودانير ليست استثناء، وغالبية حوادث الطائرات ترجع للأعطال الفنية والأخطاء البشرية ورغم ذلك يعتبر الطيران من أكثر وسائل السفر أمانا فى العالم .

بالنسبه للحادث الأليم الذي وقع بالقرب من مطار بورتسودان للطائرة المنكوبة فسوف أتجاوز الحديث عن الجانب الفني وبعض التفاصيل ذات الصلة بالحادث نظراً لطول أمد الفترة الزمنية ونظراً لمقتضيات وأخلاقيات المهنة كما أننى لا أود أن أكون سبباً في ( تقليب المواجع ) لدى أسر وذوي شهداء الحادث والتمس منهم العذر لمقالي هذا الذى ما قصدت منه إلا توضيح بعض الحقائق للجيل الحالي حول الحادث وكيفية وحقيقة وقصة إنقاذ الطفل ( محمد ابو سبعه ) التى صاحبتها الكثير من الإشاعات والروايات غير الحقيقيه ومن نسج خيال رواتها وصدقها في حينها الكثير من الناس، وسيأتي الحديث عن قصة الإنقاذ هذه في تسلسل سياق هذا المقال وذلك باعتبارى أحد شهود العيان ومن أوائل الذين وصلوا إلى موقع الحادث ومن هنا أبعث التحية للطفل ( محمد ابو سبعة ) متعه الله بالصحة والعافية ، وهو اليوم شابا فتيا بعد أن كتب الله له عمرا في معجزة الهيه نادرة تحكى عظمة وقدرة المولى عز وجل، والرحمة والمغفرة لكل شهداء الحادث الأليم الذين نحسبهم شهداء عند ربهم يرزقون .

مقتطفات حول الحادث :-
1/ عند الساعة الرابعة والثلث فجرا على ما اذكر رن جرس الهاتف الداخلى لكبانية المطار والموجود معى بغرفة النوم وتوجست خيفة من هذا الاتصال غير المألوف في هذا الوقت الباكر وصدق حدسي إذا كان على الطرف الآخر الابن ( شهاب محمد عبد الرازق ) فنى التبريد بالمطار ويبدو أن ضابط المطار حينها ( حميده حسين النور ) قد كلفه للاتصال على شخصب لانشغاله هو بالتعامل مع الحادث ،وقال لي بدون أي مقدمات وبصوت مضطرب:( يا سيد بشير طيارة سودانير وقعت ومرسلين ليك العربيهة ) ،وخلال دقائق كنت أقف أمام بوابة المنزل مرتديا الزى الرسمي لضباط المطار وفى ذات اللحظه وصلت العربة بوكس جياد غمارتين تتبع للمطار وبداخلها الاخ ( عبد المنعم الصافي) كبير ضباط المراقبة الجوية ) والاخ سمير ( موظف سودانير ) والاخ ( عادل عبده سعيد ) مدير أمن الطيران .
ألقيت عليهم التحيه وركبت معهم وسألتهم مباشرة أين موقع الحادث وكانت الإجابة ان الحادث خارج أسوار المطار ولا يعلموا مكانه تحديداً ولكنهم شاهدوا ألسنة النيران المشتعله وقررنا ان في اتجاهها.

سألتهم مرة أخرى ما الذى حدث بالضبط، فقالوا لي أن الطائره وبعد مغادرتها المطار بربع ساعه طلب كابتن الطائرة العودة للمطار لوجود عطل فنى بالطائره وتوقفت إحدى الماكينات عن العمل وعند محاولته الهبوط على المدرج فشلت المحاولة لصعوبة السيطرة على الطائرة ومن ثم ارتفع بالطائرة مرة أخرى ليأخذ دورته لتكرار محاولة الهبوط إلا أنه لم يعد مرة أخرى وانقطع الاتصال معه وشاهدنا ألسنة النيران العاليه من مكان سقوط الطائرة.

2/ ونحن نسير على طريق الأسفلت الرئيس للمطار وجدنا ضابط المطار المناوب ( حميده حسين النور ) متحركاً نحو موقع الحادث تكلمنا معه وأكد أنه أخرج عربة الدفاع المدني وعربة الإسعاف إلى موقع تحطم الطائرة فطلبت منه أن يعود ليرابط بالمطار لتكملة الإجراءات الإدارية من إتصالات والرد على المكالمات الوارده وخلافه وبالفعل رجع إلى المطار وتحركنا نحن مسرعين في إتجاه النيران التى لا زالت ظاهره للعيان .

