
أم درمان في حضرة شيخ أدهم
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
أم درمان في حضرة شيخ أدهم
1
الشيخ العابد العالم الحسيب النسيب علي أدهم المغربي السوداني والذي إختارت عائلته مدينة أم درمان مقراً وحي الموردة سكناً وقد حفظ القرآن عليه الرحمة وهو في العاشرة وتتلمذ على يد الشيخ ود البدوي ومجموعة من العلماء الأفاضل من علماء الأزهر وقيل أنه قرأ سائر الكتب في مكتبة الأزهر في الفقه المالكي المطبوع والمخطوط وصار فيه حجة وعاد إلى السودان وكان درسه في جامع أم درمان الكبير يعج بالطلاب والأساتذة والعلماء كل يريد أن يستقي من بحره علمه المتلاطم وفوق علمه الرصين كان شيخ علي صاحب طرفة وسخرية غير جارحة يطلقها في وجه تلاميذه غير المجتهدين فيقابلونها بحرارة صدر وابتسامة ويشيعها البعض لطائف في حواري أم درمان.
وقد عرف الشيخ بتخصصه في مختصر خليل وابن عاشر وكان زاهداً وصاحب وجبة واحدة في اليوم كسرة خبز وقهوة بلا سكر مع قليل من التمر لا يزيد عليها حتى رحل عليه الرحمة وقد شهدت أم درمان بل كل العاصمة جنازة مهيبة حيث رحل أحد أركان العلم في بلادنا عام 58 وانطوت صفحات المجد المقترن بالفقه والزهد والفتوى.
درسه عن الموت والنار فياضاً بالدموع والحزن والتدبر وقد اشتهر أحد تلاميذه بلقب (البكّاي) فقد كان يبكي بحرارة وجزع في درس الموت والنار ويصيح وقد بللت دموعه ثيابه قائلاً: (يا مولانا مالك علينا فاقِع مرارتنا ومقطّع قلوبنا ما كفاية علينا الحر والفلس) فكان يرد عليه رحمه الله: إنتظر يا بكّاي درس الجنة فسوف نُعيد لك الإبتسامة وانشراح الصدر، وكان في ثنايا سرده حَذرٌ ودعوةٌ للإستعداد للموت والرحيل المرّ، فيبتدر مداخله بالقران والسنه ويختمها بالأقاصيص والأشعار الفصيحة والعامية من أشعار أهل السودان وقد حكى لي أحد المشايخ وأنا أحضر درساً في مسجد أم درمان الكبير وكانت محلات الوالد للأقمشه تفتح عليه مباشرة وقد استفدت الكثير من هذه المجالس وأنا طالب مفصول من الثانويات، وقاتل الله السياسة فقد حرمتني من أندادي وأبناء دفعتي فختاروا هم عِلم الفرنجة في التخصص واخترت أنا دروس أهلي في الحياة.
2
ومما سمعته وبقي في الذاكرة عن دروس شيخ أدهم عن الموت هذه الشذرات وكان يقول عليه الرحمة في بداية درسه من أراد ان يعرف الحياة يتوجب عليه أن يعرف الموت وهو لعمري درس في التربية والسياسة والإقتصاد والمجتمع كما أني أرجو من قلبي أن تكون هذه كلمات أحاجج بها عند السؤال عَلَها تُفضي بنا إلى باب فقراء الجنة وهو باب لو تعملون عظيم، يبتدر شيخ علي درسه بالآيات الكريمات منها قوله تعالى:
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [آل عمران: 185]
وقوله تعالى:
﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الجمعة: 8]
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾
ال عمران 144
3
أما المصطفى فقد مُنح مجامع الكلم فكلماته تُعَلم اللغة والأدب والتأدب في مقام الموت والحياة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاشِرَ عَشَرَةٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، مَنْ أَكْيَسُ النَّاسِ وَأَحْزَمُ النَّاسِ؟ فَقَالَ: أَكْثَرَهُمْ ذِكْرًا لِلْمَوْتِ، وَأَشَدُّهُمُ اسْتِعْدَادًا لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ، أُولَئِكَ هُمُ الأَكْيَاسُ ذَهَبُوا بِشَرَفِ الدُّنْيَا وَكَرَامَةِ الآخِرَةِ. رواه ابن ماجه.
