إعتذار لطبشورة الحزن على سبورة الأسف

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

إعتذار لطبشورة الحزن على سبورة الأسف

مدخل

لهف نفسي على الشباب المرتجى للشهيد هاشم الرفاعي

شبابٌ ذلّلوا سبلَ المعالي
وما عرفوا سوى الإسلام دينا
تعهَّدهم فأنبتهم نباتاً
كريماً طابَ في الدنيا غصونا
همُ وردوا الحياضَ مباركات
فسالتْ عندهم ماءً معينا
إذا شهدوا الوغى كانوا كماةً
يدكّونَ المعاقلَ والحصونا
وإن جنَّ المساءُ فلا تراهم
من الإشفاق إلا ساجدينا
شباب لَم تحطّمه الليالي
ولم يُسلِم إلى الخصمِ العرينا
ولَم تشهدهُمُ الأقداحُ يوماً
وقد ملأوا نواديهم مُجونا
وما عرفوا الأغاني مائعاتٍ
ولكن العُلا صِيغتْ لحونا
وقد دانوا بأعظُمهم نضالاً
وعلماً لا بأجرئهم عيونا
فيتّحدون أخلاقاً عِذاباً
ويأتلفون مُجتمعاً رزينا
فما عرف الخلاعةَ في بناتٍ
ولا عرف التخنّث في بنينا

1

في إحدي الأيام زارني زميل دراسة إختار مهنة التدريس وقد فتح الله عليه رزقاً وورثة فقرر أن يؤسس لنفسه مدرسة خاصة ويستقطب لها مجموعة من زملاءه المشهورين برصانة التخصص ومحاسن الأخلاق وكان يرغب في سماع رؤيتي حول هذه المهنة وهذا الإستثمار وتحدثنا طويلاً حول الأمر ، ومما نصحته به أن تكون المدرسة فسيحة وذات فِناء وأن يهتم بدورات المياة مثلما يهتم بالفصول ومكاتب المعلمين وقد رويت له حكاية مدير إحدي الجامعات البريطانية الشهيرة وكان قد دُعي لفتتاح جامعة عربية لإحدى دول النفطية الثرية وقد بُنيت الجامعة على أحدث طراز من المعامل والمكتبات والقاعات والأجهزة ،وفي صباح الإفتتاح وقد تجمع في مدخلها الكثير من الأمراء والنافذين وأعيان الدولة والوزارء ومديري الجامعات العربية والإفرنجية وحين قص الأمير الشريط التقليدي للإفتتاح وهرع الناس حول القاعات والمكتبات والمقصف والملاعب طلب مدير الجامعة البريطانية الشهيرة من مرافقه أن يقوده إلى حمامات الطلاب والطالبات والعمال ، إستغرب المرافق لغرابة الطلب لكنه استجاب فدخل مدير الجامعة البريطانية العريقة الحمامات واحداً واحداً وقام باختبار الصنابير والمقاعد والأحواض والمغاسل للطلاب والطالبات وعندما انفرد مدير الجامعة هنأه على جمال وكمال المؤسسة وكشف له السر عن غيابه عن موكب الكبار مبرراً ذلك لزيارته لحمامات الطلاب والطالبات وقال ضاحكاً : الآن يمكن أن أقول بلا شك : بأنك تملك جامعة ناجحة تستحق الإحترام فإن نجاح أي مؤسسة علمية يبدأ بتجويد وإحكام ونظافة حمامتها ، ألم يقل نبيكم العربي قديماً : (إن النظافة من الإيمان) ؟
أصابة الدهشة المدير العربي للجامعة ومنذ ذلك اليوم وأًصبح يهتم إهتماماً شخصياً وبزيارت إسبوعية لحمامات الطلاب والطالبات قبل تفقد المعامل والقاعات والمكتبات، ومن اللطائف أن صحفياً أجرى لقاء مع الملكة إليزابيث وقال لها : ياجلالة الملكة تُرى ما هو أخطر إكتشاف وإنجاز في القرن العشرين؟ أجابته الملكة بنصف إبتسامة قائلة: الصرف الصحي يا عزيزي.

