بعيداً عن السياسة وقريباً من الكياسة

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

بعيداً عن السياسة وقريباً من الكياسة

 

حميدتي إبن ملجم الثاني

عندما فُجع المسلمون بمقتل الخليفة الرابع سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله وجهه عنه، تكاثرت الأقوال والعبارات الموجعة وذات الدلالة. وقيل أن السيدة عائشة أم المؤمنين المبراة من فوق سبع سماوات عندما بلغها مقتل علي بكت بكاء مرا واستعصمت ببيت الشعر الشهير (وألقت عصاها واستقرّ بها النوى كما قرّ عينا بالإياب المسافرُ) الذي رأت فيه أن الجسد المنهك والروح الشفيفة للإمام قد استراحت أخيرا من عذابات المجالدة والصبر الجميل على فراق الأحبة والأصحاب من أهل القضية.
ولأحد ثقاة الزهّاد والمتصوّفة عبارة عجيبة (اللهم أجزِ الخارجي عبد الرحمن بن ملجم أبلغ الجزاء الذي يستحقه فلولا خنجره المسموم لما نال عليَا الشهادة). وقد استلفته لدعائي على أعتاب السودان الصابر الصامد الجريح (اللهم أجزِ السفّاح حميدتي أبلغ الجزاء، فلولاه لما أدركنا أن لنا وطنا طيبا وجميلا يستحق الفداء، وأن لنا عاصمة عريقة تستحق كل هذه الدماء، ولولا هذا السفّاح المُشتَرى لما سقط الفريق عبود آدم خاطر واللواء ياسر فضل الله و اللواء معاوية حمد و اللواء أيوب عبد القادر والعميد عمر النعمان والعقيد أحمد حسين والمجاهد مهند إبراهيم فضل والدكتورة هنادي حامد شهداء في معركة الشرف الوطني والكرامة، وصدحت الصبيّات في طابور الصباح:
إنني أؤمن بالشعب
حبيبي وأبي
وبأبناء بلادي الشهداء
الذين اقتحموا النار
فصاروا بيد الشعب مشاعل
وبأبناء بلادي البسطاء
الذين انحصدوا في ساحة المجد
فزدنا عددا
وبأبناء بلادي الشرفاء
الذين احتقروا الموت
وعاشوا أبدا

 

تهادوا تحابوا

من الحكايات السودانية المتداولة في مجالس الزهاد والمتصوفة أن السيد محمد عثمان الكبير جاء من رحلة من الحجاز وقد زار مشايخ تلك المناحي وقيل أنه زار أحد الصالحين بوسط السودان وأحسب أنه الشيخ ودحسونه وكان الزمان زمان محَل ومسغبه فذبح له ناقته الوحيده وأكرمه وحيرانه وبات معه ليلة يتحادثان في أمر الدين والدنيا، وحين حان الرحيل ودع الشيخ الشيخ وقال الميرغني لود حسونه: جزاك الله خيراً لقد آنستنا وأكرمتنا فهل تريد منا من زاد الدنيا مالاً وهدايا أم دعوة تدخلك الجنة؟ فرد الشيخ ود حسونه ضاحكاً : المال والهدايا يا ود الميرغني (الجنة بجيبها بي ضراعي ده).
رحم الله المتصوفة من أهل السودان فقد أشاعوا بين السودانيين الزهد والقناعة والتوحيد، بئر وخلوة ومسيد وأذكار وطبول صادحات بالتوحيد فحين جاء الأفارقة للطرب وجدوا الدين والعجين وهذه أخف التعريفات عن دخول الإسلام للسودان .

 

فصاحة متقاضي وسماحة قاضي

كان أهل الخصومة في المسلمين قديماً أدب ومعرفة من غير محامين وكان في القضاء القضاة تواضع ورقة ونزول على الحق ومما يحضرني في هذا الباب عندما شهد رجل عند سوار القاضي فقال له : ما صناعتك ( مهنتك) فقال :مؤدب فقال سوار: لا أجيز شهادتك قال : ولم ؟ قال : لأنك تأخذ على تعليم القرآن أجراً ، قال: وانت تأخذ على القضاء بين المسلمين أجراً قال : إنهم أكرهوني قال: أكرهوك على القضاء فهل أكرهوك على أخذ الأجر؟ قال : هلم شهادتك!

تصنيفات الشعبي

 

قال الإمام الشعبي :دهاة العرب أربعة: معاوية بن أبي سفيان ، وعمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، وزياد ؛ فأما معاوية فللحلم والأناة، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد بن أبيه فللكبير والصغير.
ومن المعلوم أن الإمام الشعبي من الفقهاء والقضاة المعدودين والذي لم يذكره في هذا التصنيف الذكي أن كل هؤلاء الدهاة إستعملهم الأمويون في الحكم والحكمة والحاكمية وكل دولة تفتقد في بطانتها الدهاة والأذكياء والفقهاء والشعراء والصالحين وأهل المعارف (فعليها الفاتحة).

