
عامر باشاب يكتب: رسالة لكل من خان الوطن وضيّع الأمانة..!!
قُصر الكلام
عامر باشاب
رسالة لكل من خان الوطن وضيّع الأمانة..!!
أجمل ما قرأت عن الوطنية وحب تراب البلد لدرجة إن هذا الوطني تجاوز حفظ تراب الوطن وسيادة الوطن إلى حفظ سمعته وحمايته وحماية مواطنيه من السيئات من القول، أي (السمعة السيئة).
والقصة التي تؤكد ذلك كما يحكيها الراوي، تقول: في مدينة القدس سوق اسمه سوق الحجاج، ويُسمّى الآن بـالسوق الطويل، وما زال موجوداً حتى الآن، وكانت العادة أن يضع الحاج الأمانات من أموال وذهب عند أي دكان في هذا السوق ويغادر إلى الحج، وعند عودته يمر على صاحب الدكان ويأخذ أمانته ويمضي لبلده.
كالعادة جاء رجل من خارج فلسطين يحمل صرّة حمراء وضع بها ماله، ثم توقف عند إحدى الدكاكين وأعطى صاحب الدكان هذه الصرّة طالباً منه أن يودعها عنده أمانة إلى حين عودته من الحج. ووافق صاحب الدكان بعد أن تأكد من عددها البالغ ثلاثة آلاف درهم، وتعرّف عليه، وغادر الرجل إلى الحج قاصداً بيت الله الحرام..
وبعد عدة أشهر عاد الرجل ودخل إلى الدكان فلم يجد صاحبها، فسأل عنه فقال له العمال إنه في البيت وسيعود قريباً، وعندما عاد طلب منه الرجل ماله فقال له: كم أودعت لدينا؟ قال له: ثلاثة آلاف درهم.
قال له: ما اسمك؟ قال له: اسمي فلان، ألا تذكرني؟ قال له: في أي يومٍ كان؟ قال: يوم كذا، وبدأ الرجل يرتاب من الأسئلة..
قال له: ما لون الصرّة التي وضعت المال بها؟ قال له: صرّة حمراء. قال له: حسناً، اجلس قليلاً.. وأمر بإحضار طعام الغداء له، واستأذن منه بأن عنده أمر مهم وسيعود على الفور. انتظر الرجل وقتاً ليس بالقصير، وإذا بصاحب الدكان قد جاء حاملاً معه صرّة حمراء، وفيها ثلاثة آلاف درهم. عدّهم الرجل وتأكد منهم، وقال لصاحب الدكان: جزاك الله خيراً، وانصرف..
وأثناء ما كان يمشي في السوق إذا به يرى شيئاً غريباً، فاقترب ليتأكد ثم دخل إلى الدكان، وكانت المفاجأة، هذه هي الدكان التي وضع أمانته فيها!!
قال لصاحب الدكان: السلام عليكم، وعليكم السلام ورحمة الله، تقبّل الله منك الحج، والحمد لله على سلامتك، هذه صرّتك وفيها ثلاثة آلاف درهم. فأصاب الرجل الدهشة، فقصّ عليه ما حصل وأنه أخطأ في الدكان ودخل عند جاره فأعطاه المال ولم يشكك بكلامه!! ثم ذهبوا إليه وسألوه: كيف تعطي الرجل المال وهو لم يضع عندك أمانته في الأصل؟.
فقال لهم: والله الذي لا إله إلا هو، إني لم أعرفه ولم أتذكر أن لديه أمانة عندي، ولكن لما رأيت أنه واثق من كلامه معي، وأنه غريب عن هذه البلاد، وأنني إن لم أعطه أمانته سيذهب مكسور الخاطر، وسيحدث أهله ويقول إن أمانته سرقت منه بالقدس، وسيذيع الصيت عن أهل فلسطين كلهم وليس عن الشخص الذي سرق منه الأمانة.
وتذكرت قول الله تعالى: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ)، فذهبت وبعت بضاعة كانت عندي بألف درهم فلم تكفِ لسداد الأمانة، واستدنت من صديق لي ألفاً وخمسمائة درهم، وكان معي خمسمائة فأكملتهم له ثلاثة آلاف.
آخر الكلام بس والسلام:
تخيّلوا هذا الرجل المخلص لوطنه خاف على سمعة بلاده وخشي أن يظن الناس في أهلها الظنون، فتحمّل ما فوق طاقته حتى يحافظ على قيم متوارثة في حفظ الأمانة، في الوقت الذي تجد فيه من أدّى القسم العظيم على حفظ أمانة مسؤولية الدولة وأمانة الأرض والعِرض والمال العام، فاتّبعوا أهواءهم فنكصوا عن العهد مع الله فخانوا هذه الأمانات. فهناك من باعوا الوطن بدراهم معدودات ومغريات مكاسب دنيوية فانية.
حقاً إننا، خاصة في السودان، نعيش زمان سيادة الخيانة وضياع الأمانة، وليس هذا وحسب، فالأسواق عندنا سيطرت عليها أساليب المخادعات، فصار الغش و(الدقيس) من الحرفنة والشطارة في التجارة.
فهل تسمعون وتوعظون؟!.