أدركوا مقابر عطبرة القديمة
أدركوا مقابر عطبرة القديمة
بقلم: إبراهيم فتح الرحمن سمباي
زرتُ قبل أيام مقابر عطبرة القديمة المسماة بمقابر شيخ أحمد، فهالني المشهد من هول ما رأيت. لم تعد للمكان هيبته، ولا للصمت احترامه، ولا للموتى حرمتهم. أرض المقابر التي كانت يوماً مهادًا للسكينة والوقار تحولت، ويا للأسف، إلى ساحة من الإهمال الفاضح، ومرحاض مفتوح يأوي إليه بعض الناس دون خجل أو وازع، حتى غدا موطئ القدم فيها كأنه حقل ألغام من فضلات البشر… مشهد يندى له الجبين.
ومن بعيد أطلت عليّ وجوه بعض الصبية المشردين يقبعون فوق القبور، كأنها أطلال مهملة، لا تُنبئ عن تاريخ، ولا تُذكّر بميت، ولا تُحرّك في النفس خشية ولا رهبة. كثير من القبور تلاشى أثره، وسُوّيت تربته بالأرض، ولم يبقَ إلا بقايا شواهد مبعثرة تشهد بأنها كانت هنا قبور أناس عاشوا بيننا… ورحلوا.
والنزف الحقيقي ليس فقط في الكرامة المهدرة، بل في الأرض نفسها؛ فالجسر الغربي والجنوبي الذي أُنشئ لتصريف مياه الأمطار تحوّل إلى بركة آسنة راكدة، ممزوجة بالنفايات والمخلّفات ومياه الصرف الصحي. ومن هذه البركة الآسنة انطلقت ظاهرة «النَّز» التي تضرب أطراف المقابر، وكأن تلك البقعة من أرض المقابر هي صورة مصغرة تفسر لنا أسباب ظاهرة النز التي غطّت وضربت أجزاء واسعة من مدينة عطبرة، ذلك المرض الذي يلتهم التربة ويُفسد الأثر ويهدّ المباني. أمّا الناحية الشمالية فقد صارت مكباً لبقايا نفايات البضائع والخضار المتعفّن من ملجة الخضار، ومبولة لزوارها.
هذه المقابر ليست حجارة وتراباً فحسب؛ إنها ذاكرة مدينة. هي سطور محفورة في سجل عطبرة، نشأنا على مرمى حجر منها، وطُفنا بين قبورها حتى حفظنا أسماء موتاها عن ظهر قلب. كانت طاهرة نظيفة نقية، لا تشوبها شائبة، لها غفير يحرسها.
لا نعرف تاريخاً دقيقاً لبداية الدفن فيها، لكنني أذكر، وأنا طفل، شاهدت شاهداً مؤرخاً بـ1908م. كما أذكر بوضوح مقبرة شهداء الكتيبة المصرية 1924م الذين قتلتهم بنادق الإنجليز، تلك التي كان يعلوها نصب رخامي أبيض، كأنه قطعة من بلور.
فإن رضينا، لا قدّر الله، أن يُدفن أهلنا وأعياننا وشهداؤنا في هذه البقعة الآسنة، فبم نجيب أنفسنا؟ وكيف نعتذر لتاريخنا؟.
على أرض هذه المقابر دُفن: الأهل والأحباب، شهداء الجمعية التشريعية، الطيب حسن، المحلاوي، الشيخ مرغني مختار، الشيخ أحمد القوصي، حاج الريح، الشوش، محمد خير خوجلي، قاسم مجذوب، آل تميم، آل عاشور، آل سمساعة، حليمة ماضي، وغيرهم كثيرون. كيف نقبل أن يواجه هؤلاء الطيبون هذا المصير المهين؟.
وأسأل: هل يا ترى ترضى الدولة المصرية، وهي التي فقدت أبناءها شهداء الكتيبة المصرية 1924م واحتضنتهم أرض عطبرة، أن تُترك رفاتهم اليوم على هذا النحو المؤلم إن علمت ما آل إليه حال تلك المقابر؟. وهل يرضى الإنجليز أن يُدفن مواطنهم حامد شاه وسط هذه النفايات؟. وهل نرضى نحن، قبل غيرنا، أن يبقى تاريخنا ورموزنا وموتانا أسرى للإهمال واللامبالاة؟.
إن مقابر عطبرة القديمة تستغيث…
وإن صيانة المقبرة صيانة لكرامة مدينة، ولذاكرة وطن، ولحرمة موتى كانوا بالأمس أهلنا، وسيكون غداً مكانهم مكاننا.
أصبحت المقابر، يا سادة، بلا حرمة، وكأن ساكنيها لم يكونوا يوماً بيننا أحياءً، لهم قدرهم وكرامتهم. فالمقابر ليست أرضاً مهجورة ولا فضاءً منسيّاً، بل هي بيوت الآخرة، ومواطن العبرة، ومواضع الدعاء والرحمة.
أدركوا مقابر عطبرة قبل أن نفقد آخر ما تبقّى من احترامنا لموتانا، وقبل أن نُسأل عن تفريطنا في حق عظيم. فصون المقابر ليس ترفاً، بل هو مقياس للأخلاق، ودليل على الوعي، وشهادة صدق على الإيمان. ومن لا يوقّر الموتى فلن يُحسن يوماً توقير الأحياء.