
أين وأين وأين.. تداعيات على صدر يناير
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
أين وأين وأين.. تداعيات على صدر يناير
ترى أين ذهب الاحتفال الحزبي الضخم الموعود لعودة المفارق لحزب الأمة؟ بل أين حزب الأمة الذي انضم لحزب الأمة؟ أين الجحافل والمواكب والهتاف؟ أين الصياح بل أين الصباح؟ لقد كان المرتقب أن يكون يوماً من أيام الأنصار فتقزّم إلى مناسبة عيد ميلاد لطفلة في اللمّة منسية..
٭ أين السادة الأفاضل،المواقف الزلازل؟.. بل أين صوت عكير الحزين:
القفطان أمُرقُو.. لِباسو فيك ما بْخِيل
تخِيل فيك الدروع وركوب عواتي الخيل
كل هذا التاريخ الوطني العريق وكل هذه الأشواق بالوحدة والتعاضد صبوها في (برمة) وأحكم إغلاقها بالخيانة والعمالة وقذفت في مجاهيل الصحراء ما بين ليبيا وتشاد ومازال البحث جارياً.
* أين شباب الحارة الذي كان (يصين) بعرقه كل بيوت الحي قبل الخريف ويفتح كل الجداول والمعابر قبل الأمطار؟.. أين أولاد الحي الذين كانوا يصونون كل بنات الحارة؛ يتزوجون بالعفيفة ويعدّدون بالجميلة ويخافون الله في ناضرة الدواخل وفقيرة الإطلالة؟.. أين أولاد الحي الذين كانوا يغادرون العطالة لواذاً وجماعات وأفراداً إلى المناطق الصناعية طلب النجارة والحدادة والبناء والفحولة.. وصنعة في اليد تقى بالقناعة من الفقر..
* أين الذين كانوا يهمسون بالشعر وبالغناء الرصين ويبحثون عن حلال القناعة وجميل الثراء؟.. أين أبناء الرجاء من أبناء الشتاء الذين تزلزلهم الآن لفحة هواء بارد وتشغلهم الأفلام عن العلم والأدب والشوارد؟..
ترى هل رحل زمان الكريم الطروب والشجاع الذي تحركة للمعارك والمصادمة (نمة) ومسدار إلى التحريض النبيل؟
٭ أين الذين كان قِراهم في الديوان الكبير ومائدتهم في الساحة وجفنتهم مترعة بالفطير والسمن الخطير، أمام أعين الأثرياء والفقراء والمتعففين.. أين الذين كانوا يأكلون في مكان واحد ويصلّون في مكان واحد.. أين الذين كان لهم الخالق الواحد الذي له يسجدون ويسألون ويستغفرون؟.. أين الذين كانوا لا يخافون في الحق لومة لائم؟..
أين الذين كانت ليست بينهم عانس وإن فارقتها الوضائة وأين الذين كانوا يزوجون بأية من القرآن ويحفظون عفاف الشباب، وتحضرني دائما عبارة ذلك الصحابي الذي وقف أمام جثمان الأمام الحسن وكان كريماً ومزواجا وكان يرثية ساعة الدفن المهيب باكياً على ورعة وفحولته (بأبي وأمي أنت يا بن رسول الله يا كبير الجفنة يا نكاح النساء) .
والجفنة عندنا في السودان (القدح أب خرس) الذي يترع بالثريد والسمن البلدي ويقدم (يوماتي) لضيوف الهجعة
* أين الريف الذي كان لا يزور المدينة إلا لماماً.. لأنه كان يتأفّف من الذين يأكلون في الغرفة و(يتجمّرون ) في الجوار؟.. أين الذين كانوا يفاخرون بأشجارهم وثمارهم فظاظة الأسمنت.. وقساة القلوب من أهل المدن والحواضر؟.. أين الريف الذي كان بأدنى يديه زرعه وضرعه وأمنه ونبعه ودعاشه ونومه الهادئ وعشّه النادي وإلفته وخلوته وصوت النواعير والعصافير والطير المهاجر مع آذان الفجر وقهقهات حاج بابكر والحاجة دار السلام السعيدة، وهم يمدون ألسنتهم ساخرين من الأمم المتحدة ومجلس الأمن والشفخانة.. وتهمس الحاجّة في أذنه بخَثَر: (تلقى العافية من غير بنسلين ودكاترة).. أين الريف الذي يصطف فيه الأطفال عند طابور الصباح يغنون للخالق والفجر والعلم والفلاح والسودان الواحد؟..
٭ أين النقيب أحمد المصطفى حين كان يغني وطن النجوم؟ وأبو داؤود (الكحلي) الوسيم كما كان يسميه علي المك حين يغني لنيل الحياة؟ والكابلي حين ينشد لغابات كينيا والجزائر وفتاة اليوم والغد والتعاون والشوارع الغر والمضايق؟ أين التاج ابن الأرومة الطيبية حين كان يهتف صباحاً: يا نسيم قول للأزاهر نامت الناس وأنا ساهر؟.. بل أين عبد الدافع حين كان يقف مع أحمد علي باكثير في يوم البحيرة؟.. ووردي حين يصدح بصوته السهل الممتنع بإليازة سماعين: خاف من الله والمستحيل ورائعة كجراي ما في داعي؟.. أين عثمان حسين حين كان يُسهب الدنيا بالوكر المهجور وأوراق الخريف وبعد الصبر؟.. أين عشوشة حين كانت تغني أزهار الربيع.. ويجوا عايدين والتجني؟.. أين إبراهيم عوض صاحب بسمة الأيام والمصير وملاذ أفكارنا الهيمانة؟.. أين أبو علي أمير العود: وأنا حالي ظاهر والرملة البيضا؟.. أين أبو صلاح صاحب أخطر أغنية في منشور ومقالة ضد التقسيم: أجسامنا ليه جسمين روحنا واحدة وكيف اتقسمت قسمين؟.. أين العبادي صاحب: أنظر يا نديمي وشوف يد القدرة وشوف حُسن البداوة الما لمس بدرة.. ورّاد النهر ادروني ما بدرى كاتلني الصفار أم نضرة الخضرة؟..
٭ أين يا ترى ود الرضي الذي توقفت رائعته في الإرادة الأمريكية قبيل الرنك حيث منعت المؤامرة البابور من تشريف الرجاف؟..
٭ أين سيد عبد العزيز صاحب سليم الذوق يا الجمالك صار زينة الأيام ومتعة الأبصار؟..
٭ أين عبيد صاحب هواك في جسمي اتخلل مجاري الدم اذا اتحلل؟.. أين المساح (دمع البكا) وبطران صاحب الأحلام؟.. والقائمة تطول.
٭ أين الذين أبكوا العقاد في نادي الخريجين، بل أين الذين أبكوا مصر؟.. أين الذين يتخلّقون حول دموع الكبير وكانوا دون العشرين، شوقي والفيل ومحمود الفضلي والدرديري وأحمد محمد صالح وقد تعالى صوته الشجي بليلة الوداع..
أبُعداً نرجى أم نرجى تلاقيا
كلا البعد والقُربى يهيج ما بيا
إذا أنا أحمدت اللقاء فإنني
لأحمد حيناً للفراق أياديا
ألا مَن لنا في كلّ يوم بفرقةٍ
تتجدد ليلات الوداع وتتواصل القصيدة الشهيرة حتى المنتهى..
ولما تقضّى الليل إلا أقلّه
وحان التنائي جُشت بالدمع باكيا
وأقبل يرعاني ويبكي فربما
بكى الطفل مَن باكيا
وإن كان لاهياً وزحزحني عنه
بكف رقيقة وأسبل أهداب الجفون السواجيا
وأسلمت كفي كفّه فأعادها
وقلبي.. فهلا أرجع القلب ثانيا
قال الشاهد وفي ليلة نادي الخريجين هذي بكى العقاد ونزلت دموعه مدراراً وصاح الشاعر السياسي الوطني الراحل محمود الفضلي: لقد بكى الجبار.
