
السودان واليمن .. فشل مخطط حكومة أبوظبي في نشر الفوضى
تقرير: مجدي العجب
لم يكن ما جرى في السودان قدراً أعمى، ولا صراعاً داخلياً معزولاً عن محيطه، بل كان – ولا يزال – نتاج تشابك عوامل داخلية مع تدخلات إقليمية لعبت دوراً حاسماً في تفجير الدولة من الداخل. وفي مقدمة هذه التدخلات يبرز الدور الإماراتي، الذي انتقل من النفوذ الناعم إلى الانخراط الخشن في إعادة هندسة الصراع بما يخدم مصالحه، ولو كان الثمن انهيار دولة بكاملها. وفي السودان، لم تدخل الإمارات من بوابة الدولة، بل من بوابة الميليشيا. فمنذ سنوات، أقامت أبوظبي علاقات وثيقة مع قوات الدعم السريع، وقدّمت لها غطاءً سياسياً ومالياً، وأسهمت في تحويلها من قوة هامشية إلى لاعب مركزي ينازع الجيش والدولة سلطتهما. ولم يكن هذا الدعم عفوياً، بل جزءاً من رؤية تعتبر الجيوش الوطنية عبئاً، والدول المركزية عائقاً أمام النفوذ المباشر. ومع اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، لم تتخذ الإمارات موقف الوسيط المحايد، بل واصلت دعم الميليشيا، ما أسهم في تدمير العاصمة، وتشريد الملايين، وارتكاب جرائم واسعة في دارفور. وبدلاً من الضغط الجاد لوقف الحرب، اختارت أبوظبي سياسة إدارة الصراع، بما يضمن استمرار الفوضى التي تتيح لها التحكم في المشهد دون كلفة سياسية مباشرة.
انقلاب على الشرعية
لا ينفصل الهدف الإماراتي في السودان عن الجغرافيا السياسية. فالسودان ليس مجرد دولة منكوبة، بل موقع استراتيجي على البحر الأحمر، وبوابة للقرن الأفريقي، وأرض غنية بالموارد. ومن هذا المنطلق، يصبح تفكيك الدولة وتحويلها إلى ساحات نفوذ متنازع عليها خياراً عملياً لدولة تبحث عن السيطرة دون مسؤولية، والنفوذ دون التزام. هذا النموذج التخريبي يتكرر في اليمن، مع اختلاف الأدوات وتبدل الشعارات. فقد دخلت الإمارات الحرب تحت لافتة دعم الشرعية، لكنها سرعان ما انقلبت عليها، وبدأت في بناء كيانات موازية للدولة عبر تسليح وتمويل جماعات محلية لا تخضع للحكومة، بل تدين بالولاء لأبوظبي. دعمت الإمارات النزعة الانفصالية في جنوب اليمن، وسيطرت عملياً على الموانئ والجزر والمواقع الحيوية، وحوّلت الجنوب إلى ساحة نفوذ خاص، بينما تُركت الدولة اليمنية ضعيفة وممزقة. وبدلاً من توحيد الجهود لمواجهة الحوثيين، أسهم هذا السلوك في تفكيك المعسكر المناهض لهم، وإطالة أمد الحرب، وتعميق الانقسام الجغرافي والسياسي.
تقويض الدولة
يرى مراقبون أن القاسم المشترك بين السودان واليمن هو أن الإمارات لا تتعامل مع الدول بوصفها كيانات ذات سيادة، بل كساحات مفتوحة للمصالح. فهي لا تبني جيوشاً وطنية، بل وكلاء، ولا تدعم مؤسسات دولة، بل مراكز قوة موازية. والنتيجة واحدة في الحالتين: دولة ضعيفة، مجتمع ممزق، وحرب طويلة الأمد.
أما الخطاب الإنساني الذي تروّج له أبوظبي، فلا يصمد أمام الوقائع. فالمساعدات لا تمحو أثر السلاح، والإغاثة لا تبرر دعم أطراف تشعل الحروب. وما قيمة بناء مستشفى في بلد يُدمَّر نظامه الصحي بالكامل بفعل حرب تُغذّى من الخارج؟. لقد أسهم التدخل الإماراتي في السودان في إفشال الانتقال المدني، وتعزيز سلطة السلاح، وفتح الباب أمام واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخ البلاد. وفي اليمن، لعب الدور ذاته في تقويض الدولة، وتعزيز الانقسام، وتحويل الحرب إلى مشروع مفتوح بلا أفق.
استثمار في الفوضى
ويقول الأكاديمي والمحلل السياسي النور أبكر إن ما تفعله الإمارات ليس بحثاً عن الاستقرار، بل استثمار مباشر في الفوضى، موضحاً أن الدولة المنهكة أسهل في السيطرة، وأن الميليشيا أوفى من الحكومة، وأن الصراع الطويل أكثر فائدة من السلام العادل. ويضيف في حديثه لـ«ألوان» أن أي تسوية حقيقية في السودان أو اليمن ستظل ناقصة ما لم يُسمَّ الدور الإماراتي باسمه الحقيقي.
أبوظبي حصدت العزلة
وتكشف التجربتان السودانية واليمنية أن مشروع أبوظبي في المنطقة لم يكن مشروع استقرار، بل هندسة منهجية للفوضى، تقوم على إضعاف الدولة، وتفكيك الجيوش الوطنية، واستبدالها بقوى موازية تدين بالولاء الخارجي. غير أن ما لم تحسب له الإمارات حساباً هو أن الفوضى، مهما طال أمدها، لا تصنع شرعية ولا تؤسس نفوذاً دائماً. ففي السودان، فشلت الميليشيا رغم الدعم في انتزاع شرعية الدولة، واصطدمت بوعي شعبي رافض لتحويل البلاد إلى ساحة نفوذ. وفي اليمن، انكشفت حقيقة الدور الإماراتي مع تعمق الانقسام، وبات مشروعها عبئاً على أي تسوية مستقبلية. وهكذا، يتبدد رهان الفوضى أمام صمود الدول، لتبقى الحقيقة الأوضح: أن من يستثمر في الخراب، يحصد العزلة، وأن الشعوب، مهما أنهكتها الحروب، لا تقبل الوصاية إلى الأبد.