
أفكار على أوتار وأشجان الأمسيات
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
أفكار على أوتار وأشجان الأمسيات
كان أبو العتاهية بعد التوبة لا يبالي
من الحكايات المشرقة في تاريخ المجالس العربية أن أبو العتاهية حين خرج من الخلاعة إلى الزهد دعاه مرة هارون الرشيد لأحدي مجالسه المترفة بالأدب والمسامرة ودَعة المأكل والمشرب والند والعطور وقد كلف بأمر الإستدعاء للشاعر الكبير وزيره وعندما حضر قال له هارون: “صف لنا مجلسنا هذا”، فقال أبو العتاهية:
عش ما بدا لك سالما
في ظل شاهقة القصور
يسعى عليك بما اشتهيت
لدى الرواح وفي البكور
فإذا النفوس تقعقعت
في ضيق حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقنا ما كنت إلا في غرور
وبكى هارون الرشيد عند سماعه ذلك، فقال الفضل بن يحيى له: “بعث إليك أمير المؤمنين لتسرُّه فأحزنته!” فقال هارون الرشيد: دعه؛ فإنَّه رآنا في عمى فكره أن يزيدنا عمى.
ومن قصيدة أبو العتاهية هذه أخذ أمير الشعراء قصيدته في سقوط الخلافة وتعزية السلطان عبدالحميد عند التنحية معرضاً بالجيش الذي أحدث الإنقلاب
سُدتَ الثَلاثينَ الطِوالِ
وَلَسنَ بِالحُكمِ القَصير
تَنهى وَتَأمُرُ ما بَدا
لَكَ في الكَبيرِ وَفي الصَغير
لا تَستَشيرُ وَفي الحِمى
عَدَدُ الكَواكِبِ مِن مُشير
كَم سَبَّحوا لَكَ في الرَواحِ
وَأَلَّهوكَ لَدى البُكور
وَرَأَيتَهُم لَكَ سُجَّداً
كَسُجودِ موسى في الحُضور
خَفَضوا الرُؤوسَ وَوَتَّروا
بِالذُلِّ أَقواسَ الظُهور
ماذا دَهاكَ مِنَ الأُمورِ
وَكُنتَ داهِيَةَ الأُمور
تعريف جديد للنزاهة
ومن لطائف القصيدة الحرة التي كنا نتسلى بها في الجرائد الحائطية وعند الأنس القصائد الكاريكاتير عند مطر والبرغوثي وصلاح أحمد إبراهيم ومنها:
قال صندوق الإنتخابات:
عداد التاكسي
وبائع الحليب
وأنا…
لو راقبتنا الملائكةُ والشياطينُ معاً،
سنغشّثكمْ.
إسرائيلي ضد الغواية
ومن إعجاز القرآن في الحفظ وإبعاد تهمة التزوير عنه ما قرأته في مجلس آخر من مجالس المأمون وقد استوقفني ذكاء هذا الإسرائيلي في بحثه عن الحقيقة مثلما ما استوقفتني سماحة المأمون في حواره مع الخصوم، كأنما كان يطل في خاطره التوجيه القرآن الكريم: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. وكان للمأمون – وهو أميرٌ إذْ ذاك – مجلِسُ نظر، فدخَل في جملة الناس رجلٌ يهودي، حسَنُ الثَّوب، حسن الوجه، طيِّب الرائحة، قال: فتكلَّمَ فأحسن الكلامَ والعبارة.
فلما تقوَّض المجلسُ دعاه المأمون، فقال له: إسرائيليٌّ؟ قال: نعم
قال: أسلِم حتى أفعل بك وأصنعَ، ووعَدَه، فقال: ديني ودين آبائي، وانصرف.
قال: فلمَّا كان بعد سنة جاء مسلمًا، فتكلَّم على الفقه، فأحسنَ الكلام
فلما تقوَّض المجلسُ دعاه المأمون، وقال: ألست صاحِبَنا بالأمس؟
قال: بلى
قال: فما كان سبب إسلامك؟
قال: انصرفتُ من حضرتك، فأحببتُ أن أمتحِن هذه الأديان، وأنت تراني حسَنَ الخطِّ، فعمدتُ إلى التوراة، فكتبت ثلاث نُسَخ، فزِدْتُ فيها ونقَصْت، وأدخلتُها البيعة، فاشتُراها الحاخام الأكبر ببغداد وأحباره، وعمدتُ إلى الإنجيل، فكتبت ثلاث نسخ، فزدتُ فيها ونقصت، وأدخلتها الكنيسة، فاشتُراها مني كبير القساوسة ومن حوله رهبانه وقد اطلعوا على التوراة والإنجيل فأجازوها وقبضت مالي وخرجت وأنا متعجب من غفلتهم.
وعمدت إلى القرآن، فحملت ثلاث نسخ، وزدت فيها ونَقَصْت، وأدخلتُها الورَّاقين، فتصفَّحوها، فلما وجدوا فيها الزِّيادة والنقصان، رموا بها فلم يشتروها، فعلمتُ أنَّ هذا كتابٌ محفوظ، فكان هذا سببَ إسلامي وقالوا لي محذرين لولا أنا نعلم ان فيك شيئا من الغفلة والنسيان لأقمنا عليك الحد.
وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾
قاعة بحث في مقدمة بن خلدون
كنا دائماً في دراستنا للفلسفة وعلم الكلام والإجتماع مأخوذين بمقدمة إبن خلدون الموجزة في التعبير والفياضة بالأفكار وكنا في قاعة البحث دائماً ما نأخذ منه مقولة نشرحها، وتعلمنا من الرجل ومقدمته بعض معالم الجدل ولم نسلم من السفسطة والإبتداع لا الإبداع ورعى الله تلك الأيام وغفر لنا في توهان الفكر وشئ من التمرد الخفي (والله يعفو عن كثير) ومن العبارات التي ما زالت تدعو للتفكير والتدبر خاصة لأهل السياسية وأهل الفكر والتجديد له: (الأمة تأخذ الكثير عن سابقتها ولا تغفل عن عوائد جيلها).
إشتراكيون في المقابر
بعد أن تم فصلنا بعد ثورة شعبان عام 73 من الثانويات كنت أساعد الوالد في محلاته ببحري وأم درمان ولا أعكف في المحلات إلا قليلاً، فكانت لي موهبة التجوال في السوق والتعرف على الناس واكتشفت أن السوق جامعات كبيرة للذي يعرف قدرها ومن الذين تعرفت عليهم في سوق أم درمان الشاعر والباحث يوسف قباني صاحب ديوان (ما في الجبة إلا أمدرمان) وفي جلسة لطيفة بمحلاته بسوق الجملة دخل علينا خطاط كان يكتب الأقوال والأشعار الرامزة والهادئة ويجعلها في برواز أنيق غالباً ما كانت تُحلي حيطان الكثير من المحلات، وقد طلب منا الأخ يوسف أن أختار له أبيات تُعلق في محله الصغير الأنيق الذي كان منتدى لكثير من أهل الأدب والشعر والمؤآنسة، فاخترت له أبيات أبو العتاهية المعبرة والفاضحة لأمر الدنيا إذ يقول عليه الرحمة:
نَأْتِي إِلَى الدُّنْيَا وَنَحْنُ سَوَاسِيَةٌ
طِفْلُ الْمُلُوكِ كَطِفْلِ الْحَاشِيَةِ
وَنُغَادِرُ الدُّنْيَا وَنَحْنُ كَمَا تَرَى
مُتَشَابِهُونَ عَلَى قُبُورٍ حَافِيَةٍ
أَعْمَالُنَا تُعْلِي وَتَخْفِضُ شَأْنَنَا
وَحِسَابُنا بالْحَقِّ يَوْمَ الْغَاشِيَةِ
حُورٌ وَأَنْهَارٌ قُصُورٌ عَالِيَةٌ
وَجَهَنَّمٌ تُصْلَى وَنَارٌ حَامِيَةٌ
فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ مَا تُحِبُّ وَتَبْتَغِي
مَا دَامَ يَوْمُكَ وَاللَّيَالِي بَاقِيَةٌ
وَغَدًا مَصِيرُكَ لَا تُراَجِعُ بَعْدَهُ
إِمَّا جِنَانُ الْخُلْدِ وَإِمَّا الْهَاوِيَ
مطبات المسالك في ألفية بن مالك
من الأقاصيص التي تدعو للتدبر والإبتسامة ما حكاه أستاذنا الشاعر عبدالله الشيخ البشير حيث قال: أن المشايخ كانوا لا يحبون علم النحو وتعقيداته وقد مررت على الخلاوي في جِلاس وأم درق وكنت في إجازة من الأزهر فطلبت من الشيخ أن أدرس الطلاب شيئاً من النحو فقال لي بحدة وبصرامه: (يا عبدالله لو عايز تحفظ مرحبك بيك أنا خلوتي دي جار ومجرور ما بِنجر قِدَامها) وكان عليه الرحمة يقرأ علينا النقد الصريح لغرائب النحو والتذكير بفوائده عن الجاحظ، وكان يأمرنا بحفظ هذه المقولة التي تشكل في قيمتها وجزالة ألفاظها ودقة تعابيرها كتاباً يقول الجاحظ في علم النحو:
وأما النحو فلا تشغل قلبك منه إلا بقدر ما يؤديه إلى السلامة من فاحش اللحن ومن مقدار جهل العوام في كِتاب إن كتبه وشعر إن أنشده وشئ إن وصفه، وما زاد عن ذلك فهو مشغلة عما ما هو أولى به من رواية المثل الشاهد والخبر الصادق والتعبير البارع. وإنما يرغب في بلوغ غايته ومجاوزة الإقتصاد فيه_أي النحو_ من لا يحتاج إلى تعريف جسيمات الأمور والإستنباط لغوامض التدبر ولمصالح العباد والعلم بالأركان ومن ليس له حظ ومعاش سواه، وعويص النحو لا يجري في المعاملات ولا يضطر إلى شئ منها.
شعراء مصر والسودان الوقوف على النيل لا على الأطلال
الشاعر المصري الكبير الوحدوي علي الجارم عمل بالسودان وقد أحبته الصفوة السودانية وأحبها وله قصة مشهورة مع الشاعر عضو مجلس السيادة والوطني الكبير أحمد محمد صالح فحين تم تكريم الجارم في دار الخريجين نسي أصحاب الدعوة أن يخطروا بها أحمد محمد صالح فكتب قصيدة الشهير لائماً الجمع وقد كان الجارم يحفظها عن ظهر قلب
خلفت يا حسناء وعدي وجفوتني ومنعت رفدي
فينوس يا رمز الجمال ومتعـة الأيـام عــــندي
لما جلوك على الملأ وتخيروا الخطاب بعدي
هرعوا إليك جماعة وبقيت مثل السيف وحدي
وهي من أروع القصائد السودانية التي كُتبت في منتصف القرن الفائت وقد قرأ الشاعر علي الجارم في تلك الليلة قصيدته التاريخية التي وثقت للصلات التاريخية والجغرافية والإبداعية بين الشعب السوداني والشعب المصري أو بالأحرى الشعب الواحد لوادي النيل يقول فيها وهي من المطولات وقد جاري فيها إبن زيدون وشوقي
هبَّتْ بنا من جنوبِ النيلِ ضاحكةً
فيها من الشوقِ والآمالِ ما فينا
إنّا على العهدِ لا بعدٌ يحوِّلنا
عن الودادِن ولا الأيامُ تُنْسينا
أثرتِ يا نسمَة السودانِ لاعجةً
وهِجْتِ عُشَّ الهَوى لو كنتِ تدرينا
وسرت كالحلم في أجفان غانية
ونشوة الشوق في نجوى المحبينا
ويحي على خافقٍ في الصدر محتبسٍ
يكاد يطفر شوْقاً حين تسرينا
مرّت به سنواتٌ ما بها أَرَجٌ
من المُنَى فتمنّى لو تمرّينا
نبّهتِ في مصرَ قُمْريَّاً بِمُعشبةٍ
من الرياض كوجهِ البِكْر تلوينا
فراح في دَوْحِهِ والعودُ في يده
يردّد الصوتَ قُدْسيا فيشْجينا
يَطيرُ من فَنَنٍ ناءٍ إلى فَنَنٍ
ويبعَثُ الشدْوَ والنجوَى أفانينا
يا شاديَ الدَوْحِ هل وعدٌ يقربُنا
من الحبيبِ فإنَّ البعدَ يُقْصينا