أشواقٌ وأشواك وأفراحٌ وأتراح

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

أشواقٌ وأشواك وأفراحٌ وأتراح

1
إن الثائرين ضد الإستعمار القديم والجديد ملة واحدة في جميع القارات وفي جميع الديانات والعقائد ما دام أنهم يسعون لتحرير الإنسان من سوءات الجهل والمرض وصانعيه ومن هؤلاء الثوار الذين يستحقون الإحتفاء الثائر البوليفي تيشي جيفارا الذي حارب في كل القارات ضد ظلم الإنسان لأخيه الإنسان تشي جيفارا الذي دوخ كل المخابرات الإستعمارية ولم تستطع إصطياده أو إعتقاله لقي حتفه ببلاغ تبرع به راعي أغنام في بوليفيا وعندما سألوه لماذا وشيت بهذا الثائر الذي كان يدافع عن قضيتكم أجاب في سذاجة يحسد عليها: قد كان في معاركه في وادينا هذا يزعج أغنامي.
ولذلك فإن أي قضية لا يحميها الوعي قبل البندقية لن تنتصر وإن انتصرت فإنها لن تثمر وتشي جيفارا من غير مواقفه الثائرة له مواقف مأثورة تستحق الحفظ والإستدلال فقد قال يوماً:
حتى خصومك يجب تنتقيهم بعناية إياك أن تمنح الحثالة الحق بأن يكون نداً لك، وكلمات هذا المناضل هي هدينا لهيئة أركان القوات المسلحة في معركة الشرف الوطني والكرامة.

2

هنالك الكثير من الشعراء والكتاب الذي استخدموا حكم وبطولات الحيوان ترميزاً للواقع الراهن سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأشرهم صاحب كليلة ودمنة إبن المقفع و أمير الشعراء شوقي ومن الذين أجادوا في هذا الفن من خلال القصيدة الحرة الشاعر العراقي المناضل المفصح أحمد مطر والشاعر الفلسطيني الراحل مريد البرغوثي وكنا في الجامعة في نادي الشعر والقصة شديدو الإحتفاء بتجربته وتجربة محمد الماغوط وصلاح أحمد إبراهيم والتجاني سعيد ومن على شاطئ موهبته حفظنا مقطوعة البرغوثي الشعرية ( قالت الأفعى)
قالت الأفعى:
رغم أن البشر يلعنونني
أظل أفضل من بعضهم
وعندما ألدَغُ أحداً
فإنني، على الأقَلّ،
لا أدَّعي صداقتَه

3
قال أهل العلم لو كان أهل الشرك يعون أو يتدبرون لكانت الآيات التي نزلت في حق الشهيد أسد الله حمزة بن أبي طالب كافية لردعهم عن الشرك وردهم للهداية والرشاد ، وخاصة بعد المثلة التي توعد بها المصطفي أعداءه بعد أن رأي التشوية الذي ناله عمه وصديقه وحامي عقيدته حمزة وفيها وعنها نزلت الآيات طازجة من السماء في هذا الموقف الحزين لتمنع المصطفى عن هذه المشاعر الغاضبة وتؤدبه صلى الله عليه وسلم بأدب القرآن والمبدئة ومما روته كتب السيرة أن السيدة صفية بنت عبد المطلب شقية حمزة أرادت أن ترى جثة أخيها الشهيد فخاف عليها إبنها الزبير من هول المشهد إلا أن المصطفي قال لهم دعوها بعد أن شهد إلحاحها وعندما رأت رضي الله عنها شقيقها وأحب الناس إليها جُدِع أنفه وبُقرت بطنه وأُكلت كبده ورغم مرارة الموقف إلا أنها رضت برضا المؤمن العميق في قلبها واحتسبت وصبرت واسترجعت واستغفرت.
فإن كان هذا هو المدخل للقصة فإنه رواية إبن إسحق الجلية تقول:
قال ابن إسحاق : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما بلغني ، يلتمس حمزة بن عبد المطلب ، فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ، ومثل به ، فجدع أنفه وأذناه . فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين رأى ما رأى : لولا أن تحزن صفية ، ويكون سنة من بعدي لتركته ، حتى يكون في بطون السباع ، وحواصل الطير ، ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم . فلما رأى المسلمون حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيظه على من فعل بعمه ما فعل ، قالوا : والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب.
قال ابن هشام : ولما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة قال : لن أصاب بمثلك أبدا ما وقفت موقفا قط أغيظ إلي من هذا ثم قال : جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة بن عبد المطلب مكتوب في أهل السموات السبع : حمزة بن عبد المطلب ، أسد الله ، وأسد رسوله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمزة وأبو سلمة بن عبد الأسد ، إخوة من الرضاعة ، أرضعتهم مولاة لأبي لهب . [ ما نزل في النهي عن المثلة ]
قال ابن إسحاق : وحدثني بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي ، عن محمد بن كعب القرظي ، وحدثني من لا أتهم ، عن ابن عباس : أن الله عز وجل أنزل في ذلك ، من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول أصحابه : {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون} فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصبر ونهى عن المثلة.
وقد سار بين العرب شعر صفية رضي الله عنها وهي تقف امام الجثمان الطاهر والمشهد المهيب وتردد :

