
صفقة باكستان .. استعادة التفوق الجوي لجيش السودان
صفقة باكستان .. استعادة التفوق الجوي لجيش السودان
تقرير: مجدي العجب
في لحظة فارقة من مسار الحرب الوجودية التي تخوضها الدولة السودانية دفاعًا عن سيادتها ووحدتها، تتكشف ملامح تحوّل استراتيجي كبير في ميزان القوة، عنوانه عودة التفوق الجوي للجيش السوداني وانحسار أخطر أوراق المليشيا المتمردة. فالتقارير المتطابقة التي كشفت عنها وكالة «رويترز» حول اقتراب إبرام صفقة عسكرية نوعية بين السودان وباكستان، لا يمكن قراءتها كخبر تسليحي عابر، بل كمؤشر سياسي وعسكري بالغ الدلالة على اقتراب نهاية مشروع المليشيا المدعومة إماراتيًا، والذي راهن منذ اندلاع الحرب على إنهاك الجيش وإسقاط الدولة عبر الفوضى والطائرات المسيّرة وحرب المدن. هذه الصفقة، التي تُقدَّر قيمتها بنحو 1.5 مليار دولار، وتشمل طائرات هجومية خفيفة، وطائرات تدريب، ومئات المسيّرات الهجومية والاستطلاعية، وأنظمة دفاع جوي متطورة، تعني عمليًا إعادة رسم قواعد الاشتباك في سماء السودان، وإغلاق الثغرة التي حاولت مليشيا الجنجويد النفاذ منها بعد أن فقدت القدرة على المواجهة البرية المباشرة. كما تمثل اعترافًا دوليًا بشرعية الجيش السوداني كقوة نظامية للدولة، في مقابل عزلة متزايدة لمليشيا باتت مكشوفة سياسيًا وعسكريًا، رغم ما تلقته من دعم خارجي وسلاح متطور.
الأهم من ذلك أن هذه الخطوة تكشف فشل الرهان الإماراتي على الحرب بالوكالة، وتؤكد أن محاولات كسر الجيش السوداني عبر وكلاء محليين قد وصلت إلى طريق مسدود. فحين تستعيد القوات المسلحة تفوقها الجوي، فإن ذلك لا يعني فقط تدمير منصات المسيّرات ومراكز القيادة والسيطرة للمليشيا، بل يعني أيضًا استعادة زمام المبادرة، وتأمين المدن، وفتح الطريق أمام حسم عسكري يُنهي حالة الابتزاز الأمني التي فرضتها المليشيا على المدنيين. من هنا، لا تبدو الصفقة المرتقبة مجرد دعم عسكري، بل لحظة فاصلة تُنذر بانتهاء مرحلة وبداية أفول المليشيا التي قامت على الدعم الخارجي لا على مشروع وطني، وعلى التخريب لا على الدولة. إنها رسالة واضحة بأن الجيش السوداني لم يُهزم، وأن الدولة التي حاولوا إسقاطها بالفوضى تعود اليوم أقوى، مسنودة بإرادة شعبها وشرعية سلاحها، وقادرة على وضع حد نهائي لتمرد الجنجويد ومشغّليهم الإقليميين.
نهاية الفوضى
وقال مسؤول سابق كبير في القوات الجوية وثلاثة مصادر إن باكستان في المراحل النهائية لإبرام صفقة بقيمة 1.5 مليار دولار لتزويد السودان بأسلحة وطائرات، وهو ما سيشكل دعمًا كبيرًا لجيش السودان الذي يقاتل قوات الدعم السريع.
وقال مصدران من بين المصادر الثلاثة، طلبا عدم نشر اسميهما، إن الصفقة مع باكستان تتضمن عشر طائرات هجومية خفيفة من طراز «كاراكورام-8»، وأكثر من مئتي طائرة مسيّرة للاستطلاع والهجوم، وأنظمة دفاع جوي متطورة.
وقال أمير مسعود، المارشال المتقاعد الذي خدم سابقًا في القوات الجوية الباكستانية ولديه اطلاع على شؤون الطيران العسكري، إن «الصفقة في حكم المبرمة». وأضاف أن الصفقة تتضمن أيضًا طائرات تدريب من طراز «سوبر مشاق»، وربما تشمل بعض المقاتلات من طراز «JF-17» التي جرى تطويرها بالتعاون مع الصين وتُنتج في باكستان، دون أن يقدّم أرقامًا أو مواعيد للتسليم.
