
الطيب فراج يكتب: في ذكرى الاستقلال .. شاعر وقصيدة عابرة للأجيال
أوبة
الطيب فراج
في ذكرى الاستقلال .. شاعر وقصيدة عابرة للأجيال
في الخامس من مايو 2023، وبينما دويّ انفجارات القنابل يصمّ الآذان، والنار تحرق قلب الخرطوم وأهلها بين قتيل وجريح ومشرّد عن دياره، مروّع النفس يطلب الأمان له ولأهله، رحل في هدوء الشاعر النبيل د. عبد الواحد عبد الله، الذي خلد أثره ووسمه في ديوان الشعر السوداني عندما لازمه بذكرى رفع علم الاستقلال بقصيدة كُتب لها أن تبقى، تُسقى بحب السودانيين ووفائهم مع توالي الأيام والأعوام، لتظل خضراء يانعة مزهرة، يتجدد صباها مع مطلع صباح كل عام جديد.
وشاءت أقدار الله أن يكون رحيله في صمت لا يوازي حضوره البهيج في وجدان الشعب الذي انكفأ على ذاته، منشغلاً بفتنة الحرب الغادرة التي استباحت دماءه وحرماته، ولعل المفارقة المؤسفة أن تكون من بين لافتاتها الضالة المرفوعة بأيدي جماعات من نافخي كيرها الذين يجهلون نضال هذا البلد، لافتة تنادي بوأد دولة 56 حيّة، وهو تاريخ إعلان استقلالها ورمز ميلادها الجديد بعد حقب من الكفاح المر في سبيل الحرية والكرامة الوطنية.
خلد شاعرنا الراحل أثره في وجدان شعبه بقصيدة ضد النسيان، وضد غزاة الماضي والحاضر، وكل من تحدثه نفسه بإعادة المغامرة في المستقبل.
هي قصيدة حقّ لها أن تُسكت كل صوت قادم من خارج وقائع التاريخ، ذاك الذي لم يعرف كيف تشكل السودان وانتظم في عقد واحد على تعدد مكوناته، وكيف تأسس على التراضي الواعي لتحقيق هدف مشترك، ذلك لأنه لم يولد في ترابه، ولم يسهم في إنماء شجرة تمازجه حتى استوت أصلها ثابت وفرعها في السماء.
د. عبد الواحد عبد الله أحد أبناء هذا البلد الطيب، الكرام، الموهوبين، الذين بذروا نواة حبه في كل نفس أبيّة، وأعلوا قيم الاحتفاء به وبميراثه النضالي من أجل العزة والكرامة والتحرر من قيد الغاصب المحتل، وستبقى قصيدته الباذخة بمطلعها الخالد (اليوم نرفع راية استقلالنا)، والتي موسقها بإبداع وأنشدها بحب الأستاذ محمد وردي، تنبض مع نبض قلوب السودانيين حيث كانوا، يورثها جيل لجيل.
إنها القصيدة التي ترسم لوحة تاريخية للسودان المتحد المتعاضد في مواجهة الدخيل المتجبر، وقد جمع شاعرها بين معركة كرري الشهيرة برمزيتها الفدائية الملهمة (كرري تحدث عن رجال كالأسود الضارية)، وبين نضال جمعية اللواء الأبيض التي كان يقودها علي عبد اللطيف وزمرة من صحبه النابهين التائقين إلى حرية وطنهم بعزيمة وإخلاص (وليذكر التاريخ أبطالاً لنا عبد اللطيف وصحبه)، في نغم موزون عميق الدلالة، وهو ينصف أولئك الرجال جميعاً الذين مثلوا فسيفساء السودان بتعاضد وتجرد، ويؤكد أنهم من (غرسوا النواة الطاهرة، ونفوسهم فاضت حماساً كالبحار الزاخرة) في سبيل التحرر من قبضة المحتل. وهو الغرس الذي نشهد ثماره اليوم في هبة كل السودانيين الشرفاء شيباً وشباباً لمواجهة العدوان الغاشم القديم وقد تزيّا بلباس جديد، ولكننا نعرفه من لحن القول وإن ادعى الصلاح والسعي للإصلاح.
ولعل غياب د. عبد الواحد لعقود خارج البلاد قد حدّ من حضوره في المشهد الإعلامي والمنتديات والمنابر الشعرية والأدبية الراتبة، وجعل المتاح من سيرته عند المهتمين لا يتناسب مع أثره الوجداني العميق في نفوس أهل السودان، والذي سيستمر ويزداد توهجاً بإذن الله، طالما ظلت ذكرى الاستقلال تُستعاد وتتجدد بذكريات نضالها ومضامينها.
وسيظل نشيد الاستقلال بمطلعه الآسر المفعم بالشجن والحب والوفاء (اليوم نرفع راية استقلالنا) يتردد صداه عابراً الحقب بإذن الله، منبهاً من تأخذهم سِنة من الغفلة أن حريتهم ليست منّة من أحد، بل منتزعة انتزاعاً، قدم الأسلاف في سبيلها دماءً غالية ونفوساً عزيزة بذلوها في سبيل هذا السودان ورفعة أهله، الذين يخاطبهم الشاعر مذكراً وهم يحتفلون بيوم الاستقلال: (من أجلنا ارتادوا المنون، ولمثل هذا اليوم كانوا يعملون).
رحم الله الشاعر عبد الواحد عبد الله، وجمعه بصفوة عباده، وبارك في أهله. آمين.
تقول السيرة الذاتية للشاعر الراحل:
عبد الواحد عبد الله يوسف من مواليد مدينة القضارف في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن المنصرم.
تخرج في جامعة الخرطوم عام 1964 مختصاً في مجال التربية.
عمل في مجال التعليم.
حصل على الدكتوراه في إنجلترا.
عمل أستاذاً في جامعة الخرطوم وجامعات أخرى أفريقية وعربية.
استعانت به مملكة البحرين مستشاراً في مجال التربية والتعليم.
التحق باليونسكو، وكان أحد خبرائها.
له ديوان شعر مطبوع أسماه: قصائد في حب الناس والوطن.
هو أحد الأعضاء البارزين في جماعة إخوان الصفا الأدبية الفنية، التي ضمت رموزاً من أهل الشعر والفن، منهم الحسين الحسن، وصديق مدثر، وعبد المجيد حاج الأمين، وكمال عمر الأمين، والفريق شرطة إبراهيم أحمد عبد الكريم، وعبد الكريم الكابلي، وآخرين. رحمهم الله جميعاً وأحسن إليهم.