2
وزدت في نصيحتي للأخ بأن يهتم بالتربية قبل التعليم فربما متعلم حاذق خسر دنياه وآخرته بسبب قصور التربية والإلتزام ورب آخر صاحب تربية والتزام صعبت حياته وتعسرت بسبب إهماله للعلم فكل واحد من هؤلاء يتمم الآخر ومن حسن حظه وحظي وأرجو أن تكون صدقة جارية وعلم ينتفع به للإمام الغزالي قدس الله سره ولي فإن (التشبه بالرجال فلاح) فقد أهديته قائمة وصيا الإمام في التربية ومراعاة الأبناء واستحلفته أن يطبعها وأن يوزعها على المعلمين وأباء وأمهات الطلاب ولو إلتزمت الأسرة بقيم التربية والسلوك الذي أفاض فيها القرآن والسنة المحمدية فعلاً وقولاً وتقريراً لما آذت تلك اللقطة الفظيعة الملايين وهم يشاهدون هذا الطلاب يرقص هذه الرقصة المهنية والخليعة أمام أستاذه الشيخ المهيب في مشهد يثير الحزن والأذى والأسى .
ولكن أكثر ما أثار حفيظتي وحزني وأسفي ليس موقف الطالب وحده وإنما موقف الفصل وزملاءه الذين تحجروا كالأصنام وهم يشاهدون في لا مبالاة ما يفعله زميلهم دون إدانة أو رادع وهذا يعني ببساطة أن ما فعله زمليهم يعجبهم وسر بالهم أو لعله كان يمثلهم بدوره الأخرق فهم وهو لعمري في سوء الخلق والأدب والإنحطاط سواء وكنت أتمني من مدير المدرسة سيدة الجرح المشاع هذا بأن يفصل الفصل بكامله قبل الطالب ( فإن الساكت عن الحق شيطان أخرس) فكل هؤلاء من أيتام الأخلاق والسلوك والفطنة والتربية بل كان الأجدى أن يفصل أولياء الأمور فهم أيضاً من يتامي الفضائل وقدصدق أمير الشعراء حين قال:
ليس اليتيم من إنتهى أبواه
من هم الحياة وخلفاه ذليلا
إن اليتيم الذي تلقى له
أُمّاً تَخْلّت أو أباً مشغولا