ولم يرد جيش باكستان ولا وزارة الدفاع على طلبات «رويترز» للحصول على تعليق، كما لم يستجب متحدث باسم الجيش السوداني لرسالة تطلب التعليق. ويُرجَّح أن يسهم الدعم الباكستاني، لا سيما في مجال الطائرات المسيّرة والمقاتلات، في مساعدة الجيش السوداني على استعادة التفوق الجوي الذي حظي به في بداية الحرب، بعدما كثفت قوات الدعم السريع استخدام الطائرات المسيّرة للسيطرة على مزيد من المناطق، بما هدد موقف الجيش.
نقطة تحوّل حاسمة
ويقول الخبير العسكري العقيد (م) محمد فرح إن الصفقة العسكرية المرتقبة تمثل نقطة التحوّل الحاسمة في الحرب، مؤكدًا في حديث خصّ به «ألوان» أن استعادة الجيش السوداني للتفوق الجوي تعني عمليًا نهاية مليشيا الجنجويد كقوة فاعلة. ويضيف: «المليشيا اعتمدت خلال الأشهر الماضية على الطائرات المسيّرة لتعويض ضعفها الميداني، لكن إدخال منظومات دفاع جوي وطائرات هجومية خفيفة سيُسقط هذه الورقة نهائيًا، ويحوّل المسيّرات من أداة تهديد إلى عبء مكلف وسهل الاستهداف». ويزيد قائلًا: «الجيش السوداني، متى ما أمّن سماء المعركة، سيحسم الأرض تباعًا، لأن الجنجويد بلا غطاء جوي ولا عقيدة قتال نظامية»، معتبرًا أن الدعم الخارجي الذي تلقته المليشيا «وصل إلى سقفه الأقصى وفشل في كسر الدولة». ويختم العقيد محمد فرح حديثه بالتأكيد على أن «ما بعد هذه الصفقة ليس كما قبلها؛ نحن أمام مرحلة الحسم، وانتهاء الحرب بالمعنى العسكري، لا السياسي فقط».
انهيار الرهانات
ويجمع محللون استراتيجيون على أن الصفقة العسكرية المرتقبة بين السودان وباكستان تمثل تحولًا نوعيًا في مسار الحرب، وليس مجرد دعم تسليحي تقليدي. ويرى المراقبون الذين استنطقتهم «ألوان» أن إدخال طائرات هجومية خفيفة ومنظومات دفاع جوي ومسيّرات متقدمة سيقلب معادلة الصراع، لأن الحرب في مرحلتها الأخيرة باتت حرب سماء قبل أن تكون حرب أرض. ويؤكد المحللون أن مليشيا الجنجويد، التي اعتمدت بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة لتعويض ضعفها البنيوي وغياب سلاح الجو، ستفقد أهم أدواتها في حال نجح الجيش في تحييد هذا التهديد. ويشيرون إلى أن الأهمية الاستراتيجية للصفقة لا تكمن فقط في نوعية السلاح، بل في دلالتها السياسية، إذ تعكس انفتاحًا عسكريًا من دولة ذات ثقل نووي وخبرة صناعية عسكرية، ما يعني اعترافًا عمليًا بشرعية الجيش السوداني كشريك دولة لا كطرف نزاع. ويخلص المحللون إلى أن استعادة التفوق الجوي ستمنح القوات المسلحة القدرة على شل مراكز القيادة والإمداد للمليشيا، وتأمين المدن، وفرض إيقاع المعركة بدل الاكتفاء برد الفعل. وبحسب تقديراتهم، فإن هذا التحول قد يسرّع نهاية التمرد عسكريًا، ويفرض واقعًا جديدًا يجعل أي حديث عن تسويات أو ضغوط سياسية يتم من موقع قوة، بعد أن تتآكل القدرة القتالية للجنجويد وتنهار رهانات داعميهم.
تهاوي المليشيا
في المحصلة، تكشف الصفقة المرتقبة عن انتقال الجيش السوداني من مرحلة الصمود إلى مرحلة الحسم، ومن الدفاع إلى فرض السيطرة. ومع استعادة التفوق الجوي، تتهاوى ركائز مليشيا الجنجويد ومشروعها القائم على الدعم الخارجي والفوضى، لتقترب لحظة إنهاء التمرد وعودة الدولة كاملة السيادة على أرضها وسمائها.