الشهيد اللواء الركن معاوية حمد .. نتحدى الموت عند المحن

قاتل حتى آخر قطرة دم لحماية الفرقة (22) بابنوسة

الشهيد اللواء الركن معاوية حمد .. نتحدى الموت عند المحن

 

كتب: مجدي العجب

في بيانٍ موجعٍ اختلط فيه الفخر بالحزن، أعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة استشهاد القائد البطل اللواء الركن معاوية حمد عبد الله، قائد اللواء (22) بابنوسة بولاية غرب كردفان، ليرتقي واحدٌ من خيرة ضباط الجيش السوداني وهو يؤدي واجبه في ساحات الشرف. لم يكن استشهاده حدثاً عابراً في سجل الحرب، بل محطةً فارقة في سيرة رجلٍ اختار منذ باكورة شبابه طريق الجندية، ومضى فيه بثباتٍ حتى آخر خطوة. وينحدر الشهيد من مدينة دنقلا – قرية أُنقري بالولاية الشمالية، حيث تشكّل وعيه الأول على قيم الانتماء والصبر والمسؤولية. تلقّى تعليمه بمدرسة دنقلا الثانوية، إحدى المؤسسات التعليمية العريقة التي خرّجت أجيالاً من القادة والمثقفين، قبل أن يقرر مبكراً الانحياز إلى المؤسسة العسكرية بوصفها طريقاً لخدمة الوطن. وُلد الشهيد عام 1971م، فالتحق بالكلية الحربية ضمن الدفعة (40) عام 1989م، واضعاً قدمه في دربٍ لا يعرف المساومة مع الواجب، وتخرّج ضابطاً عام 1992م، ليبدأ مسيرة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود من الخدمة والانضباط والعمل الميداني.

 

 

مسيرة ميدانية حافلة

 

تنقّل الشهيد في عدد من أكثر المناطق العسكرية تعقيداً وحساسية، حيث عمل في المنطقة الغربية ومنطقة بحر الغزال العسكرية، مكتسباً خبرة ميدانية عميقة، ومُرسِّخاً اسمه كقائدٍ قريب من جنوده، حاضرٍ في الميدان، لا في المكاتب. وتدرّج في المواقع القيادية حتى تقلّد مناصب رفيعة، من بينها: قائد لواء إدارة القيادة العامة. قائد الفرقة السابعة مشاة. قائد الفرقة الرابعة عشرة مشاة. وأخيراً قائد الفرقة الثانية والعشرين مشاة بمدينة بابنوسة. وفي كل موقع، عُرف بالانضباط الصارم، والحسم المهني، والالتصاق المباشر بالجنود، مؤمناً بأن القيادة مسؤولية قبل أن تكون سلطة.

 

التأهيل العسكري والعلمي

 

على الصعيد الأكاديمي، اجتاز الشهيد جميع الدورات الحتمية، ونال ماجستير العلوم العسكرية من كلية القادة والأركان، إلى جانب زمالة الحرب من أكاديمية نميري العسكرية، جامعاً بين المعرفة الاستراتيجية والخبرة الميدانية، وهو ما انعكس على أدائه القيادي في أحلك الظروف.

نعي الدفعة (40): شهادة رفاق السلاح

 

وفي نعيٍ مؤثر، قال عميد ركن (م) عماد الدين عباس الحسن، أحد ضباط الدفعة (40)، إن إعلان استشهاد اللواء الركن معاوية حمد شكّل لحظة حزن عميق ممزوج بالفخر، برحيل قائدٍ جسّد أسمى معاني الشجاعة والثبات والتضحية.
وأوضح أن الشهيد كان من القادة الذين يسبقون جنودهم إلى مواقع الخطر، ويؤمنون بأن القيادة موقف قبل أن تكون رتبة، مشيراً إلى أنه ظل نموذجاً للضابط المنضبط والإنسان القريب من جنوده، وترك بصمات واضحة في كل موقع خدم فيه، من الكلية الحربية إلى ميادين القتال. وأكد أن الشهيد لحق بإخوانه شهداء معركة الكرامة من الدفعة (40)، ليكتمل عقدٌ من القادة الذين قدّموا أرواحهم فداءً للوطن، مشدداً على أن السودان الذي يحرسه أمثال معاوية حمد لن يُضام، وأن النصر سيظل حليف قواته المسلحة مهما طال الزمن.

 

إنسان قبل أن يكون قائداً

 

بعيداً عن ساحات القتال، كان الشهيد زوجاً وأباً، ربّى أبناءه على القيم والأخلاق، وكان من بينهم حفظة لكتاب الله، في صورةٍ تختصر التوازن النادر بين صرامة الميدان ودفء الأسرة، وبين السلاح والقيم.

 

ترجل مقاتلا

 

لم يمت اللواء الركن معاوية حمد عبد الله، بل ترجّل مقاتلاً بعد أن أدى الأمانة كاملة. رحل جسداً وبقي سيرةً، وبصمةً في وجدان الجيش والشعب، ودليلاً على أن الشهادة ليست نهاية الطريق، بل ذروة العطاء، وأن الرجال الذين يكتبون أسماءهم بالدم لا يغيبون، بل يخلدون.