رئيس الوزراء في الخرطوم .. حكومة الأمل ترسم ملامح التعافي

رئيس الوزراء في الخرطوم .. حكومة الأمل ترسم ملامح التعافي

تقرير: الهضيبي يس

شهدت العاصمة الخرطوم تطوراً سياسياً وإدارياً لافتاً بعودة معالي رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس، أمس، إلى الخرطوم، برفقة عدد من الوزراء، إيذاناً باستئناف نشاط حكومة الأمل من داخل العاصمة بعد فترة من إدارة شؤون الدولة من خارجها. واستُقبل رئيس الوزراء عند مدخل مدينة بحري من قبل والي الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة، وعدد من الوزراء والمسؤولين، إلى جانب حشد جماهيري كبير من مواطني المحلية. وخلال مخاطبته اللقاء الجماهيري بميدان الكدرو في بحري، أعلن الدكتور كامل إدريس عودة حكومة الأمل بكامل مؤسساتها إلى الخرطوم لمباشرة مهامها اعتباراً من أمس، مؤكداً أن هذه الخطوة تمثل رسالة واضحة باستقرار الأوضاع الأمنية وعودة الدولة إلى قلب عاصمتها. وحيّا رئيس الوزراء جماهير ولاية الخرطوم، مثمناً صبرهم وصمودهم ووطنيتهم في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، ومبشراً بقرب تحقيق النصر الكامل.

 

 

