تشكيل المجلس التشريعي .. ملامح انتقال جديد في السودان

تشكيل المجلس التشريعي .. ملامح انتقال جديد في السودان

تقرير: الهضيبي يس

برز خلال الأيام الماضية اتجاهٌ داخل دوائر صنع القرار في السودان نحو تشكيل مجلسٍ تشريعي عبر آلية التعيين، في خطوةٍ تعكس ملامح التحول المرتقب نحو مرحلة ما بعد الحرب، رغم أن التفاصيل النهائية لهذا التشكيل لم تُعلن بعد بصورة رسمية. ويأتي هذا التوجه في إطار التمهيد لانتقالٍ سياسي أوسع، يستهدف إشراك قطاعٍ عريض من القوى السياسية في إدارة شؤون البلاد، بعد فترةٍ طويلة من الغياب الذي فرضته ظروف الحرب وتعقيداتها. ويرى مراقبون أن خيار التعيين، على الرغم مما يثيره من جدل، يُعدّ حلًا مؤقتًا فرضته الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها البلاد، في ظل تعذُّر الوصول إلى انتخاباتٍ حرةٍ وشاملةٍ في هذه المرحلة. ويُتوقَّع أن يضطلع المجلس التشريعي المرتقب بدورٍ محوري في سنّ القوانين الضرورية لإعادة بناء الدولة، ومراجعة التشريعات التي تعطلت بسبب الحرب، إلى جانب ممارسة الرقابة على الأداء التنفيذي خلال المرحلة الانتقالية.

 

 

وتشير التسريبات إلى أن معايير الكفاءة والخبرة والتوازن الجغرافي ستكون من أبرز المحددات في اختيار أعضاء المجلس، بما يضمن تمثيلًا عادلًا لمختلف الأقاليم والقوى المجتمعية، ويحدّ من حالة الإقصاء السياسي. وبحسب مؤشراتٍ متداولة، من المتوقع أن يشهد منتصف شهر فبراير المقبل إعادة تشكيل الحكومة الجديدة، على أن تأتي هذه المرة بطابعٍ سياسي أشمل، يختلف عن نموذج حكومة التكنوقراط التي سادت خلال المرحلة الحالية.
ويُراهن المسؤولون على أن تُسهم الحكومة المرتقبة في توسيع قاعدة المشاركة السياسية، وتحميل القوى الحزبية مسؤولية مباشرة في إدارة الملفات الاقتصادية والأمنية والخدمية، بدل الاكتفاء بدور المعارضة من خارج السلطة.
وفي السياق، يُنتظر أن يُعلن رئيس الوزراء، د. كامل إدريس، عقب انتقاله إلى العاصمة الخرطوم منتصف يناير، عن مشروعٍ سياسي جديد يركّز على إعادة الأحزاب إلى المشهد العام، بعد أن ظلت مغيّبة طيلة فترة الحرب.
ويُنظر إلى هذا المشروع باعتباره محاولةً جادة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والقوى السياسية، وفتح قنوات حوارٍ مسؤولة تُفضي إلى توافقاتٍ وطنية عريضة حول قضايا الحكم والسلام والعدالة الانتقالية.
كما يُعوَّل على أن تمثل هذه التحولات مدخلًا حقيقيًا لمعالجة جذور الأزمات المتراكمة، وليس الاكتفاء بإدارة نتائجها، عبر مقارباتٍ سياسية أكثر شمولًا وواقعية.
ويرى محللون أن نجاح هذه الخطوات يظل مرهونًا بقدرة الحكومة والقوى السياسية على تقديم تنازلاتٍ متبادلة، وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية الضيقة. ما قد يجعل العام 2026، بوصفه عامًا مفصليًا، للمصالحات السياسية والتقارب بين الفرقاء، ونبذ الخلافات التي أنهكت البلاد، تمهيدًا لوضع أسسٍ متينة لبناء سودانٍ جديد قائم على فكرة التداول السلمي للسلطة.
ويشير الكاتب الصحفي والمحلل السياسي هيثم محمود إلى أن مسألة إشراك القوى السياسية ضمن تشكيلةٍ جديدة للحكومة خلال الفترة القادمة قد تكفل لها توفير غطاءٍ سياسي يساعد على إدارة ما يُعرف بالحوار السوداني – السوداني، ومناقشة جذور أزمة النزاع المسلح وكلياته، بعيدًا عن أي حلولٍ ومقترحاتٍ خارجية.
ويضيف محمود: ولتحقيق ذلك، يتطلب من التنظيمات السياسية أن تخطو أمام الحكومة بخطوات، بحيث تُفتح أبواب النقاش حول طبيعة الوضع الدستوري والقانوني القادم للحكومة، وما هي البرامج والقضايا التي تحتاج إليها الدولة بصورةٍ ملحّة، خاصةً تلك الاقتصادية والسياسية والأمنية، وكيفية التعامل مع الأطراف التي ستكون معارضةً لمثل هذا الطرح.
وزاد: وهنا أودّ التأكيد على ضرورة الإفصاح عن بعض بنود الإعلان السياسي المتوقع، والذي ستستند عليه أسس الحكومة القادمة، ومن هي التنظيمات السياسية المعنية بذلك، سيما وأن إجراء أي مصالحةٍ سياسية بالبلاد ليس بالأمر الصعب، وللسودان تجربة قد جرت بحلول العام 2005، أو ما عُرف وقتها بحكومة الشراكة، التي جمعت ما بين طرفي اليمين واليسار في قبة البرلمان.
ويرى الخبير والمحلل السياسي معتصم عبد الله أن خيار التعيين في تشكيل المجلس التشريعي يمثل حلًا مؤقتًا، لكنه ضروري في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان، مؤكدا أن هذا التوجه يتيح للدولة سرعة في اتخاذ القرارات التشريعية والإشراف على الأداء التنفيذي خلال المرحلة الانتقالية. ويشير معتصم إلى أن “التركيز على الكفاءة والخبرة والتوازن الجغرافي في اختيار أعضاء المجلس يُعد خطوة إيجابية نحو تمثيل عادل لمختلف القوى المجتمعية وتقليل الإقصاء السياسي. منوها إلى أن إعادة الحكومة إلى طابع سياسي أشمل، يشمل الأحزاب والقوى السياسية، من شأنه تعزيز المشاركة السياسية وتحميل الأحزاب مسؤولية مباشرة في الملفات الاقتصادية والأمنية، بدل الاكتفاء بدور المعارضة من خارج السلطة.