4
قال المتنبي في باب الموت والرحيل:
أبنو أبينا نحن أهل منازل
أبدا غراب البين فيها ينعق
نبكي على الدنيا وما من معشر
جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا
أين الأكاسرة الجبابرة الألى
كنزوا الكنوز فما بقين ولا بقوا
من كل من ضاق الفضاء بجيشه
حتى انطوى فحواه لحد ضيق
خرس إذا نودوا كأن لم يعلموا
أن الكلام لهم حلال مطلق
والموت آت والنفوس نفائس
والمستغر بما لديه الأحمق
وقال أبو العتاهية واعظاً ومخاطباً نفسه عن الموت:
يانفس قد أزف الرحيل
وأضلك الخطبُ الجليل
فلتنزلن بمنزلٍ ينسى الخليل به الخليل
وليركبن عليك فيه من الثرى ثقلٌ ثقيل
قُرِن الفناء بنا لايبقى العزيز ولا الذليل
إني أعيذك أن يميل بك الهوى في من يميل
والموت آخر علةٍ يعتلها البدن العليل
أما الشافعي سيد الفقهاء والشعراء فقد قال في أمر النفس والموت:
فكم من صحيح مات من غير علة
وكم من سقيم عاش حينا من الدهر
وكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكا
وأكفانه في الغيب تنسج وهو لا يدري
وكم من صغار يرتجى طول عمرهم
وقد أدخلت أجسامهم ظلمة القبر
وكم من عروس زينوها لزوجها
وقد قبضت روحها ليلة القدْر
فمن عاش ألفا وألفين
لا بد من يوم يسير إلى القبر
5
ومن الحكايات العجيبة في شأن العمر والقبر الإعتبار هذه القصة العجيبة التي حكاها هذا المسن الحكيم علي الخليفة معاوية ومن إعتدال السودانيين في الحكم قولهم: (سيدنا علي وسيدنا معاوية رغم انف الفتنة وغلاة الشيعة) أنه من عجيب ما جاء في كتب الأدب، أن رجلاً اسمه عبيد بن سرية الجرهمي جيء به إلى معاوية رضي الله عنه (روى ابو موسى انه قد عاش مائتين وأربعين سنة)، قال له معاوية: أخبرني ما هو أعجب شيء رأيته في حياتك؟، فقال له: كنت عند قوم وبينما أنا في ديارهم مات أحدهم وكان يدعى حريث بن جبلة،(وفي بعض الكتب ان اسمه عثمان بن لبيد العذري) فمشيت معهم في جنازته، وعندما أنزل في قبره، وبكته النساء، أتتني عبرة لم أستطع التوقف عن التفكير فيها، وكنت قد سمعتها من قبل، فقال له معاوية: قلها!، فأنشأ يقول:
يَا قَلْبُ إِنَّكَ مِنْ أَسْمَـاءَ مَغْرُورُ
فَاذْكُرْ وَهَلْ يَنْفَعَنْكَ الْيَوْمَ تَذْكِيرُ
قَدْ بُحْتَ بِالْحُبِّ مَا تُخْفِيهِ مِنْ أَحَـدٍ
حَتَّىٰ جَرَتْ بِكَ إِطْلاقَاً مَحَاضِيرُ
تَبْغِي أُمُوراً فَمَا تَدْرِي أَعَاجِلَهَـا
أَدْنَىٰ لِرُشْدِكَ أَمْ مَا فِيهِ تَأْخِيرُ
فَاسْتَقْدِرِ اللَّهَ خَيْراً وَارْضَيَنَّ بِـهِ
فَبَيْنَمَا الْعُسْرُ إِذْ دَارَتْ مَيَاسِيرُ
وَبَيْنَمَا الْمَرْءُ فِي الأَحْيَاءِ مُغْتَبِطٌ
إِذْ صَارَ فِي الرَّمْسِ تَعْفُوهُ الأَعَاصِيرُ
يَبْكِي الْغَرِيبُ عَلَيْهِ لَيْسَ يَعْرِفُـهُ
وَذُو قَرَابَتِهِ فِي الْحَيِّ مَسْرُورُ
حَتَّىٰ كَأنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا تَذَكُّرُهُ
وَالدَّهْرُ في أَيْنَمَا حَالٍ دَهَارِيرُ.؟!
