السودان وحكومة أبوظبي .. سيادة منتصرة وأموال محترقة

السودان وحكومة أبوظبي .. سيادة منتصرة وأموال محترقة

تقرير: مجدي العجب

في لحظة إقليمية مضطربة، حيث تتهاوى رهانات النفوذ القديمة وتُعاد صياغة خرائط التأثير، تعود دولة الإمارات العربية المتحدة إلى الواجهة بتحركات مكوكية في القرن الأفريقي، لكن هذه المرة من بوابة السياسة الناعمة بعد سقوط أدوات الحرب بالوكالة. فبعد فشل مشروعها في السودان عبر مليشيا الجنجويد، وعجزها عن كسر إرادة الدولة السودانية وجيشها الوطني، بدأت أبوظبي في تغيير تكتيكاتها، متنقلة من ساحات الدم إلى قاعات الرئاسة، ومن غرف العمليات إلى دهاليز الاتحاد الأفريقي. الزيارة السرية التي أجراها الشيخ شخبوط بن نهيان إلى بوجومبورا، ولقاؤه برئيس بوروندي، الرئيس المقبل للاتحاد الأفريقي، لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الأوسع لتحركات الإمارات في القارة. فهي ليست زيارة بروتوكولية عابرة، ولا مسعى دبلوماسيًا بريئًا، بل حلقة جديدة في سلسلة محاولات إعادة التموضع بعد خسائر استراتيجية مُنيت بها أبوظبي في السودان واليمن على حد سواء. فحين سقط رهان السيطرة على القرار السوداني عبر السلاح والفوضى، اتجهت الإمارات إلى محاولة التأثير على المنصات الإقليمية، وفي مقدمتها الاتحاد الأفريقي، أملًا في إعادة تدوير نفوذها بأدوات أكثر هدوءًا وأقل كلفة.

 

 

 

لكن خلف هذا الهدوء الظاهري، تختبئ الأسئلة الثقيلة: لماذا هذا التركيز المفاجئ على ملف عودة عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي؟ ولماذا الآن؟ وهل تسعى الإمارات إلى تبييض دورها في الحرب السودانية عبر بوابة الدبلوماسية الأفريقية، أم إلى فرض مقاربات تخدم مشروعها القديم بثوب جديد؟ فالإشارات المتكررة إلى السودان في بيانات مباحثات شخبوط مع رئاسة الاتحاد الأفريقي والحكومة الإثيوبية تكشف عن اهتمام غير عادي، يتجاوز الحرص على الاستقرار، ليقترب من محاولة التأثير في مسار دولة استعادت زمام المبادرة عسكريًا وسياسيًا. إن ما يجري في القرن الأفريقي اليوم هو صراع إرادات بقدر ما هو صراع نفوذ. والإمارات، التي فقدت امتيازات تمركزها في اليمن وموانئه، وتقلّص حضورها في سقطرى والمكلا، تبدو وكأنها تبحث عن تعويض الخسارة بتوسيع رقعة التأثير في أفريقيا، من السودان إلى الصومال، مرورًا بليبيا. غير أن المعادلة تغيّرت، فالسودان لم يعد ساحة مستباحة، وجيشه لم يعد في موقع الدفاع، والرهان على المليشيات أثبت فشله الذريع.
فالتحركات الإماراتية الأخيرة في القرن الأفريقي، ودوافعها الحقيقية، وما بين سطور الزيارات السرية والبيانات الدبلوماسية، تأتي في سياق إقليمي يعيد الاعتبار للدولة الوطنية، ويكشف حدود المشاريع التي بُنيت على الفوضى والوكالة.

 

السيادة ليست للمساومة

وقال الصحافي والمحلل السياسي قرشي عوض إن ما جرى في السودان يمثّل انكسارًا كاملًا لمشروع إقليمي بُني على وهم أن المال يمكن أن يحلّ محلّ الشرعية، وأن المليشيات يمكن أن تصنع دولة. وأضاف قرشي في حديث لـ«ألوان»: الإمارات أخطأت قراءة السودان، فراهنت على تفكيك مؤسساته بدل التعامل مع حقائق الجغرافيا والتاريخ، وكانت النتيجة فشلًا سياسيًا وأخلاقيًا مدوّيًا. وأكد في حديثه لنا قائلًا: الدولة السودانية، رغم الحرب، أثبتت أن السيادة ليست بندًا قابلًا للمساومة، وأن أي مشروع خارجي يتجاوز إرادة الشعب والجيش محكوم عليه بالسقوط مهما طال الزمن.

انتكاسة الإمارات

ويقول الأكاديمي والمحلل السياسي دكتور حسن الشايب إن الفشل الإماراتي في السودان لا يمكن اختزاله في مجرد خروج من صراع، بل هو إعلان فشل استراتيجية قائمة على إضعاف الدولة بدل دعم مؤسساتها. لقد راهن هؤلاء على تفكيك البنية الوطنية عبر دعم فصائل هشّة، فكانت النتيجة انتكاسة للمشروع الإقليمي الذي حاول تجاوز إرادة الشعب السوداني وجمعياته السياسية والاجتماعية.
وأضاف الشايب في تصريح خصّ به «ألوان»: الدرس الذي خرج به المشهد السوداني واضح، فأي تدخل خارجي يستند إلى حسابات أحادية ينتهي إلى عزلة سياسية، ويُفقد صاحبه مصداقية في المضمار الدبلوماسي والإقليمي.

أبوظبي خارج المشهد

وهكذا، لم يسقط المشروع الإماراتي في السودان بفعل المصادفة ولا بضربة حظ، بل انهار تحت وطأة وعي شعب رفض الوصاية، وجيش تمسّك بعقيدته الوطنية، ودولة قررت، رغم الجراح، ألا تُدار بالوكالة. ما ظنّته أبوظبي نفوذًا سريعًا تحوّل إلى عبء سياسي وأخلاقي، وما راهنت عليه كمدخل للهيمنة الإقليمية انكشف كمغامرة خاسرة أحرقت أوراقها في الميدان قبل أن تُستكمل على طاولات التفاوض.
لقد أثبت السودان أن تفكيك الدول لم يعد مشروعًا قابلًا للتصدير، وأن المال حين يُستخدم لشراء الفوضى لا يصنع نصرًا، بل يخلّف عزلة وسمعة مثقلة بالأسئلة. واليوم، بينما يتقدّم السودانيون لإعادة بناء دولتهم بإرادتهم، يجد صانعو الفوضى أنفسهم خارج المشهد، بلا حلفاء حقيقيين، وبلا قدرة على تزييف الحقائق.
إن فشل المشروع الإماراتي في السودان ليس نهاية فصل عابر، بل درس إقليمي صارخ؛ فالسيادة لا تُشترى، والجيوش الوطنية لا تُكسر، والشعوب حين تقرر الصمود تسقط كل المخططات مهما طال أمدها أو تضخّم تمويلها.