 

معركة في الهواء الطلق

 

يظن الشعراء دائماً أنهم يحاصرون الناس بالوصف وبالمدح وبالهجاء ويحسبون أنهم ببلاغتهم في حصن حصين ولكن دائما ما يقيض الله لهم وييسر من يحاصرونه حصاراً لا يجدون من فكاكاً وقد أعجبتني هذه المحاصرة للشاعر أبو العتاهية حيث تم التضييق عليه في العراء والناس شهود تقول الرواية:
وقف شحاذ على أبو العتاهية وكان طماعاً بخيلاً مع تظاهره بالزهد وولعه بالوعظ فقال له:ألست القائل:
كل حي عند ميتته
حظه من ماله الكفن
ثم قال : فبالله عليك أتريد أن تعد مالك كله ثمنٌ كفنك! قال: لا قال: فبالله عليك كم قدرت لكفنك؟ قال: خمسة دننانير ،قال: فهي إذن حظك من مالك كله قال: نعم قال: فتصدق على من غير حظك بدرهم واحد، فأبى أبو العتاهية، وهنا قال الشحاذ: واحدة أخرى قال : ماهي ؟
قال: القبور تحفر بثلاثة دراهم فأعطني درهماً واحداً وأقيم لك كفيلاً بأني أحفر قبرك متى متوتربح درهمين لم يكونا في حسابك،فإن لم أفعل رددته على ورثتك أو رده كفيلي عليهم. فخجل أبو العتاهية وقال: أغرب لعنك الله وغضب عليك ، ثم التفت إلى أصحابه وقال: من أجل هذا وأمثاله حرّمت الصدقة .فسألوه: ومن حرمها ومتي؟ حرمت؟

القصيد يبتدي وينتهي بلبيد

وكان خالنا المعلم الأديب عبدالرحمن يوسف محمد المهدي عليه الرحمة يقول لي ونحن طلاب بالمدارس الإبتدائية: يا إبني إن أردت أن تهتم بالشعر أدباً وتأدباً فابدأ بلبيد وأذكر أنه قد كتب في (كراستي للإملاء) أبيات لبيد بين ربيعة وأمرني بحفظها وهي ما زالت عالقة في الذاكرة والضمير إذ يقول لبيد الحكيم:

وَما المَرءُ إِلّا كَالشِهابِ وَضَوئِهِ
يَحُورُ رَماداً بَعدَ إِذ هُوَ ساطِعُ
وَما البِرُّ إِلّا مُضمَراتٌ مِنَ التُقى
وَما المالُ إِلّا مُعمَراتٌ وَدائِعُ
وَما المالُ وَالأَهلونَ إِلّا وَديعَةٌ
وَلا بُدَّ يَوماً أَن تُرَدَّ الوَدائِعُ
وَيَمضونَ أَرسالاً وَنَخلُفُ بَعدَهُم
كَما ضَمَّ أُخرى التالِياتِ المُشايِعُ
وَما الناسُ إِلّا عامِلانِ فَعامِلٌ
يُتَبِّرُ ما يَبني وَآخَرَ رافِعُ
فَمِنهُم سَعيدٌ آخِذٌ لِنَصيبِهِ
وَمِنهُم شَقِيٌّ بِالمَعيشَةِ قانِعُ

والآن يتحفنا أبو داؤود برائعة فرحات يا حمامة

من التحف القولية التي سمعتها من البروفسير علي الملك صاحب النوادر قوله لجماعة من أصدقاءه وقد التقينا في دار النشر بجامعة الخرطوم وكان الرجل شديد الإعجاب بصديقه الفنان عبدالعزيز داؤود ويلقبه (بالكحلي) ويلقب برعي محمد دفع الله ب(الحلاب) لأنه يحلب ويستحلب الأنغام والألحان من عوده الخطير وكان على الملك أيضاً يلقب عود برعي (بودالقبائل) ويصح دائماً في وجه برعي: (أوعي تكون نسيت ود القبائل يا ود الأفندي) قال في تلك الجلسة تلطفاً : أنه ليس هنالك مبدع في هذه الدنيا له صيت لا يعرف إبن داؤود حتى أمير الشعراء.
كانت دهشتنا بالغة حين استشهد بقصيدة شوقي في الحمامة التي يبتدرها باسم إبن داؤود وقد اقتلع الإسم عنوة من الملك النبي لصالح صديقة صاحب ( أينعت في الروض زهرة) يقول شوقي في أدب الحيوان في القصيدة التي أحسب أن أبو داؤود لم يسمع بها قط حتى يوم رحيله المر ولكن كما يقول أهل الوسط: ( ودالملك عنده المحن)
كانَ( اِبنُ داوُدٍ) يُقَرِبُ
في مَجالِسِهِ حَمامَه
خَدَمَتهُ عُمراً مِثلَما
قَد شاءَ صِدقاً وَاِستِقامَه
فَمَضَت إِلى عُمّالِهِ
يَوماً تُبَلِّغُهُم سَلامَه
وَالكُتبُ تَحتَ جَناحِها
كُتِبَت لَها فيها الكَرامَه
فَأَرادَتِ الحَمقاءُ تَعرِفُ
مِن رَسائِلِهِ مَرامَه
عَمَدَت لِأَوَّلِها وَكانَ
إِلى خَليفَتِهِ برامَه
فَرَأَتهُ يَأمُرُ فيهِ عامِلَهُ
بِتاجٍ لِلحَمامَه
وَيَقولُ وَفّوها الرِعايَةَ
في الرَحيلِ وَفي الإِقامَه
وَيُشيرُ في الثاني بِأَن
تُعطى رِياضاً في تِهامَه
وَأَتَت لِثالِثِها وَلَم
تَستَحي أَن فضَّت خِتامَه
فَرَأَتهُ يَأمُرُ أَن تَكونَ
لَها عَلى الطَيرِ الزَعامَه
فَبَكَت لِذاكَ تَنَدُّماً
هَيهاتَ لا تُجدي النَدامَه
وَأَتَت نَبِيَّ اللَهِ وَهيَ
تَقولُ يا رَبِّ السَلامَه
قالَت فَقَدتُ الكُتبَ يا
مَولايَ في أَرضِ اليَمامَه
لِتَسَرُّعي لَمّا أَتاني
البازُ يَدفَعُني أَمامَه
فَأَجابَ بَل جِئتِ الَّذي
كادَت تَقومُ لَهُ القِيامَه
لَكِن كَفاكِ عُقوبَةً
مَن خانَ خانَتهُ الكَرامَه