أَسائِلَةٌ أَصْحابَ أُحْدٍ مَخافَةً
بَناتُ أَبِي مِنْ أَعْجَمٍ وَخَبِيرِِ
تُسائِلُ عَنْ قَرْمٍ هِجانٍ سَمَيْدَعٍ
لَدَى الْبَأْسِ مِغْوارِ الصَّباح جَسُورِ
أَخِي ثِقَةٍ يَهْتَزُّ لِلْعُرْفِ وَالنَّدَى
بَعِيدِ الْمَدَى فِي النَّائِباتِ صَبُورِ
فَقُلْتُ لَها إِنَّ الشَّهادَةَ راحَةٌ
وَرِضْوانُ رَبٍّ يا أُمامَ غَفُورِ
فَإِنَّ أَباكِ الْخَيْرَ حَمْزَةَ فَاعْلَمِي
وَزِيرُ رَسُولِ اللهِ خَيْرُ وَزِيرِ
دَعاهُ إِلَهُ الْخَلْقِ ذُو الْعَرْشِ دَعْوَةً
إِلَى جَنَّةٍ يَرْضَى بِها وَسُرُورِ
فَذَلِكَ ما كُنَّا نُرَجِّي وَتَرْتَجِي
لِحَمْزَةَ يَوْمَ الْحَشْرِ خَيْرَ مَصِيرِ
فَوَاللهِ ما أَنْساكَ ما هَبَّتِ الصَّبا
بُكاءً وَحُزْناً مَحْضَرِي وَمَسِيرِي
عَلَى أَسَدِ اللهِ الَّذِي كانَ مِدْرَهاً
يَذُودُ عَنِ الْإِسْلامِ كُلَّ كَفُورِ
أَلا لَيْتَ شِعْرِي يَوْمَ ذاكَ وَأَعْظُمِي
إِلَى أَضْبُعٍ يَنْتَبْنَنِي وَنُسُورِ
أَقُولُ وَقَدْ أَعْلَى النَّعِيُّ بِهُلْكِهِ
جَزَى اللهُ خَيْراً مِنْ أَخٍ وَنَصِيرِ
ولو كان لنا تعليق حول الآية والموقف في زماننا هذا يستفاد منه لكان أن الأمة المؤمنة المطمئنة هي التي تجعل المبادئ أبداً فوق الأحداث والمآسي والجراح وصدق الخالق العظيم حين قال : {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون}

4

إشتهر شعراء البطانة بجمال الوصف وسرعة البديهة والعجلة المتأنية في التوصيف وهذا ما يسميه أهل الأدب والنقاد في حق الشاعر المجيد بأنه ( شاعر مطبوع) أي أن الشعر والروي والقافية اختلطت فصارت طبعا وقد اشتهر شعراء البادية بهذا الفن فقد رأي كرار ودكردم في لمحة عابرة وجه حسناء ذهبية اللون ممشوقة القوام ساطعة الطلعة والجبهة فقال قطع أخدر:
دمك صافى تحوير المعردب لونك
بدر الكون جبينك والضلمة قرونك
ما دام انتى زى نجف الخواجة عيونك
كيف يِدّاوى من المه ويطيب مجنونك

وقد سمعه شيخ العرب ودشوراني فرد البرقيه بأخطر منها قائلا:ً

يا ياقوتة الحضرى الحضارمى زبونك
عازة وغالية طلعن فى التريا تمونك
عاليا ضامرة هاف وقارن نونك
انكال بالجمال لامن دفق ماعونك
ومن الملاحظات الذكية للأخ الدكتور شيخ العرب والشاعر والدبلوماسي عبدالاله أبو سن في أصالة ود شوراني أن ياقوتة ود الحضري (عربية) ونجفة ودكردم صناعة ( فِرنجة) وهذا لا يقدح في إلتزامه ووطنيته ويبقى (أحلى الشعر أكذبه).

5

أخر التقارير تقول بأن الكثير من بيوت أم درمان قد عادت وعاد الكثير من السكان وغاب الكثيرون فها ياترى ستعود تلك الأمشاج والعلائق وحكاوي الحارات وظرفها وأسمارها وظرفاءها وأذكياءها ؟
قيل أن الصاغ حسن أبو العائلة أشهر اللعيبة السودانيين ورئيس نادي المريخ الصارم الذي شطب في يوم واحد التيم الأول للمريخ رغم إنتصاراته بمجرد تمرد عابر وكان في مقدمة هؤلاء إبراهومه سيد الإسم والكابتن كمال سينا فاكهة مجالس أمدرمان وقد اشتهر سعاتو أبو العائلة (بعصاة الكِريز) التي كان يحملها في حِله وترحاله ،وبعد تلك الأزمة مع الفريق الأول زار قطب المريخ عبدالرحيم عثمان صالح بمنزله بودنوباوي ملبياً لدعوة غداء فأخبر أحدهم كمال سينا بأن أبو العائلة في منزل عبدالرحيم فدلف لأقرب دكان يماني واشتري منه علبتين من الأنناس ودخل بلا إستئذان علي صالون عبدالرحيم ( الزعيم) ووضع أمامه علبتين الأنناس فتعجب الحضور من فِعلته وقال عبدالرحيم متعجباً: ( ده شنو العملتو ده يا سينا) فقال بسرعة بديهة عُرف بها: قالوا الجماعة جوك بالكِريز قلنا نجينك نحن بالأنناس، ضج المجلس بالضحك وكان ضحكة أبو العائلة هي الأعلى فصالحه وعانقه ودار بينهم تسامح واعتذار ولكن الراوية قال: لكنه رغم كل هذا لم يعيده إلى صفوف المريخ.
ولكمال سينا حكاية مع المشير البشير سوف نسردها في أعداد قادمة إن شاء الله.

6

العزيز (العريس ) سعد الكابلي الإعلامي الذي يكتب بأظافره وعقله إسمه على جدار الإعلام السوداني ويكفيه من العلم والتجربة أنه خرج من منزل فيه الوالد والأستاذ والمعلم والأديب والموسيقار والباحث عبدالكريم عبدالعزيز الكابلي، ولسعد الحق أن يدخل في زمرة الكثير من الأبناء المجتهدين لكثير من الآباء المجيدين بشهادة (هذا الشبل من ذاك الأسد) ولو كان لنا طلب منه والمطالب كُثر وعِظام فإننا نرجو منه من بين مشاغله أن يعكف على جمع وطبع كتاب ( الكابلي شاعراً) وتوثيق ما كتبه بالعامية والفصيح قبل أن يتلاشى هذه الجهد في صحارى الأحزان وآفة الشفاهية والنسيان ولأهمية هذا التكليف والرجاء الثقافي تحضرني أبيات الكابلي التي تطابق واقعنا الراهن تماماً وهذه دعوة لناشئة الفنانين ليجعلوها مقدمة للغناء والحداء والنشيد يقول الكابلي في مطولته الوطنية:
قد سئمناه صراخا وهتافا ليـس يجـــدي
قد ملـلنا كل من غير الذي يـبطن يبدي
قد كرهنا صولة الغافل ان الجهل يردي
ليست الثورة تهليلا وتطبيلاً لفرد
ليست الثورة تدعيماً وتكريساً لقيد
أو هتافا ارزقيا مسلط السيف لكيد
إنما الثورة أيد فوق أيد فوق ايدي
إنما الثورة جُهدٌ بعد جُهدٍ بعد جُهد
إنما الـثـورة حب وعطاء وتحدي
لـقِلاع الجهـل للفـقـر وللداء الألد
لشرور النفس للحقد وجور المستبد

7
قول العلماء الثقات إن أعلى مراتب الإيمان تقوم على إتقان الصنعة. وأوضح دليل على ذلك قصة سحرة فرعون الذين جاؤوا لمنازلة عصا موسى. فلما ابتلعت عصاه أفاعيهم المصنوعة، أدركوا أن ما رأوه ليس مما يعرفونه ولا مما تبلغه قدراتهم. فآمنوا برب موسى وهارون، وبإيمانهم واجهوا فرعون وتحدّوه. وتكشف الآية موقفهم الشجاع في وجه الطاغية:
{قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ (71) قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}
ويروى في السياق نفسه أن رجلًا جاء يومًا إلى الإمام الشافعي وسأله عن توحيد الله. فسأله الإمام: «ما مهنتك؟» قال: «فلاح». فقال له: «أتعرف ورق التوت؟» قال: «نعم يا شافعي، أزرع شجره وأجني ثمره». فقال الشافعي: «هذه الورقة الواحدة من التوت تأكلها دودة القز فتخرج حريرًا ناعمًا، وتأكلها النحلة فتخرج عسلًا شهيا، وتأكلها الشاة فيخرج منها لبناً صافيا شهيا، وتأكلها الغزالة فيخرج منها مسكا نقيا. المادة واحدة، والنتائج مختلفة، فمن الصانع؟»
فبكى الرجل، وأخذ يردد تكبير الله حتى اجتمع الناس حوله، وصارت كلمات الشافعي، على بساطتها وعمقها، حديث المدينة.
فيا أهل السودان، إن أردتم الإيمان الكامل فأتقنوا صنعتكم. فإتقان الصنعة هو السد الحقيقي أمام الإختراقات، وهو مفتاح النصر في معركة الوحدة، والتوحيد، والتنمية، والإكتفاء الذاتي، والعدل.