3
أقول قولي هذا لأننا من جيل كان الهُداة لنا بعد الآباء والأسرة أساتذتنا والمعلمين ومنذ أيام الطلب الأولى حتى تخرجنا من الجامعات فقد كانوا قدوتنا في العلم والتربية والسلوك كانوا يهتمون بثقافتنا وترقية معارفنا بل يهدوننا الكتب والمجلات والصحف السيارة ويحرضوننا على حضور الندوات والمحاضرات والليالي الشعرية ويحرصون على الليالي الأدبية والرياضة وتنمية المواهب. كنا نحرص بما ينصحون وكانوا هم أيضاً يحرصون فقد كنا نتمثلهم في المظهر والجوهر وقد كنا نعجب عن هذا الإهتمام العالي في المظهر والهندام مع أنهم كانوا من أصحاب الدخل المحدود القمصان النظيفة بألوانها المحايدة و(البلطونات) المرتبة مع الحزام والجلابيب والثياب البيض البيضاء كالحمائم والأحذية اللامعة والشعر الذي لا تجعيد به ولا تقزيم فقد كانوا رغم ضيق اليد يساعدون الطلاب الفقراء سراً ،كنا نحرص على إحترامهم وتقديرهم لا من باب الخوف ولكن من باب معرفة الدور والمهمة .
كنا حتى عندما ( تساوت الأكتاف)بعد التخرج والوظيفة لا نستطيع أن نملأ أعيننا في وجوه معلمينا وغاية ما هزني في اللقطة المسيئة ليس حزني الخاص بل حزن ملايين المعلمين والأساتذه من كل الأجيال وهم يشاهدون كل الذي شيدوه من ليل الآسى ومر الذكريات يتهاوى أمام وجوههم في لحظات بين يدى هذا الزمان العربي الكئيب وهاهم يشاهدون زميلهم يستهزأ به ويهان بكل هذه الجرأة والصفاقة والسقوط كنت دائماً أقول: إن مهنة المعلمين في كل دراسات الجدوى في الكسب والوظيفة لا تصلح لأحد أن يستمر فيها أو يجعل منها مستقبلاً له ولأسرته لكنها مهنة الأنبياء ولذلك بقي هؤلاء الكرام فيها لأنهم مُيسرون لذلك لأن البشرية كلها مدينة لهم بهذا الفعل والخلق الرفيع والرسالة منذ بداية حركة البشرية إلى يوم الناس هذا، وأذكر أننا في بداية حلقات أيام لها إيقاع قلت في عِبارة عَابرة ولكنها كانت راسخة في قلبي إن الشاب السعيد والعريس المحظوظ هو ذلك الذي يقترن بابنة معلم أو إبنة معلمة أما إن كانت العروسة من أب معلم أو أم معلمة فإن هذا الشاب يكون قد حاز السعادة كاملة واستولى على العز من طرفيه ،وبعد مُضي سنوات من هذه الحلقة التي بُث مراراً إتصل بي طبيب شاب يعمل في إحدى دول النفط وقال إنه قبل سنوات أتى في إجازته السنوية ليختار عروسة ويكمل نصف دينه وكان في خاطره تلك الوصية التي استمعت لها في برنامج أيام لها إيقاع حول الإرتباط بإبنة المعلم وإبنة المعلمة ولحظي التاريخي أن الإخوة رشحوا لي طبيبة شابة ومن حسن الصدف ومكارم الدهر عليّ وعلي والدي أنها كانت إبنة معلم وإبنة معلمة وهي الآن أم أبنائي ونحن بالمهجر ،وإني لأشهد أمام نفسي وأمام الناس وخالق الناس أنني لم أجد أكرم وأفضل من زوجتي هذه خلقاً ولطفاً وجوداً وتربية وسماحة.
عزيزي القارئ إن هذه الحكاية ليست دعاية ولا ترويجاً للمعلمين ولا لبنات المعلمين والمعلمات فهم أسمى من ذلك وأرفع وإن الذهب ما احتاج يوماً لشهرة أو ترويج وبالمناسبة هذا يصدق أيضاً في حق الرجال فيا لحظ الذي يزوج إبنته لإبن معلم أو إبن معلمة .
صحيح أن السودان الآن بعد النكبة يبدأ من الصفر أو فوق الصفر بقليل بعد أن هدم هؤلاء الأوباش والأوغاد والتدميريون بنيته الأساسية و كل جميل ومجيد في بلادنا فإن أردنا بداية راسخة لبناء نهضة ودولة تقف تحت الشمس وتفخر بها الإنسانية فعلينا أن نبدأ بالمعلم إختياراً وتدريباً وكسباً شريفاً يكفيه ويكفي أسرته من مذلة الفقر والدروس الخصوصية وليس هنالك أقسى على قلبي من معلم أو معلمة تذهب إلى دار طالبتها أو طُلابها لتدريسه حصة خاصة أو درساً خاصاً لقاء دراهم معدودات وقد كان مالك بن أنس رضي الله عنه وقدس الله سره صاحب الموطأ وأحد المعلمين الكبار فقد طلب منه الرشيد يوماً أن يأتي قصره ليعلم أبناءه الفقه والحديث والسيرة فرد مالك بن أنس في أنفة تشابه العلم والعلماء راداً رسول هارون بمقولة حازمة وقاطعة : إذهب لسيدك وقل له :إن العلم يُؤتى ولا يأتي فستجاب الرشيد وأصبح منذ يومه ذاك يرسل الأمين والمأمون لتلقي الدرس في بيت مالك على بساطته يجلسهم على حصير ويسقيهم ماء قِراحاً وبضع تمرات وهو مما زاد مالك رفعة في قلبي وعقل الرشيد ، ولا يعرف قدر الكرام إلا الكرام .
ولأن الشئ بالشئ يذكر والحدث بالحدث يُقرن فهذه دعوة للدولة وأهل الدولة إن كانوا يرتجون مقاماً في المستقبل ويعرفون شرف الإستشراف أن يبدؤوا بتبجيل المعلم والقيام له لا الرقص الخليع في وجهه كما حدث في الفيديو المتداول وأرجو أن لا تنسينا المرافعة المحزنة هذه قائمة الإمام الغزالي في تربية وتقوم وسلوك الجيل القادم يقول الغزالي في قائمة إحياء علوم الدين حول التربية وتنمية السلوك ومرانها على الفضائل والخلق القويم:

1- ليكن الأب حافظاً هيبة الكلام معه فلا يوبخه إلا أحياناً.
2_يمنع من النوم نهاراً فإنه يورث الكسل.
3_ لا تكثرعليه العتاب فإنه يهون عليه سماع الملامة وركوب القبائح.
4_ تعويده على المشي.
5_ يعود ان لا يكشف أطرافه ولايرخي يديه .
6_ عدم إستعمال الفرش الوطيئة له لعدم تعويده على الترف.
7_ يُعود أن لا يبصق في مجلسه ولا يتمخط ولا يتثاءب بحضرة من معه ولا يستدبرغيره ولا يضع رجلاً على رجل ولا يضع كفه تحت ذقنه ولا يعمد رأسه بساعده فإن ذلك دليل على الكسل.
8_ يُمنع من اليمين وكثرة الكلام.
9_ أن يُعلم حسن الإصغاء وأن يقوم لمن فوقه.
10_ حفظه من قرناء السوء.
11_ أن يؤذن له باللعب بعد الإنصراف من المكتب (الخلوة أو المدرسة).
وحول تأثير التربية قال الإمام الغزالي : إن الصبي بجوهره قابل للخير والشر جميعاً وإنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين.