معركة التحرير .. الجيش يحاصر المليشيا في دارفور وكردفان

معركة التحرير .. الجيش يحاصر المليشيا في دارفور وكردفان

تقرير: مجدي العجب

في لحظةٍ فاصلة من تاريخ الحرب، ومع اقتراب ساعة الصفر، تتقدّم الدولة بخطى محسوبة، بينما يتآكل مشروع المليشيا من الداخل. لم تعد المعركة مجرّد اشتباكات متفرّقة أو ردود أفعال ميدانية، بل تحوّلت إلى مواجهة كبرى بين جيشٍ يعرف ماذا يريد، ومليشيا أُنهكت بالاستنزاف وفقدت القدرة على الصمود في معارك النفس الطويل. فبينما انشغلت مليشيا الجنجويد بالنهب وبثّ الشائعات وافتعال الفوضى، كان الجيش السوداني، بهدوء الدولة وثقة المؤسسات، يعيد رسم مسرح العمليات، ويفكّك قدرات العدو، ويقيس الزمن بدقّة الجيوش النظامية التي لا تخوض حربها بالانفعال، بل بالحسابات المعقّدة. المؤشرات الميدانية، كما تؤكد مصادر غرفة العمليات المشتركة، لا تترك مجالاً للشك: ما يجري الإعداد له يتجاوز في حجمه وتعقيده عملية تحرير الخرطوم، سواء من حيث التخطيط أو تنوّع المتحرّكات أو اتساع رقعة الأهداف. إنها عملية حصار وهجوم مرتقب وُلدت من رحم التجربة، واستفادت من دروس المواجهات السابقة، واستندت إلى قراءة عميقة لنقاط ضعف المليشيا، التي أثبتت مراراً عجزها عن إدارة حرب منظّمة أمام جيش محترف. فالجنجويد، الذين راهنوا على الفوضى وسرعة الصدمة، يتقهقرون اليوم لأنهم لا يجيدون الصبر، ولا يفهمون منطق الجيوش التي تُراكم القوة وتضرب في اللحظة المناسبة.

 

 

 

وفي كردفان ودارفور، حيث حاولت المليشيا تحويل الجغرافيا إلى ملاذ للفوضى والابتزاز، تتبدّل المعادلة. فالميدان لم يعد يحتمل الارتجال، والبيئة لم تعد صديقة لمن لا يملك عقيدة قتالية ولا مشروع دولة. ومع اكتمال تجهيز عدد كبير من المتحرّكات العسكرية، تصبح المليشيا أمام حقيقة مرعبة: أن زمن المبادرة قد انتقل بالكامل إلى يد الجيش، وأن ما تبقّى لها ليس سوى التراجع تحت ضغط العمليات المركّبة، أو الانكشاف الكامل أمام ضربات تُدار بعقل بارد وإرادة حاسمة. هذه ليست معركة استعراض، ولا حملة إعلامية عابرة، بل فصل جديد يُكتب بلغة القوة والانضباط، ويبعث برسالة واضحة: الدولة عادت لتفرض منطقها، والجيش ماضٍ في معركته حتى استعادة كل شبر، فيما يواجه مشروع الجنجويد لحظته الأصعب، حيث تتهاوى الأوهام أمام حقيقة الميدان، ويصبح الخوف رفيق من اعتاد أن يصنعه للآخرين.

الجيش يستعد

وحسب ما نقلته “الجزيرة” عن مصدر بغرفة العمليات المشتركة بالجيش السوداني، أفاد بأنهم أكملوا التجهيز لأكبر عملية عسكرية مشتركة لتحرير ولايات كردفان ودارفور. مشيرا إلى أن التحرّكات الماضية كانت بغرض دراسة مسرح العمليات وإمكانات العدو ومقدراته، وقياس نسبة نجاح العملية، وتقويم الثغرات. وقال المصدر إن هذه العملية العسكرية تفوق تحرير الخرطوم من حيث التخطيط، ونسبة نجاحها أعلى من حيث المؤشرات. مؤكدا أن لديهم عدد كبير من المتحرّكات العسكرية مجهّز لانطلاق العملية. وأشار المصدر إلى أن تقهقر العدو وتراجعه يعودان إلى عدم إجادته لمعارك النفس الطويل، بينما تعرف الجيوش النظامية كيف تدير معاركها بحسابات عسكرية معقّدة.

آخر أوهام الجنجويد

ويرى المحلل السياسي والصحافي قرشي عوض أن ما يجري الإعداد له في كردفان ودارفور يمثّل أخطر لحظة في عمر مليشيا الجنجويد منذ اندلاع الحرب، لأن الجيش السوداني انتقل من مرحلة الاحتواء والدفاع إلى مرحلة المبادرة والهجوم الإستراتيجي المنظّم. وزاد عوض في حديث لـ”ألوان”: المليشيا، التي بنت وجودها على الفوضى والضربات الخاطفة، فشلت تاريخياً في الصمود أمام الجيوش النظامية حين تطول المعركة وتُدار بعقل مؤسسي. ويضيف أن التقهقر الحالي ليس تكتيكاً كما تحاول المليشيا ترويجه، بل نتيجة مباشرة لانكشاف قدراتها واستنزافها بشرياً ومعنوياً، مقابل جيش راكم الخبرة وأعاد ترتيب أوراقه. وختم حديثه قائلاً: هذه العملية، إذا انطلقت وفق ما هو مخطّط لها، ستعيد رسم ميزان القوة في غرب السودان، وستُسقط آخر أوهام الجنجويد حول قدرتهم على فرض واقع خارج منطق الدولة.

المليشيا تعاني من خلل عميق

ويؤكد الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور حسن الشايب، في تصريح لـ”ألوان”، أن التحضيرات الجارية لعملية عسكرية مشتركة في ولايات كردفان ودارفور تعكس انتقال الجيش السوداني إلى مرحلة متقدّمة من إدارة الصراع، تقوم على التخطيط الإستراتيجي طويل النفس، وليس على ردود الفعل. ويشير الشايب إلى أن مليشيا الجنجويد تعاني من خلل بنيوي عميق يتمثّل في غياب العقيدة العسكرية والانضباط المؤسسي، وهو ما يجعلها عاجزة عن مجاراة عمليات مركّبة تُدار بتوقيتات محسوبة وتنسيق عالٍ بين الوحدات. ويضيف أن تراجع المليشيا ميدانياً يحمل دلالات نفسية وعسكرية خطيرة عليها، إذ يفقد المقاتل غير النظامي ثقته عندما يشعر بأن زمام المبادرة خرج من يده. وختم حديثه قائلاً: أي عملية تُبنى على قراءة دقيقة لمسرح العمليات وإمكانات العدو، كما هو الحال الآن، تُرجّح كفّة الجيش بشكل حاسم، وتؤسّس لاستعادة الدولة لهيبتها وسلطتها في غرب السودان.

نهاية المشروع الفوضوي

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو المليشيا أمام استحقاق لا تملك أدواته، بينما يمضي الجيش بثبات نحو حسمٍ تُديره الحسابات لا المغامرة. إنها لحظة استعادة الدولة لزمام المبادرة، حيث تُطوى صفحة الفوضى، ويبدأ العدّ التنازلي لنهاية مشروع الجنجويد في كردفان ودارفور.