عندما كنت أردد هذه الأبيات، امتلأت عيناي بالبكاء ولم أستطع إيقاف دموعي، فانتبه لي الرجل الذي بجانبي وقال لي: هل تعرف من قال هذه الأبيات، فقلت له: لا والله إني لا أعرفه، فقال لي: إنه الرجل الذي قد قمنا بدفنه، وأنت تبكيه وتقول شعره وأنت لاتعرفه، ثم قال لي هل ترى ذلك الرجل المسرور هنالك؟ فقلت له نعم، ولم هو مسرور؟، فقال لي : إنه من أقربائه وقد كان يكرهه لفصاحة لسانه واليوم هو مسرور لوفاته.
فقال له أمير المؤمنين: سل ماتريد فإني معطيه لك، فقال له: أريدك أن تعيد لي مامضى من عمري وأن تدفع عني أجلي إذا أتى، فقال له أمير المؤمنين: لا مقدرة لي على ذلك، فاطلب غيره، فقال له: يا أمير المؤمنين، ليست الدنيا لك لتعيد لي عمري الذي مضى، ولا الآخرة لك لتدفع عني أجلي، وأما المال فقد أخذت منه كفايتي في شباب ولا أحتاجه في آخر العمر، فقال له أمير المؤمنين: لا بد أن تطلب مني شيئًا، فقال له: إذا أردت أعطني رغيفين من الخبز، آكل أحدهما الآن وآكل الآخر لاحقًا، وإني أنصحك بتقوى الله وبأن تدع عنك الدنيا فإنك لا محالة مفارقها وفي الآخرة سوف تلاقي ماقدّمت.
ولم يرض أمير المؤمنين بأن يعطيه الخبز فقط، فأمر له بحمولة بعيره من القمح وغيره مما يحتاج وأمر خدمه بأن يضعوها على ناقته، ولكنه رفضها ولم يقبل بها وردها عليه، وقال له: سوف آخذها ولكن بشرط أن تأمر بمثلها لبقية المسلمين، وغير هذا لا حاجة لي بها، ثم قام بتوديعه وانصرف.
6
