الخرطوم وكاراكاس .. منهج أمريكي تدميري بأكاذيب مضللة

تقرير: الهضيبي يس

تُعد السياسة الأمريكية تجاه الدول التي تمر بتحولات سياسية أو أزمات داخلية أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في العلاقات الدولية، لا سيما حين تتقاطع شعارات دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان مع اعتبارات المصالح الاستراتيجية والاقتصادية. وفي هذا السياق، تبرز حالتا السودان وفنزويلا كنموذجين واضحين لكيفية توظيف أدوات الضغط السياسي والاقتصادي الأمريكية، وما تتركه من آثار عميقة على استقرار الدول ومستقبلها، حيث تتخذ منهجا تدميريا مدعوما بأكاذيب مضللة. ففي فنزويلا، اتسم الموقف الأمريكي منذ سنوات طويلة بالعداء الصريح للنظام الحاكم، خاصة بعد تبني كاراكاس نهجًا سياسيًا واقتصاديًا مناهضًا للهيمنة الأمريكية، واعتماد خطاب سيادي رافض للنفوذ الخارجي. استخدمت واشنطن حزمة من الأدوات شملت العقوبات الاقتصادية، والعزل الدبلوماسي، والاعتراف بقوى معارضة كممثل شرعي، إضافة إلى محاولات خنق قطاع النفط، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الفنزويلي. ورغم تبرير هذه السياسات بضرورة “إعادة الديمقراطية”، فإن نتائجها العملية أفضت إلى تدهور اقتصادي واسع، وانخفاض حاد في مستوى المعيشة، وتحمل المواطن الفنزويلي العبء الأكبر.

 

 

وشهدت فنزويلا مؤخرًا تطورًا بالغ الخطورة تمثل في اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس في ظروف وصفتها كاراكاس بأنها انتهاك صارخ للسيادة والقانون الدولي. هذا الحدث مثّل ذروة لمسار طويل من الضغوط الأمريكية، وانتقالًا من سياسة العقوبات والعزل السياسي إلى التدخل المباشر تحت ذرائع قانونية وأمنية. ويعكس هذا التطور، بحسب مراقبين، المنهج الأمريكي القائم على نزع الشرعية عن الأنظمة غير المتوافقة مع مصالح واشنطن، وصولًا إلى استهداف رأس الدولة ذاته، وهو ما أعاد طرح أسئلة خطيرة حول مستقبل الاستقرار في فنزويلا، وحدود استخدام القوة في فرض التغيير السياسي. كما عزز هذا المشهد المخاوف من تعميم النموذج نفسه في دول أخرى، من بينها السودان، عبر تصعيد الضغوط وتدويل الأزمات بدل دعم حلول وطنية خالصة.
وعلى نحوٍ مختلف في الشكل، لكن متشابه في الجوهر، تعاملت الولايات المتحدة مع السودان عبر مسار طويل من الضغوط والعقوبات والتصنيفات السياسية. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، خضع السودان لعقوبات أمريكية قاسية، بذريعة دعم الإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان، وهو ما أدى إلى عزله عن النظام المالي العالمي، وإضعاف مؤسساته الاقتصادية، وتعطيل فرص التنمية. ورغم رفع اسم السودان لاحقًا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، فإن السياسة الأمريكية ظلت قائمة على مبدأ “العصا والجزرة”، عبر ربط أي انفراج اقتصادي أو سياسي بتنفيذ اشتراطات محددة.

ويقول الأكاديمي والباحث في الشؤون الدولية إبراهيم الخير أن وجه الشبه الأبرز بين الحالتين يتمثل في استخدام الاقتصاد كسلاح سياسي. ففي فنزويلا، شكّلت العقوبات أداة ضغط لإحداث تغيير سياسي من الخارج، وفي السودان، استُخدمت العقوبات والتلويح بها، إلى جانب التحكم في مسارات الدعم الدولي، كوسيلة للتأثير في خيارات النخب الحاكمة ومسار الانتقال السياسي. وفي كلا النموذجين، لم تكن الأنظمة وحدها هي المتأثرة، بل انعكست التداعيات مباشرة على حياة المواطنين، من خلال التضخم، وتراجع الخدمات، وارتفاع معدلات الفقر.
واضاف الخير: كذلك تتشابه التجربتان في دعم قوى سياسية بعينها بوصفها “البديل المقبول” أمريكيًا. ففي فنزويلا، جرى الاعتراف بقيادات معارضة، ومحاولة فرضها كأمر واقع، دون نجاح حقيقي في تحقيق الاستقرار. وفي السودان، اتخذت واشنطن مواقف منحازة أحيانًا لبعض الأطراف المدنية، وقدمت نفسها كراعٍ لمسار سياسي محدد، ما أسهم في تعميق الانقسام الداخلي، بدلًا من تشجيع توافق وطني شامل يراعي تعقيدات الواقع السوداني.
كما يظهر التشابه في تجاهل الخصوصيات الداخلية. فالمجتمع الفنزويلي، بتكوينه السياسي والاجتماعي المعقد، لم يكن مهيأً لحلول مفروضة من الخارج، وكذلك الحال في السودان، حيث تتداخل العوامل القبلية، والإثنية، والعسكرية، والتاريخية، بما يجعل أي مقاربة خارجية مبسطة عرضة للفشل. السياسة الأمريكية في الحالتين بدت وكأنها تنطلق من قوالب جاهزة، تفترض أن الضغط الاقتصادي والسياسي كفيل بإنتاج تغيير سلس، وهو افتراض أثبت الواقع عدم دقته.
ويمضي إبراهيم الخير في حديثه قائلا: من ناحية أخرى، فإن استمرار الضغوط الأمريكية أسهم في إضعاف الدولة الوطنية. ففي فنزويلا، أدى الحصار الاقتصادي إلى تقليص قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية، وفي السودان، ساهمت الضغوط الطويلة في إضعاف البنية الاقتصادية والمؤسسية، ما جعل البلاد أكثر هشاشة أمام الأزمات والصراعات الداخلية. هذه الهشاشة بدورها فتحت المجال لتدويل الأزمة، وتكاثر المبادرات الخارجية، على حساب الحلول الوطنية. غير أن أخطر ما تكشفه المقارنة بين السودان وفنزويلا هو أن السياسات العقابية نادرًا ما تحقق أهدافها المعلنة. فالنظام الفنزويلي لم يسقط، لكن المجتمع دفع ثمنًا فادحًا، والسودان لم ينعم باستقرار حقيقي رغم تغير الحكومات وتبدل الشعارات. ما تحقق فعليًا هو إطالة أمد الأزمات، وتعميق الانقسام، وإضعاف ثقة الشعوب في الخطاب الدولي حول الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وختم إبراهيم: خلاصة القول إن أوجه الشبه بين السياسات الأمريكية تجاه السودان وفنزويلا تكمن في اعتماد الضغط الاقتصادي والسياسي كأداة رئيسية، ودعم مسارات انتقائية للتغيير، مع إغفال كلفة ذلك على الشعوب. وتُظهر التجربتان أن أي انتقال سياسي مستدام لا يمكن فرضه من الخارج، بل يجب أن ينبع من توافق داخلي حقيقي. وبالنسبة للسودان، فإن استيعاب دروس فنزويلا يفرض ضرورة تحصين القرار الوطني، وتجنب الارتهان للضغوط الخارجية، لأن التجربة تثبت أن التغيير المفروض غالبًا ما يكون أكثر كلفة من الأزمات التي يسعى إلى حلها.