
مؤتمرات المانحين للسودان .. أبعاد إنسانية وحسابات سياسية
مؤتمرات المانحين للسودان .. أبعاد إنسانية وحسابات سياسية
تقرير: الهضيبي يس
في ظل استمرار النزاع المسلح في السودان واقترابه من عامه الثالث، تتكثف التحركات الدولية الرامية إلى احتواء تداعيات الأزمة الإنسانية والأمنية المتفاقمة. وأعلن المبعوث الأمريكي للشؤون الأفريقية مسعد بولس أن الولايات المتحدة تخطط لعقد مؤتمر للمانحين خلال الأيام المقبلة، بالتنسيق مع شركاء دوليين وإقليميين، بهدف دعم برامج المساعدات الإنسانية المقدمة للسودان. وأكد بولس أن المؤتمر يأتي استجابة للأوضاع الإنسانية المتدهورة التي خلفتها الحرب، مشيراً إلى أن الإدارة الأمريكية تقود مقترحاً لمعالجة أزمة الصراع المسلح ضمن إطار تشاوري يضم دول الجوار السوداني ومنطقة الشرق الأوسط، ويرتكز على إدارة حوار مباشر بين أطراف النزاع على المستويين العسكري والسياسي.
في المقابل، لا تزال الحكومة السودانية تتمسك باشتراطاتها المسبقة، مؤكدة أن مليشيا الدعم السريع تمثل جماعة مسلحة خارجة عن القانون ومتمردة على الدولة، ومتورطة في انتهاكات جسيمة بحق المدنيين. وتشدد على أن أي تسوية سياسية للأزمة تستوجب خروج هذه المليشيا من المدن التي تسيطر عليها وتسليم سلاحها، وفقاً لما نصت عليه اتفاقية جدة لعام 2023.
وعلى صعيد متصل، تعمل الحكومة الألمانية على ترتيب عقد مؤتمر مانحين خاص بالسودان بمدينة برمنغهام، في خطوة تعكس تحوّلاً نسبياً في مقاربة بعض دول الاتحاد الأوروبي للأزمة السودانية. ويرى مراقبون أن التعاطي الأوروبي الأخير بات أكثر ميلاً للفصل بين الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية من جهة، والمليشيا المتمردة من جهة أخرى، بعد أن تكشفت مسارات الحرب وأهدافها وتداعياتها الإقليمية.
كما كشفت وسائل إعلام عن مباحثات مرتقبة خلال الأيام المقبلة بين أطراف أمنية من الحكومة السودانية ومسؤولين في الإدارة الأمريكية بالعاصمة واشنطن، لمناقشة ملفات ذات طابع أمني، من بينها مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، وهو ما يشير إلى بروز مسارات جديدة في إدارة ملف الحرب بالسودان، في ظل تصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من استمرار النزاع.
ويرى الكاتب الصحفي والمحلل السياسي إبراهيم ناصر أن اتجاه الإدارة الأمريكية في التعاطي مع ملف السودان بات مختلفاً خلال المرحلة الراهنة، نتيجة لتعدد المخاطر والمهددات المرتبطة بتمدد رقعة الحرب، وتأثيراتها التي تجاوزت حدود السودان لتطال أمن واستقرار الإقليم، لا سيما في ما يتعلق بمكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود.
ويشير ناصر إلى أن التركيز المتزايد على البعد الإنساني في مقاربة كل من الاتحاد الأوروبي والإدارة الأمريكية يُعد دليلاً على رغبة واضحة في تغيير النهج السابق في التعامل مع الأزمة السودانية، خصوصاً ملف الحرب، مؤكداً أن هذا التحول يتطلب من السودان التعامل بإيجابية أكبر مع هذه المبادرات.
ويضيف أن مؤتمرات المانحين، رغم طابعها الإنساني، تحمل في طياتها رسائل سياسية مهمة، ينبغي الاستفادة منها عبر تقديم رؤية سودانية واضحة لإنهاء الحرب، والتوصل إلى سلام عادل، وإبعاد كافة المؤثرات الخارجية، خاصة في ظل التأثر المباشر لعدد من دول المنطقة بإيقاع النزاع المسلح المستمر في البلاد.
ويرى الخبير في الشؤون السياسية والدولية مجتبى عبد الله أن مؤتمرات المانحين، رغم طابعها الإنساني، تحمل في جوهرها رسائل سياسية بالغة الأهمية. ويؤكد أن المجتمع الدولي بات أكثر إدراكاً لخطورة استمرار الحرب في السودان على أمن الإقليم، مشيراً إلى أن نجاح هذه المؤتمرات يتوقف على قدرة السودان على تقديم رؤية وطنية واضحة لإنهاء النزاع، وتحقيق سلام عادل، وتحييد التدخلات الخارجية، بما يحفظ سيادة الدولة ويمنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من عدم الاستقرار.