عبد الرحيم دقلو .. خطاب مهزوم ومليشيا تتفكك

من الظل إلى الهلع

 

عبد الرحيم دقلو .. خطاب مهزوم ومليشيا تتفكك

تقرير: مجدي العجب

في لحظةٍ يغلّفها الارتباك أكثر مما يحيطها الضوء، خرج عبد الرحيم دقلو، القائد الثاني لمليشيا الجنجويد، من عتمة الاختفاء إلى عتمةٍ أعمق منها: عتمة الخوف وفقدان السيطرة. لم يكن ظهوره الأخير سوى انعكاسٍ صارخ لحال مليشياٍ تتآكل من داخلها، وتترنح تحت ضربات الهزيمة المتلاحقة، وتحاول عبثاً تثبيت ما تبقى من صورةٍ مهزوزة أمام عناصرٍ أنهكهم القتال، وقيادةٍ لم تعد تملك سوى الخطاب الواهي والوعود الجوفاء. حديث عبد الرحيم دقلو عن الأبيض لم يأتِ في سياق المبادرة أو القوة، بل بدا أقرب إلى خطاب العاجز الذي يلاحق السراب، ويتحدث عن واقعٍ لم يعد موجوداً إلا في خياله. فالأرض التي يتغنى بها تشهد على انكسارات مليشيته، والواقع الميداني يكذّب كل ادعاء، بينما تتساقط المواقع، وتتوالى الانسلاخات، وتتمدد حالة الشك داخل صفوفه يوماً بعد يوم. لم يعد الرجل قادراً على لملمة أطراف قواته المهزومة، ولا على إخفاء حالة الذعر التي باتت تفضحها نبرة الصوت، وحركات الجسد، وارتباك الرسائل.

 

 

في المقابل، تتسارع مؤشرات الانهيار داخل المليشيا: شحٌّ واضح في الإمدادات، تأخر في المرتبات، وتراجع في الدعم الخارجي، في وقتٍ انشغل فيه الداعم الإقليمي بملفاتٍ أكثر إلحاحاً، وعلى رأسها ما يجري في اليمن. هذا الفراغ انعكس مباشرة على الميدان، وعلى الروح المعنوية لمقاتلين لم يعودوا يرون في قيادتهم سوى عبءٍ إضافي، لا مشروعاً ولا أفقاً.
حتى المنصات الإعلامية التي طالما تولّت تلميع المليشيا وتبرير جرائمها، بدأت بدورها تعاني العزلة والإنهاك. بعض الإعلاميين الداعمين صاروا يجاهرون بضيق الحال، ويكشفون – من حيث لا يدرون – حجم الإفلاس السياسي والإعلامي الذي وصلت إليه المليشيا. أما خطابات قادتها، فقد تحولت إلى خليطٍ مرتبك من التهديدات غير القابلة للتنفيذ، والوعود الكاذبة التي لم تعد تقنع حتى أقرب المقرّبين. هكذا، يأتي ظهور عبد الرحيم دقلو لا كحدثٍ استثنائي، بل كعلامةٍ على مرحلة أفول واضحة. مليشيا تلفظ أنفاسها الأخيرة، وقيادة تحاول الاحتماء بالكلمات بعد أن فقدت السيطرة على الأرض والرجال، في مواجهة جيشٍ وطني يزداد تماسكاً، ودولةٍ، رغم الجراح، تمضي بثبات نحو استعادة سيادتها وفرض هيبة مؤسساتها.
ويرى الأكاديمي والمحلل السياسي د. محمد تورشين أن ظهور عبد الرحيم دقلو في هذا التوقيت يعكس حالة ارتباك استراتيجي داخل مليشيا فقدت زمام المبادرة عسكرياً وسياسياً. ويؤكد تورشين، في حديث خصّ به «ألوان»، أن الخطاب المرتبك والوعود غير الواقعية مؤشران على تآكل القيادة وانعدام الرؤية، في ظل شح الإمداد وتراجع الدعم الخارجي وتنامي الانقسامات الداخلية. ويضيف في حديثه لنا قائلاً: المليشيا انتقلت من محاولة فرض الوقائع إلى مجرد إدارة الخسائر، بينما يرسّخ الجيش موقعه باعتباره القوة المنظمة الوحيدة القادرة على استعادة الدولة وإنهاء الفوضى.
ويقول الصحافي والمحلل السياسي عبد العظيم صالح إن خروج عبد الرحيم دقلو للواجهة لا يمكن فصله عن حالة الإفلاس السياسي والإعلامي التي تعيشها المليشيا. ويشير صالح، في حديث لـ«ألوان»، إلى الخطاب الأخير الذي عكس خوفاً واضحاً من فقدان السيطرة على ما تبقى من القوات، ومحاولة متأخرة لاحتواء الانهيارات المتسارعة داخل الصفوف. وزاد في حديثه لنا: تكرار الحديث عن معارك افتراضية والانتصارات المزعومة لم يعد يقنع حتى القواعد الصلبة للمليشيا، بل أسهم في تعميق الشكوك حول صدقية قيادتها، في وقتٍ يمضي فيه الجيش السوداني بثبات نحو حسم المعركة عسكرياً واستعادة هيبة الدولة.
وفي المحصلة، لم يعد ظهور عبد الرحيم دقلو سوى مشهدٍ أخير في مسلسل الانهيار المتدرج لمليشيا فقدت مشروعها قبل أن تفقد مواقعها. خطابٌ مرتجف، ووعودٌ مكرورة، ومحاولات يائسة لرفع معنويات عناصر أنهكهم الجوع وتأخر المرتبات وانسداد الأفق، في وقتٍ تتسارع فيه الانسلاخات وتتآكل فيه مراكز النفوذ. وبينما تتراجع المليشيا خطوةً بعد أخرى، يزداد المشهد وضوحاً.
فالجيش السوداني، مستنداً إلى شرعية الدولة والتفاف الشعب، يمضي بثبات نحو استعادة الأرض وفرض القانون، فيما تنكفئ المليشيا إلى خطابات خاوية لا تصمد أمام الواقع. إنها نهاية تقترب، لا تصنعها الكلمات ولا يؤخرها الظهور الإعلامي، بل يكتبها الميدان، حيث لا مكان للخوف ولا مستقبل لمليشيا قامت على العنف والكذب.