
شيخ الأمين يروي تفاصيل مأساوية عن أهوال الحرب في أمدرمان
بقلم: الشيخ الأمين عمر الأمين
في كل مرة، أبذل قصارى جهدي، وأستجمع ما وسعني من بيان اللغة العربية؛ كي أنقلكم لتعيشوا معنا لحظات الحرب، ولكن لغتي تخذلني، فكيف لي أن أصف تلك اللحظات التي بلغت فيها الحرب أوج ضراوتها، وزاغت فيها الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، ولم يبق لنا من ملاذ إلا الدعاء، وانتظار رحمة الله؟
كان أهلنا في “العرضة” قد نهشهم العطش واستغاثوا بنا، فقد افتقدوا العصب الذي جعل الله منه كل شيء حي؛ فهرعت، بل ركضت لأروي ظمأهم، مستحضراً قول سيدنا جبريل: ((لو كانت عبادتنا لله تعالى على وجه الأرض لعملنا ثلاث خصال: سقي الماء للمسلمين، وإعانة أصحاب العيال، وستر الذنوب على المسلمين))
عقدنا العزم، وشددنا المآزر أنا و”الحيران”، وجهزنا “دفاراً” ملأناه ببراميل المياه، وصارت وجهتنا اليومية “العرضة”؛ نطرق الأبواب لنسقي الناس، فتبتل العروق التي يبست من الظمأ.
💢 رحلة “الدفار” من المسيد إلى العرضة
كانت دون الوصل إليهم أهوال؛ فكم من مرة مُنع “الدفار” من العبور، ليعود “الحيران” بقلوب مكلومة، يتساءلون: كيف السبيل إلى أهلنا وقد أشرفوا على الهلاك عطشاً؟ حتى أخذ الله بيدي ووفقني في نيل الإذن من “الارتكازات” ليعبر الدفار الطريق، واستعنا بفرد منهم ليرافق الطاقم تأميناً لهم، كنتُ أشرف على هذه العملية بنفسي؛ أتحقق من امتلاء البراميل، وأثبت عزائم “الحيران” وأودعهم .. والله لقد كان وداع كل يوم كأنه الوداع الأخير.
(في تلك الأثناء، كان الرصاص ينهمر، ومرة سقطت “دانة” ونحن نشحن الدفار قبل تحركه من المسيد).
في هذه الأثناء كان الجيش قد اقترب كثيراً لتحرير المنطقة، والمعارك في ذروة احتدامها، ونحن نمضي بين نيران الجيش والدعم السريع، نسابق الزمن ونحمل مياهنا، لا سلاح في أيدينا إلا “برميل الحياة” وحول الله وقوته. ما أصعبها من رحلة نُحيي بها نفساً كأنما أحيينا الناس جميعاً.
“لم تكن رحلة عابرة، بل كانت تتكرر ثلاث أو أربع مرات في اليوم الواحد؛ يذهب (الدفارُ) ويعود مخترقاً المخاطر، محملاً بالماء، ولا نهدأُ أو يستريح لنا بال حتى نتأكد من أن كل بيت في (العرضة) قد ارتوى جميع من فيه، وأخذوا كفايتهم من الماء التي تعينهم على البقاء.
💢 عازف الكمان إمام فضل:-
بينما كانت المصائب تهطل علينا كالمطر نُشرت مناشدة عبر “فيسبوك” من مجموعة موسيقية؛ تهيب لإنقاذ عازف الكمان “إمام فضل”، الذي كان يصارع بين الموت والحياة في “الموردة”، كان الطريق إليه درباً آخر محفوفاً بالموت والمخاطر، وكان بمثابة امتحان حقيقي.
وصلنا إليه بفضل الله، وقمنا بنقله فوراً إلى “المسيد”؛ ذلك الملاذ الذي غدا داراً لكل غريب في هذه الحرب، استقبله الطاقم الطبي في عيادة المسيد على الفور، ومن بينهم ابنتي الدكتورة “سجي”، وباشروا الإشراف على حالته الحرجة، ومن فرط ما بلغه من عطش وإنهاك، كانوا يقطرون الماء في فمه قطرة قطرة، ويطعمونه كأنه طفل حديث الولادة؛ فقد كان في حالة يُرثى لها.
وبحمد الله ورعايته، تماثل للشفاء تماماً واسترد عافيته كاملة (أصبح كالحصان ما شاء الله)، وهو لا يزال حتى اليوم مقيماً بيننا عزيزاً في دياره المسيد.
💢 لقد كان حث النبي محمد ﷺ بشدة على مساعدة الناس، وأكد أن قضاء حوائجهم من أعظم العبادات وأقربها إلى الله، حيث قال: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، و«من كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته»، وأن من يفرج كربة مؤمن يفرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، وأن أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس .. ندعو الله سبحانه و تعالي أن نكون ممن ذكرهم النبي ﷺ.
و لنا في المسيد بقية..