3/ عند وصولنا إلى نقطة محاذاة الموقع مع الشارع الرئيس نزلنا بالعربه الي المنطقه الترابية وهى معظمها رملية وبها مجارى مياه وكمية من أشجار المسكيت الكثيفة وعانينا كثيراً لعدم وجود طرق ممهده بالاضافة الي الظلام الدامس واعتمادنا في الرؤيه على الأضواء الكاشفه للعربية، ونحن في محاولاتنا تلك في العثور على مدخل نعبر منه لاح لنا في أضواء العربة أحد أبناء وسكان المنطقة من قبيلة الهدندوه وهو يحمل عصاه ( الفرنيب) ويرفع يده لنقف له وعندما وصلنا عنده وجدناه العم ( قويلاى عيسى ) وهو يعمل خفيرا معنا فى المطار، وبعد السلام تسائل قائلاً ( في إيه يا جماعه نحن قلنا إسرائيل ضربنا بصاروخ ) ،فقلنا له أن هذه طائرة سودانير سقطت في هذه المنطقة، فقال لنا أن مكان السقوط قريب من بيته وهو يعرف طريقا سيقودنا عبره الي الموقع.
حمدنا الله على سلامته هو وأسرته وركب معنا وأخيراً وصلنا إلى موقع الطائره ( العم قويلاى عيسى ) ارتبط اسمه لاحقاً بشائعة العثور على الطفل ( محمد ابو سبعه ) .
4/ عند وصولنا وجدنا أن عربة الدفاع المدني وعربة الإسعاف بالموقع بقيادة حضرة الصول ( يعقوب أبكر كاكوم ) وطاقمه من أفراد الدفاع المدني ومن هنا نحيهم وكانوا قد قاموا باطفاء ألسنة اللهب الكبيره وتبقت بعض النيران الصغيرة هنا وهناك وهي منتشره على طول مساحة تحطم الطائره، وقال لي حضرة الصول للأسف لم يتم العثور على أحياء من ركاب الطائرة.

ومن الملاحظات الاوليه أيضاً أنه لم يكن هناك أجزاء كبيرة من جسم الطائرة ما عدا جزء بسيط من مقدمة الطائره وليس هناك أي أثر لمقاعد الطائرة وامتعة الركاب وباقى ملحقات جسم الطائره بمعنى شبه انعدام كامل للطائرة ويرجع السبب في ذلك لقوة الارتطام وكثافة النيران فتحطم ما تحطم من جسم الطائره واحترق ما احترق منها .

5/ القصه الحقيقيه للعثور وكيفية إنقاذ الطفل ( محمد ابو سبعة ) :-

بالرغم من إفادة حضرة الصول لنا بأنهم لم يعثروا على أحياء إلا أننا قررنا واتفقنا أن نقوم بعملية بحث ميدانية جماعية لعل وعسى أن نجد من كتب الله له عمرا، وأثناء عملية البحث توقف جندى الدفاع المدنى ( مجدى ) وقال أنه يسمع صوت أنين وأشار إلى مصدر الأنين وسط الحطام وحتى هذه اللحظة لم تكن الشمس قد اشرقت بعد .

فطلبنا من الجندى ( مجدى ) الدخول إلى حيث أشار وعند دخوله ووصوله الي الموقع الذى سمع منه صوت الأنين صاح بنا بأن هناك طفل على قيد الحياه وطلب منا المساعدة لإخراجه من وسط الحطام وعند وصولنا له أشار إلى ان الطفل يرقد مستلقيا على ظهره وكان نصفه الاسفل تحت دولاب أو ما شابهه ( أعتقد أنه الدولاب الذى تحفظ فيه المواد الغذائية الموجود فى موقع المضيفات فى مقدمة الطائره وخلف قمرة القيادة)، ونصفه الاعلى كان خارج الدولاب ،وعند محاولة رفع الدولاب لسحب الطفل كان حديد الدولاب شديد السخونة من جراء لهب النيران وتعذر رفعه بالأيدي، وتمت الإستعانة بالعصا التى كان يحملها العم ( قويلاى عيسى ) وكان يقف خارج الحطام ،وعن طريق هذه العصا تم رفع الدولاب وسحب الطفل من تحته وكانت كل ملابسه مبتله بوقود الطائرة وتم نزعها عنه وإحدى رجليه مبتوره من حد كعب القدم وملتحمه وليس هناك نزيف دماء، واعتقد أن سبب التحام مكان الجزء المبتور من القدم وتوقف النزيف بسبب سخونه الدولاب والله اعلم ).

وبسرعة استلمه حضرة الصول ( يعقوب أبكر كاكوم ) وسلمه لطاقم العربه الإسعاف وطلب منهم الذهاب بسرعه الي مستشفي بورتسوان العام .

وهذا بالضبط ما حدث في عملية العثور وإنقاذ الطفل ( محمد ابو سبعة ) وشهود العيان أحياء يرزقون ،ومن هنا أؤكد تماماً بأنه لم يتم العثور عليه معلقاً بشجرة ولم يتم إنقاذه بواسطة إعرابى كما راج بين الناس في تلك الأيام وهذا من باب توضيح الحقائق فقط لا غير .

بربكم أليست قصة بقاء هذا الطفل حيا هى معجزة وقدرة إلهيه من المولى عز وجل بأن من يكتب الله له عمرا يهيىء له من الأسباب ما شاء ( سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ) .

وهل تعلمون أن عدد ركاب الطائره الكلي كان ( 116 ) راكبا استشهدوا جميعهم رغم قوتهم الجسدية ولم يخرج منهم حيا سوى هذا الطفل البريء وعمره حينها سنتان فقط وهو العاجز حتى عن إدراك ما يجري حوله ،وتخيلوا معى أن قوة الارتطام وشدة النيران وكثافة الدخان وتوقف نزيف الدم من القدم ورغم كل هذه العوامل القاتله صمد وظل حيا بل حتى لم يفقد وعيه وصوت انينه كان من أكبر أسباب إكتشاف موقعه وإنقاذه ( حقا انها قدرة الله سبحانه وتعالى ) وصدق من قال أعطنى عمرا والقنى في البحر .

أحداث فى نقاط مختصرة :-

مع بداية شروق الشمس حضر إلى الموقع مجموعه من أفراد القوات المسلحة من المطار ومن المعسكر الذي يقع في الجهة المقابلة لمكان الحادث وتمت الإستعانة بهم في بعض الإجراءات لهم التحيه والتقدير .

قمنا بتشكيل لجنة مشتركه لجمع مقتنيات الشهداء القيمه من نقود وتلفونات شخصيه ومصوغات ذهبية تم نزعها من ايدى النساء ولاحقاً تم تسليمها إلى اللجنة الرئيسية التي بدورها سلمتها لأهل وذوى الشهداء .

عثر على الصندوق الاسود للطائره الاخ ( عبد المنعم الصافي ) كبير ضباط المراقبة الجوية واخطرنى بالعثور عليه ووصعنا حراسه عليه حتى لا يتم تحريكه لأهميته البالغه في إجراءات التحقيق في حوادث الطائرات .

كما أشرت في سياق المقال لم نجد أي أمتعة خاصة بالركاب لاحتراقها بالكامل ولم نعثر سوى على شنطة هاند باق صغيره غير محترقة سُلمت لاحقا لذوى صاحبها الشهيد بعد أن تعرفوا عليها ،كما تم العثور على حقيبة سامسونايت ومن محتوياتها اتضح أنها تخص سعادة اللواء الركن الشهيد ( نور الهدى فضل الله ) قائد الدفاع الجوي والذى كان متوجهاً الي العاصمه الخرطوم في مهمة رسمية ،وتم تسليمها الي السيد قائد المنطقة، والشهيد اللواء ( نور الهدى فضل الله ) هو من أهلي وعشيرتى من بلدتنا ( تنقسي الجزيرة/ المنوراب ) رحمة الله تغشاه في قبره ،وكان استشهاده مرا وقاسيا على كل الأهل وزملاء الشهيد لما كان يمتاز به من حسن المعشر وكريم الخصال .

بعد أن انتشر خبر سقوط الطائره حضر أهالي بورتسودان عن بكرة أبيهم حكومة وشعباً الي موقع الحادث والحزن على وجوههم واصوات البكاء الحار والنحيب مع أسر وذوي الشهداء في مشهد يحكى شهامة وترابط مجتمع مدينة بورتسودان ، مما دفعنا إلى تطويق موقع الحادث بأفراد أمن الطيران وأفراد القوات النظامية للسيطره ولمنع دخول المواطنون الي موقع الحطام ،وبعدها تم دفن جثامين الشهداء في مقبرة جماعية بموقع الحادث بعد تجهيزهم وتكفينهم والصلاة عليهم فى جمع رهيب.

ختاماً ..مرة أخرى أكرر اعتذارى لأسر وذوي شهداء الحادث المأساوي لإثارتى هذه الذكريات المؤلمة والتى لا زالت حيه في قلوبهم ،واتقدم أيضا باعتذاري لكل من كان حضوراً وفاتنى ذكر إسمه سهوا أو نسياناً وليس عمدا والرحمة والمغفرة لكل شهداء هذه الحادثه .

مع شكري وتقديري للجميع
والله من وراء القصد

حفظ الله البلاد والعباد
الدين لله والوطن للجميع

بشير عبد الرحمن بشير
مساعد مدير عام شركة مطارات السودان المحدوده ( السابق )
القاهره / 21 ديسمبر / 2025م

نقلا عن طيران بلدنا