أما في أدبنا الشعبي فإن أساطين شعراء الدوبيت يحذرون ويخافون من سطوة الجمال والمال وزهو الشباب فقد زارت مجموعة من الحسان وكن صاحبات ملاحة وخفر وقدمن له هديه وهو بمستشفى بحري موشحة بمناديل معطرة وابتسامة وبعد خروجهن كتب لشيخ الجيلي الكباشي الصوفي الخليفة الشاعر مطلولة يقول فيها معاتباً الحِسان:
مالكن شيبنا بدورن تخربن كبرو
ومالو قلبنا علمتنو لي قِل صبرو
( نسيتننا الموت والشبر في قبرو}
وخليتننا الأعوج نّسِي وما نخبرو
7
ولو كتب طول العمر لشيخنا العالم الراحل الفقيه الزاهد على أدهم والتقيناه في (ركيزة) بجامع أم درمان العتيق لهمسنا في أذنه بأبيات عكير في أمر الدينا والدين والموت والرحيل والإعتبار عليهم جميعا الرحمة وحسن القبول
سرﻭﺭﻙ ﻣﺎ ﺑﺘﻢ ﻋﺎﻗﺒﺎﻫﻮ ﺩﻳﻤﺔ ﺍﻟﻔﺠﻌﺔ
ﻭﻇﺎﻫﺮﻙ ﻟﻴﻨﺎ ﺳﻜﺮ ﺍﻻ ﻃﻌﻤﻚ ﻭﺟﻌﺔ
ﻛﻢ ﻃﻔﺸﺘﻲ ﻣﺮﺗﺎﺡ ﻭﻗﻠﺒﻮ ﻣﺎﺑﻲ ﺍﻟﻬﺠﻌﺔ
ﺭﻭﺣﻮ ﺗﺸﺎﺑﻲ ﻭﺍﻧﺖ ﻗﻄﻌﺖ ﺧﻂ ﺍﻟﺮﺟﻌﻪ
ﺗﻘﺎﺑﻠﻚ ﻋﺮﻭﺱ ﺗﻌﺸﻖ ﻣﻌﺎﻧﻲ ﺭﻗﻴﺼﻪ
ﺗﻤﻼﻙ ﺑﺎﻟﻤﺤﺒﺔ ﻭﺗﻤﺸﻲ ﻧﺎﺯﻟﻪ ﻧﻘﻴﺼﻪ
ﻣﺎ ﻳﻐﺮﻳﻚ ﺩﻻﻟﻪ ﻭﺗﻮﺏ ﺟﻤﺎﻝ ﺑﻠﻘﻴﺴﻪ
ﻋﺎﻳﻦ ﻟﻠﻘﺒﻮﺭ ﻭﺑﻌﺪﻳﻦ ﺳﻤﺎﺣﺘﻪ ﺑﺘﻘﻴﺴﻪ
ﺑﺘﻘﺎﺑﻠﻚ ﺟﻨﻴﻨﺔ ﺗﻤﺘﻌﻚ ﺑﻲ ﺛﻤﺎﺭﻩ
ﻭﺗﺮﻗﺪ ﻓﻲ ﺍﻣﺎﻧﺎ ﻭﺗﻨﻬﻤﻚ ﺑﻌﻤﺎﺭﺍ
ﺑﺎﻛﺮ ﺗﺒﻘﻰ ﻟﻴﻚ ﺣﻨﻀﻞ ﺗﺸﻮﻓﻮ ﺩﻣﺎﺭﺍ
ﺗﺴﺤﺐ ﻣﻨﻚ …. ﻭﺗﺪﻕ ﻣﺴﻤﺎﺭﻩ
ﺯﻭﻻٍ ﺷﺎﻑ ﺭﻗﺎﺩ ﺍﻟﻌﺒﺮﻭﻫﻮ ﻣﺸﺒﺮ
ﻭﺍﻟﺰﻭﻝ ﺍﻟﺒﺮﺹ ﻓﻰ ﺍﻟﻄﻮﺏ ﻭﻭﺷﻮ ﻣﻐﺒﺮ
ﺇﺗﺄﻛﺪ ﺩﺓ ﺑﻜﺮﺓ ﻣﺼﻴﺮ ﻏﻴﺮ ﺇﺗﻜﺒﺮ
ﺇﻧﺴﻰ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻭﺍﻟﻤﺎﻝ ﻭﺍﻟﺒﻨﻮﻥ ﺇﺗﺒﺘﺮ
ﺩﻯ ﺍﻟﻐﺪﺍﺭﺓ ﺩﻯ ﺍﻟﺤﻘﺎﺭﺓ ﺩﻯ ﺍﻟﻌﻘﺎﺭﺓ
ﻛﻢ ﻗﻠﺒﺖ ﺯﻏﺎﺭﻳﺪ ﻋﺮﺳﻪ ﺑﻲ ﻧﻘﺎﺭﺓ
ﺃﻋﻠِﻨﺎ ﺑﺎﻟﺤﺮﺏ ﻗﺒﺎﻝ ﺗﺸﺐ ﺍﻟﻐﺎﺭﺓ
ﻭﻗﺒﻞ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺗﻐﺮﻏﺮ ﻭﺗﺒﻘﻰ ﻓﻲ ﺍﻟﻐﺮﻏﺎﺭﺓ
يا سامع دبيب النمله جوف العاتمة
يا كاشف الخفايا الفي الضمائر كاتمه
بي جاه سيد الرسل الكرام أبو فاطمة
لطفك بي عكير يوم الدفن والخاتمة.