٭ وما بين هؤلاء وهؤلاء أين نحن من التيجاني، العباسي، والسراج، وصلاح أحمد إبراهيم، وود المكي، وإمام علي الشيخ صاحب الليل الأبيض وسند صاحب البحر القديم؟ والكتيابي وخالد فترح الرحمن وروضة الحاج، وأين نحن من عبد الله صاحب اللسان والبيان والجنان.. أين نحن من ليلة الاستقلال وليلة الجلاء وليلة أكتوبر وكل المتفق عليه والمختلف حوله.. أين نحن من تواضع الأزهري وأدمعه المتزيّدة في حضرة السيدين ومقولته المجاملة: ولولا هؤلاء لما نلنا حرية صحن الصيني بلا شق ولا طق. هذه الجملة التي سارت بها الركبان.. فهلا نحلم بوحدة مثل صحن الصيني بلا شق ولا طق؟
وأين من بعد شعراء الشعارات الوجدانية والمارشات العاطفية ود الريح وحسين عثمان منصور وعوض حسن أحمد وعوض أحمد خليفة وبازرعة وصلاح أحمد محمد صالح وود القرشي والمغربي وأخيراً جداً الحلنقي الرائع الذي يقف في أخر الطابور وينافس الكبار؟..
٭ أين نحن من منزول وبرعي وسانتو وكمال والدحيش وقاقا وكأس أفريقيا وعام 70 والإسيد فتوّة مدني الذي لا تملك له للأسف معابرنا الإعلامية الجاحدة ولا حتي لقطة فوتوغرافية عابرة مع أنه جلّلنا بالوقار وكأس الذهب في ذلك اليوم المشهود.
٭ أين نحن من نجوم الطب والصحافة (والجامعة القيافة)؟.. أين نجومنا الذين شرّفوا محافل العمل والكفاءة في الخليج وأفريقيا وآسيا وأوروبا؟.. نعم ما عادوا بفلس واحد ولكنهم غرسوا هناك شجرة الاحترام وحسن الأحدوثة.
٭ أين نساء العزة ومهيرات الشرف عبر رابحة ومهيرة وصيحة بت المكاوي الآثرة:
طبل الحرب ضرب ها وينو
في البرزة وغير ضرب أم كبان
أنا ما بشوف عزة
إن طال الوبر بنواسيهو بالجزة
وإن ما عمّ نيل ما فرّخت وزة
٭ أين نحن من كل عواصم الدنيا تلك التي توحّدها المصائب والأتراح، إلا نحن فقد تعوّدت المصائب والأتراح أن تفرّقنا مثلما تعلمت المطائب والأفراح أن تمزقنا.
٭٭ عزيزي القاريء.. عندما أنهيت هذه الخاطرة المتداعية، قلت لنفسي: ولماذا (أين)؟ أو بالأحرى لماذا الزمان والوقوف على الأطلال؟.. وفتشت في ذاكرتي فأطل الأحنف بن قيس ومعاوية يسأله عن الزمان فقال:
(أنت الزمان فإن صلُحت صلُح وإن فسدت فسد).. ولأن الأمانة واحدة في هذا المنعطف الخطير في تاريخ بلادنا، مقسمة بالتساوي بين المعارضة والحكومة والأرض والتاريخ، ومتداخلة وشائكة بين الفرقاء والفقراء، حُقّ لنا أن ننصح الحاضر بنصيحة الأحنف..
يا شعب السودان أنت الزمان؛ فإن صلُحت صلح وإن فسدت فسد… ويا له من صلاح ويا له من فساد.. وللكلمة بقية ولو بعد حين.