وأكد رئيس الوزراء التزام حكومته بتحسين مستوى الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الصحة والتعليم، ومعالجة اختناقات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، إلى جانب الاهتمام بمعاش وأمن المواطن، والعمل على دعم عودة الجامعات والمؤسسات التعليمية لمزاولة نشاطها من العاصمة.
وفي السياق ذاته، أعلن الدكتور كامل إدريس أن العام 2026 سيكون عاماً للسلام، واصفاً إياه بـ«سلام الفرسان الشجعان المنتصرين»، مشيراً إلى أن هذا العام سيشهد انطلاق مشروعات التنمية والإعمار في مختلف أنحاء البلاد. وأوضح أن حكومة الأمل قدمت موازنة العام الجديد دون فرض أعباء إضافية على المواطن، مع استهداف خفض معدل التضخم بنسبة تصل إلى 70%، وتحقيق نسبة نمو اقتصادي تبلغ 9%.
وعبّر رئيس مجلس الوزراء عن شكره وتقديره للفريق أول عبد الفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة، وأعضاء المجلس، كما شكر أهل شرق السودان وولاية البحر الأحمر على كرم الضيافة وحسن الاستقبال خلال فترة إدارة الحكومة من هناك. وأشاد كذلك بجهود اللجنة العليا لتهيئة العودة إلى ولاية الخرطوم، ووالي الخرطوم، ولجنة أمن الولاية، لدورهم في تسيير عملية العودة وتأمينها.
وأعلن الدكتور كامل إدريس العام الحالي 2026 عاماً للسلام، وفقاً للمبادرة القومية للسلام التي قدمتها الحكومة. ووصف د. كامل في تنوير صحفي عقده بأمانة حكومة ولاية الخرطوم المبادرة القومية للسلام، بأنها مبادرة سودانية خالصة ووجدت دعما غير محدود على المستوى الدولي والإقليمي، آخره دعم اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وأكد أن السلام يعتبر هدفاً بالنسبة للحكومة، لكنه سلام الشجعان الذي يرتضيه أهل السودان، خاصة أن الحرب قد فرضت عليه فرضاً. وأضاف “لدينا مؤشرات أن السلام قادم لا محالة، وسوف نقوده حتى نصل إلى بر الأمان”. ولفت إلى أن حكومته منشغلة حالياً بإنشاء الآليات الوطنية لإنفاذ المبادرة، داعياً أجهزة الإعلام للترويج للمبادرة.
وأشار إلى التحديات التي تواجه الحكومة، لكنها ستركز على معاش وأمن المواطن وخدماته في الصحة والتعليم بالتوسع في المراكز الصحية والمستشفيات والجامعات التي ستعود وفق سقف زمني محدد، وفي مقدمتها جامعة الخرطوم، بالإضافة للتوسع في خدمات الكهرباء والمياه.
وأعلن توجه الدولة لدعم مشروعات التنمية الاقتصادية بالبلاد وعلى رأسها مشروع الجزيرة، ومشروع الهواد الزراعي، ودعم وتأهيل المسالخ، وإنشاء مطار جديد، ومدينة للصادر.
من جانبه، أكد والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة أن وجود الحكومة المركزية في الخرطوم له دلالة ورمزية سياسية واقتصادية وتنموية، وفيه رسالة لأبناء السودان بأن الخرطوم تهيأت لاستقبالهم.
وأشار إلى أن الولاية تحتاج لدعم المركز لإكمال مشروعات البنيات التحتية في الطرق والكهرباء والكباري والمستشفيات وغيرها.
وتحمل عودة الحكومة إلى الخرطوم دلالات سياسية وأمنية عميقة، إذ تعكس استعادة العاصمة لعافيتها بعد أن شهدت في فترات سابقة معارك عسكرية عنيفة بين القوات المسلحة ومليشيا الدعم السريع، انتهت بإخراج تلك الجماعة المتمردة من محيط المدينة في مارس 2025. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تؤكد انتهاء مرحلة التشكيك في أمن العاصمة وبداية مرحلة جديدة لإعادة البناء والاستقرار.
ويتوقع محللون أن تركز حكومة الأمل، التي تشكلت في يونيو 2025 عقب تعيين الدكتور كامل إدريس رئيساً للوزراء إثر تعديلات على الوثيقة الدستورية لعام 2019، على ملفات إعادة تأهيل الخرطوم، عبر مد شرايين الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه، ورصف الطرق، وإعادة تأهيل المدارس والمستشفيات والمؤسسات الحيوية، بما يعزز ثقة المواطنين ويشجع على العودة والاستقرار في العاصمة.
كما يُنتظر أن تسهم هذه العودة في استقطاب رؤوس الأموال، وإعادة تشغيل عجلة الصناعة والاستثمار، بعد الدمار الواسع وعمليات النهب التي تعرضت لها الخرطوم، فضلاً عن إعادة تقييم خيار العاصمة الإدارية المؤقتة في بورتسودان، الذي فُرضته ظروف الحرب.
وفي المقابل، تواجه حكومة الأمل جملة من التحديات، أبرزها تعزيز ثقة المواطنين، وتسريع وتيرة توفير الخدمات، وتحقيق قدر من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ومواجهة التضخم المتصاعد الذي يثقل كاهل السودانيين. إضافة إلى ذلك، تبرز الحاجة إلى بناء توليفة سياسية واسعة تنهي حالة الاحتقان والتشظي، وتؤسس لرؤية وطنية مشتركة تقوم على الحد الأدنى من التوافق لبناء مؤسسات الدولة، وضمان التحول الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة، مع مراعاة دور المؤسسة العسكرية وتأثيرات التحولات الإقليمية والدولية على السودان.
وفي هذا الإطار، يرى الكاتب الصحفي والمحلل السياسي الرشيد محمد إبراهيم أن عودة رئيس الوزراء إلى الخرطوم تمثل إعلاناً عملياً بانتهاء مقولة «الخرطوم غير آمنة»، وبداية فعلية لمرحلة إعادة الإعمار من داخل العاصمة، بقيادة حكومة الأمل. وأكد أن هذه الخطوة ستضاعف من مسؤوليات الحكومة، إذ ستكون مطالبة بتوفير الخدمات، ووضع سياسات اقتصادية تعزز موارد الدولة، وتنعش الخزينة العامة، وتزيد فرص العمل، وتعيد إعمار ما دمرته الحرب.
وأضاف الرشيد أن نجاح المرحلة المقبلة يتطلب توسيع دعم المبادرات ذات الطابع الاجتماعي والخدمي، التي لعبت دوراً محورياً خلال سنوات الحرب، لما لها من أثر في ردم أي فجوة محتملة بين الحكومة والمواطنين، وتعزيز الإقبال على العودة إلى الخرطوم، وفتح المنازل، وإحياء الأسواق، ورصف الشوارع، وإنارة الأحياء، بما يعيد للعاصمة نبضها ودورها الطبيعي كقلب للدولة السودانية.