
أشواق وأشواك
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
أشواق وأشواك
المسافة بين القاهرة وأبوظبي القياس بالنوع لا بالمقدار
أحد فقراء البادية استأذن شيخ العرب أن يذهب إلى المدينة لزيارة شقيقيه لصلة الرحم وطلب المساعدة. كان أحدهما رقيق الحال يعيش أسرته ببيع الخضروات والآخر كان ثريا يملك مغلقا بالسوق الكبير. رحّب به الفقير واستضافه واعتذر له عن المبلغ الضئيل الذي ساعده به، أما شقيقه الثري صاحب المغلق فقد رده معتذرا بحالة الكساد التي تضرب السوق. وعندما عاد بخفي حنين زار شيخ العرب فسأله عن مساندة شقيقيه ومحصلة الرحلة، فقال له مبتسما في حزن وسخرية (باختصار يا شيخ العرب الفيهو شي ما عندو شي والعندو شي ما فيهو شي) وهي عبارة من عبقريات القريحة السودانية في أدب ما قل ودل، وتعني بالفصيح إن صاحب القيم فقير ومالك القيمة بخيل. وبمنطق المماثلة فقد ذكرتني حالة السودان بعد النكبة، فقد لجأنا لشقيقتنا مصر المتعففة فاقتسمت معنا اللقمة والقضية، ولجأنا لشقيقتنا الإمارات الثرية، فاقتسمت معنا الخصومة واقتسمت مع عدونا البندقية!
وقد قررنا بعدها أن نمد يافطة الشعار المدوي ما بين القاهرة وأبوظبي، وكتبنا فيها بأحرف من الدمع والدم (الفيهو شي ما عندو شي، والعندو شي مافيهو شي..!)
شحاد يتبرع بدورة إقتصادية كاملة
بعد أن قرأت هذه الطرفة اللطيفة عن أحد العباقرة الشحادين في اللجنة الإقتصادية لبغداد غير المعلنة أحبب أن أغير فيها قليلاً حتى تصبح مادة سودانية خالصة تقول القصيرة :أن شحاذ ببغداد في خلافة المهدي كان ينادي على الجسر :
اللهم سخر الخليفة لأن يعطي الجند أرزاقهم فيشتروا من التجار الأمتعة ويربح التجار فتكثر أموالهم فتجب فيها الزكاة فيتصدقوا علىّ منها.
كلام الشحاذ يتضمن دورة إقتصادية تبدأ من الدولة بالترتيب التالي:
الخليفة_الجنود_ التجار_ الشحاذ
فقلت
كان هناك شحاد بأمدرمان في رئاسة البرهان ينادى على الطابية:
اللهم سخر الرئيس لأن يعطي الجند والأفندية أرزاقهم فيشتروا من التجار الأمتعة ويربح التجار فتكثر أموالهم فتجب فيها الزكاة الزكاة والضرائب والرسوم وأتاوات المحليات والمكوث والجمارك والقيمة المضافة فيتصدقوا علىّ منها.
فصارت عندي هذه الدورة لإقتصادية كالتي :
الرئيس الجنود_ الأفندية_التجار الشحاد
الفرق بين علماء السكينة وعلماء السوء
قيل للعالم الزاهد الآجري لماذا تتجنب مجالس الأمراء وهم فيك راغبون فقال قدس الله سره :إني أخاف أن أكون من علماء السوء فقيل ما هي صفاتهم يا مولانا فقال :
عالم السوء هو من رغبت نفسه في حب الشرف المنزلة وأحب مجالسة الملو وأبناء الدنيا ليشاركهم فيما هم فيه من راخي العيش ولم يمكنه ذلك إلا ببذل دينه فتذلل للملوك وأتباعهم وخدمهم بنفسه وسكت عن قبيح ما يظهر من مناكيرهم ثم زين لهم كثيراً من قبيح أفعالهم بتأويله الخطأ.
رغم الخلاف فالخوارج بعض من تاريخنا
كنا في كلية الآداب نستدل سراً بأشعار الخوارج في الرثاء وبكلماتهم عند اللقاء ومأثوراتهم عند الأسر ونحن نعلم ماهم عليه من ضلال ولكن الكلمة في كل الأحوال تظل طليقة من التقديرات والكوابح الفكرية وهم رضينا أم أبينا بعض من تاريخنا وقد استوقفتني كلمات الحُطيط الخارجي حين أسره الحجاج وظهر في شجاعته وهو بين يدي السيف والنطع فقد ذكرت الحكاية في الأمالي للمرتضى أن الحجاج إستجوب خارجياً يدعى الحُطيط فدار الحوار التالي :
الحجاج :ماذا تقول في عبدالملك؟ (يعني الخليفة عبدالملك بن مروان الخيلفة الأموي الشهير).
الحُطيط : ما ٌول في رجل أنت خطيئة من خطاياه.
الحجاج : فهل هممت بي قط (أي فكرت بقتلي)
الحُطيط : نعم ولكن حال بيننا بيْن وقدر وقد أعطيت الله عهداً لئن سأتني لأصدقنك وغن خليت عني لأطلبنك ولئن عذبتني لأصبرن لك.
فقتله.
نيتشه واعظاً
بالرغم من شطط الفيلسوف والشاعر نيتشه أحد أشهر الفلاسفة المعاصرين ومن المؤثرين الكبار في الحركة السياسية والإقتصادية والفكرية في المجتمعات الأوروبية المعاصرة وقد تأثر في فلسفته القائمة على النزعة الفردية التي يرى فيها أن مهمة المجتمع هو إنجاب الأفراد المتميزين ومن أهم كتبه ( هكذا تحدث زرادشت) والغريب أن الكتاب والمفكرين من أقليات النصارى قد تأسروا به منهم: مرقص فرج وفرح أنطوان وسلامة موسى ومن أقواله المأثورات وهي هديتنا للدعاة ( والحقيقة ضالت المسلم) قوله:
الإجبار على الفضيلة لا يخلُق مجتمعاً فاضلاً، بل مجتمعاً منافقا.
حكمة والله وحكاية
ومن كُتاب الرواية الكبار الكولومبي غابريال غارسيا ماركيز الذين اشتهر برواياته مئة عالم من العزلة والحب في زمن الكوليرا وأخريات وقد ترجمت بشتى لغات العالم وقد اشتهر أيضا بالمقالات والقصص القصيرة والتعبيرات الفكرية الرشيقة المحكمة وقد كان محباً للحياة محرضاً للناس بها ولها ومنها :
(ليس صحيحًا أن الناس يتوقفون عن مطاردة أحلامهم لأنهم تقدموا في العمر، بل يتقدمون في العمر لأنهم توقفوا عن مطاردة أحلامهم) .
الحقب السياسية على طريقة ما قل ودل
الفاتح من ياناير
أصدق ما في هذا التاريخ انه حقق الإستقلال دون أن يٌقتل أحد وكان القتلى في الجوار القريب بالآلاف كأنما أرادت المشيئة أن تقول للتاريخ كفى بمئات آلالاف من الذين قٌتلوا في المهدية الأولى والثانية بالحق وبالباطل ولو كنت يومها راشداً وصاحب صوت وصحيفة لهتفت في وجه الأزهري نعم للإستقلال ولكن وحدة وادي النيل كانت هي الحق والواجب والحاضر والمستقبل ولكن للأسف فإن عقارب الساعة لا تتقهقر للوراء.
17 نوفمبر 58
كانت الأمانة أكبر من طموحات وأطماع السيدين والحزبين والطائفتين فأوفدوا يومها رئيس الوزراء الجنرال عبدالله خليل لتسليم السلطة على صحن من ذهب للجنرال عبود القائد العام للجيش السوداني لأنهم بختصار كانوا يريدون أن يناصفهم نصف الفشل إلى حين لكنهم ألقى على ظهورهم كل الفشل وركب صهوة السلطة الذي يركب صهوتة السلطة لا يترجل (بي أخوي واخوك).
ثورة 21 اكتوبر
أكتوبر كانت أكبر مسرح مسرح سوداني أطلقت من على خشبته أجمل الأناشيد والأغنيات الوطنية، وأجمل تعريف لواحد وعشرين أكتوبر أنها واحد بلا عشرين .
25 مايو
نظام دبر له عبدالخالق محجوب فذهب قتيلاً وبابكر عوض الله فذهب طريداً وعارضه الإمام الهادي فذهب شهيداً وقاتله الشهيد حسين الهندي فصار زعيماً وسوق له محمود محمد طه فانتهى صريعاً وصالحه الصادق المهدي فقبض الريح وحالفه الترابي فصنع حركة ودولة.
19 يوليو
لو قرأ عبدالخالق وعمر مصطفى المكي ومحمد إبراهيم نقد ودكتور محمد سعيد القدال والدكتور عبدالله علي إبراهيم والمقدم بابكر النور لو قرؤوا بتمعن القرآن والسنة الشريفة والتاريخ العربي الإسلامي برؤية ناقدة وأقصوا الرأس المال والمادية الجدلية والبيان الشيوعي جانباً لكتشفوا أن مستقبلهم كان في الحزب الإشتراكي الديموقراطي.
6 أبريل 1985
ولأن الجنرال عبدالرحمن سوار الذهب كان عسكرياً مهذباً ولم يكن جنرالاً مستبداً فقد جعل الفترة الإنتقالية عاماً واحد والذين يقرؤون التاريخ بتروي وواقعية سيقولون ليته كان في تلك الحقبة مستبداً حميداً إنما العاجز من لا يستبد.
30 يونيو
كانت أكثر النسخ جرأة في تاريخ الثورات العربية والإسلامية كانت مزيدة ومنقحة ولكن بعض المالكين الذين لا يستوعبوا قدرها أضاعوها وعندما بحث المبدئييون عن النسخة الأصلية وشهادة البحث وجدوا أنها قد ضاعت ونفذت من الأسواق.
19 ديسمبر
غضبة وظيفية جعلت الراعي السفاح زعيماً وجعلت موظف أممي وشيوعي مفصول لسوء الآداء وفوق ذلك عارياً من الموهبة والنضال رئيساً وجعلت من اللصوص ثواراً وصنعت من الخونة مناضلين وركب الضحايا ( التونسية) .