
عصام جعفر يكتب: واحشني
مسمار جحا
عصام جعفر
واحشني
هي فعلا تجربة خطيرة جد يخوضها إنسان السودان وحتما سيجتازها بكثير من المعاناة والشوق والوحشة.
الفنان أبو عركي البخيت الذي إشتعل منه الرأس شيبا وأطلق لحيته وإنتحل الجسم منه ولكن لا زال صاحب نفس كبيرة (وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام).
أبو عركي أسرج ليالي أم درمان التي غابت عنها الكهرباء فلم يبق لها إلا ضوء القمر والنجيمات البعيدة وصوت عركي يناجي الغائبين والراحلين عن مدينتهم قسرا، واللاجئين إلى المنافي البعيدة الهاربين من الظالم وظلم الطغاة اللئام الباحثين عن الأمن والأمان والدفء بعيدا عن الوطن الذي أحالوه إلى ظلمة موحشة وليل دامس.
أبو عركي ظل في حالة حضور في الوطن الكبير صامدا منتظرا قدوم الأحباب والأهل والرفاق الذين غادروا على عجل وخلوا الريح تنوح فوق النخل.
كان رحيل أهل أم درمان مرا، وغيابهم فاجعا يملأ النفس حزنا ووحشة.
واحشني يالخليت ملامحك في حياتي ..
واحشني يالرسيت مراسيك جوة ذاتي ..
لما فاض الحنين بالفنان المرهف أبو عركي البخيت وطافت بخاطره ذكريات الأحباب الذين تركوا ملامحهم في حياة الفنان .. إنخذ كامل أناقته كما هو دائما وذهب إلى المسرح القومي الصامت الباكي ملتقى الأحبة وسمار الليالي واستنطق أبو عركي المكان واستدعى الزمان وصدح بصوته القوي المعبر:
واحشني يا الخليت ملامحك في حياتي ..
لقد أخذت أيام الحرب كل جميل وباعدت بين الأهل والأصحاب والجيران والخلان:
إلا باكر لما ترجع
أنا بحكي ليك عن الحصل
وعن بعد المسافة وقربها
ولمن يفارق زول عيون غاليات
عليهو كثير خلاص وبحبها
لقد تفرق الناس وتقطعت بهم السبل وتشتتوا في الأمصار والبلاد ليس برغبتهم وخاطرهم ولكن ..
والله أحكام يا قدر
والله أحكام يا مسافة
ويا سفر ..
الحرب لابد إنها ستضع أوزارها والغائبون والمسافرون والهاربون من جحيمها حتما سيعودون إلى الديار وإلى حضن الوطن الذي أحبوه (فالغريب عن وطنو مهما طال غيابو مصيرو يرجع تاني لأهلو وصحابو).
إلا باكر لما ترجع
أنا بحكي ليك عن الحصل
وعن بعد المسافة وقربها
الحرب جعلت من أبو عركي أيقونة النضال والصمود وحب الوطن وتحدى الخوف والوحشة والظلام ومعشوقا للجماهير ..
ولسه واحشني …